عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
أ.د عبد الرحمن بو درع
نائب رئيس المجمع

أ.د عبد الرحمن بو درع غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 140
تاريخ التسجيل : Mar 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 806
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي غربةُ اللّسان من غربةِ الحضارة (الحلقة الثانية)

كُتب : [ 04-01-2012 - 01:22 PM ]


غربةُ اللّسان من غربةِ الحضارة
(الحلقة الثانية)

كثيرًا ما يتحدّثُ الباحثون عن علاقةِ اللّغةِ بالفكرِ، و تأثيرِ الحضارةِ في اللّغةِ و تأثّرِها بها، وليست اللّغةُ العربيّةُ بدعًا من سائرِ اللّغاتِ في هذا الشّأن ؛ فقد كان لها نصيبٌ غير يسيرٍ من التّأثّرِ بالحضارةِ العربيةِ الإسلاميّةِ والتّأثيرِ فيها، وعُرفَ عن العربِ منذ القديمِ اعتزازُهم بلُغَتِهم، وشعورُهم بتفوّقِها وقدرتِها على التّعبيرِ عن أغراضِهم و مستجدّاتِ حياتِهم الاجتماعيّةِ والعَقَديّةِ و العلميّةِ، وكانَ هذا مظهرًا من مظاهرِ تحضّرِ النّاطقينَ بالعربيّةِ لأنّهم كانوا يصوغونَ خيوطَ أنماطِ حياتِهم بنسيجٍ عربيّ خالصٍ، ولا يعتمدون على أنماطٍ أخرى أجنبيّةٍ عنهم إلاّ على سبيلِ الاستفادةِ و التّفاعلِ لا الهيمنةِ و الغزوِ. بل يعدُّ انْتقالُ العربِ من الجاهليّةِ الضّيّقةِ إلى حضارةِ الإسلامِ الواسعةِ أكبرَ عاملٍ من عواملِ نهضةِ لغتِهم و رُقِيِّ أساليبِها و اتِّساعِها لمختَلِفِ أَنْماطِ التَّعبيرِ، وأهمَّ سببٍ من أسبابِ تهذيبِ لُغَتِهم و سمُوِّ أساليبِها و اتِّساعِ نِطاقِها و تخلُّصِها ممّا عسى أن يكونَ بها من خُشونةٍ و غرابةٍ (1) .
و عندما أصيبَ المجتمعُ العربيّ الإسلاميّ بصدماتِ الغزو و الاستعمارِ المتتاليةِ تراجعت قدُراتُه الإبداعيّةُ و مهاراتُه اللّغويّةُ (2) ، و تفكّكت الأواصرُ التي كانت تشدّ اللّغةَ بالحضارةِ ، فتخلّى المتكلّمونَ عن التّعبيرِ عن أنماطِ حياتِهم ، و استعاروا لغاتِ الغزاةِ، و أكبّ الباحثون على مناهجِ البحثِ اللّغويّ في اللّغاتِ الأجنبيّةِ و أخذوا يطبّقونها على لهجاتهِم اليوميّةِ ، حتّى باتَ متداوَلاً عندهم أن العلومَ و المعارفَ تتطوّرُ في كنفِ اللّغاتِ الأوربّيةِ فقط، أمّا اللّغةُ العربيّةُ فقد احتفظوا لها بصفةِ التّعبيرِ عن التّقاليدِ و الأصالةِ و الذّاتِ لا غير ؛ لأنّها بزعمِهم عاجزةٌ عن التّعبيرِ عن أنماطِ الحياةِ الجديدةِ التي تفرِضها المدنيّةُ الغربيّةُ على العالَم . هكذا نظروا إليها ! بينما هي في حقيقةِ الأمرِ غريبةٌ في بيئتِها و بين أبنائها ، و لا يمضي يومٌ في مسارِ التّفوّقِ الغربيّ على الأصعدةِ المختلفةِ إلاّ و تزدادُ العربيّةُ معاناةً من الإهمالِ و الغربةِ ؛ فهي تعاني من انصرافِ المتكلّمينَ العربِ إلى اللّغاتِ الأجنبيّةِ بدعوى أنّها لغاتُ الانفتاحِ على العالَم ، و انصرافِ طائفةٍ أخرى إلى لهجاتٍ إقليميّةٍ لإحياءِ ثقافاتٍ محلّيّةٍ ، و انصرافِ طائفةٍ ثالثةٍ إلى اللّهجةِ العامّيّةِ الدّارجةِ بدعوى أنّها لسانُ الخطابِ الشّعبيّ و التّداولِ اليوميّ .
و هذا وضعٌ غيرُ مُريحٍ فُرِضَ على اللّغةِ العربيّةِ في العالَم العربيّ ، بل فُرضَ عليها صراعٌ لغويٌّ مريرٌ بينها و بين تلك اللّهجاتِ و اللُّغَيّاتِ ، و هو صراعٌ غريبٌ عنها أحدثته فئةٌ اجتماعيّةٌ تنتفعُ من هذا الصّراعِ و تقتاتُ عليه ؛ لتنتعشَ مشاريعُ لها و برامجُ و تصوّراتٌ ضيّقةٌ على حسابِ المشروعِ العربيّ الفصيحِ ، أي إنّ تعويضَ العربيّةِ الفصيحةِ بالأجنبيّةِ أو العامّيّةِ أو اللّهجةِ المحلّيّةِ يُفضي إلى نقضِ عُرى الأمّةِ و ذهابِ هويتِها ، و هو صراعٌ مريرٌ (3) – كذلك – لأنّ العربيّةَ لم تتنازلْ إلى يومِنا هذا عن حقّها في الوجودِ و مكانتِها في التّعبيرِ عن الثّقافةِ و العلمِ و وجدانِ الأمّةِ و عقيدتِها ، و يكمنُ سرُّ تلك المقاومةِ في أنّ عمومَ المتكلّمينَ العربِ ، ما زالوا متمسّكينَ بالأساسِ الدّيني و الحضاريّ للعربيّةِ الفصحى ، و لو تركوا هذا الأساسَ لضاعت العربيّةُ و لتلاشت أجزاؤُها ، مثلما تلاشت اللاتينيّةُ لفائدةِ لهجاتٍ أوربّيةٍ أصبحت تُدعى فيما بعد لُغاتٍ حيّةً .
و يَتّخذُ هذا الصّراعُ في أجزاءِ الوطنِ العربيّ الكبيرِ شكلينِ مختلفينِ ، وذلك بحسبِ انفتاحِ هذا البلدِ أو ذاكَ على المؤثّراتِ الأجنبيّةِ الوافدةِ أو ضعفِ انفتاحِه عليها؛ فكلّما ازدادَ هذا الانفتاحُ في بلدٍ عربيّ ما ضعفت ملَكةُ أهلِه – على تفاوتٍ بينهم – في أداءِ العربيّةِ الفصيحةِ ، و تفاقمت مظاهرُ الازدواجيّةِ و الثّنائيةِ اللّغويّةِ في المحاوراتِ، وساعدَ هذا الانفتاحُ و تلك الازدواجيّةُ على الانسلاخِ المتدرّجِ من المجتمع ، وعلى التّطلّعِ إلى المجتمعِ الأجنبيّ و عَدِّ من لم يكتسبْ لغةَ الأجنبيّ و عاداتِه و معارفَه جاهلاً يفتقرُ إلى أسبابِ التّقدّمِ و الحداثةِ ، فأصبحَ مقياسُ التّقدّمِ هو التّجرّد من صفاتِ الذّاتِ وأصولِها وتقمّص خصائصِ الآخَرِ و لغتِه و معارفِه و عاداتِه ... و لا نتحدّثُ هنا عن غبطةِ هذا الأجنبيّ بهذا الاتّباعِ ، بل اجتهادِه في ترسيخِ هذا الوضعِ ؛ حتّى يصبحَ العالَمُ العربيّ بعاداتِه و منتجاتِه و لُغاتِه سوقًا لعرضِ سِلَعِ الأجانبِ و لغاتهم و مدنيّتِهم . و هكذا أدّى هذا الازدواجُ اللّغويّ القهرِيُّ إلى تصدُّعِ وحدةِ الأمّةِ الاجتماعيّةِ ، و تمزيقِها إلى طبقاتٍ ثقافيّةٍ و عقليّةٍ، «و بهذه الوحدةِ المرْضوضةِ الواهنةِ تُمارِسُ الحياةَ العمليّةَ وهي خائرةُ التّماسكِ، فاترةُ التّعاونِ»(4).
هكذا ألْفَت العربيّةُ الفصحى نفسَها مُهْمَلَةً مُلقاةً في رُفوفِ المكتباتِ ورِحابِ الجامعاتِ والمجامعِ العلميّةِ والأكاديميّاتِ، وفي بطونِ الكتبِ القديمةِ، فتراجعت قدراتُ المتكلّمينَ اللّغويّةُ و ملَكاتُهم الفصيحةُ، وانعكسَ كلُّ ذلكَ على مستوى التّعليم وعلى كلِّ ما يترتّبُ على التّعليمِ من تنميةِ القدراتِ العقليّةِ و المهاراتِ اللّغويّةِ، ومِن تزويدِ المتكلّمِ بملَكةِ التّواصلِ اللّغويّ السّليمِ و تداولِ الخبراتِ والمعلوماتِ والمعارِفِ بصورةٍ صحيحةٍ. ويظهرُ أثرُ إهمالِ العربيّةِ الفصحى و سحبِها من دواليبِ الحياةِ ومراكزِ الفكرِ و الفعلِ والقرارِ، في أنماطِ الأخطاءِ التي يرتكبُها التّلاميذُ والطّلاّبُ في جميعِ مستوياتِهم الدّراسيّةِ، ويتلقَّفونها من أنماطِ التّعبيرِ و الأساليبِ المُلَقَّنَةِ، ويستعيرونها من اللّهجاتِ السّائدةِ .
.................................................. ................

[1] انظر في هذا الموضوع : اللّغة و المجتمع، د. علي عبد الواحد وافي ، مط. عيسى بابي الحلبي و شركاه، دار إحياء الكتب العربية، ط.2/ 1370-1951. ص:10.
[2]تراجعت قدُراتُه تحت وطأةِ الاستعمارِ الذي حاربَ العربيَّةَ حَرْبًا ضروسًا ، و أحلَّ الحرفَ اللاّتينيَّ محلَّ الحرفِ العربيِّ وسعى إلى القضاءِ على جلِّ المراكزِ الإسلاميّةِ من كتاتيبَ ومدارسَ قرآنيّةٍ و زوايا ومساجدَ، و أصبح استعمالُ العربيّةِ ممنوعًا بالقوّةِ في كلّ مرافقِ الحياةِ ، بما فيها المدارس و مناهج التّعليمِ. انظر: الفرنكفونيّة و السّياسة اللّغويّة و التّعليميّة الفرنسيّةبالمغرب، الأستاذ الدّكتور عبد العلي الودغيري، الشّركة المغربية للطّباعة والنّشر، الرّباط، ط.1 / 1993 م. ص:73.
[3] يتّخذُ صراعُ العربيّةِ مع غيرِها من اللّغاتِ و اللّهجاتِ ، طابعينِ اثنينِ : طابع الازدواجيّة و ذلك في صراعِها مع اللّهجاتِ المحلّيةِ و الدّوارِجِ التي تُساكنُها، و طابع الثّنائيّةِ و ذلك في صراعِها مع لغاتٍ أجنبيّةٍ أخرى دخلت مع دخولِ الاستعمارِ و فُرِضت بقوّةِ الحديدِ و النّار.
انظر في بيان الفرق بين الازدواجية والثّنائيّة: المقارنة و التّخطيط في البحث اللّساني العربي، د. عبد القادر الفاسي الفهري . دار توبقال للنّشر ، البيضاء ، ط.1 / 1998، ص:151.
[4]مُشْكِلاتُ حياتِنا اليوميّة: 8... الأستاذ أمين الخولي، الهيئة المصرية العامّة للكتاب1987 .


أ.د عبد الرحمن بودرع
أستاذ التعليم العالي بجامعة عبد المالك السعدي
كلية الآداب والعلوم الإنسانية ـ تطوان ـ المغرب

رد مع اقتباس