وقيل كسرة الهمزة في قراءة : ( فَلإِمِّهِ الثُّلُثُ ) إتباعا لكسرة المتقدم وهو اللام ، ونسبت لهجة كسر الحرف الثاني إتباعا لكسرة الحرف الأول إلى بعض قبائل نجد كـ طيّىء وكلب وهوازن وهذيل ( 1 )
* ومن مظاهر إتباع حركة الحرف المتأخر لحركة الحرف المتقدم قراءة : ( الحمدُ لُلهِ ) ( 2 ) بضم اللام إتباعا لضم الدال ، فقد أتبعوا حركة بناء حرف اللام في ( لله ) لحركة إعراب حرف الدال في (الحمدُ) ، قال ابن جني مرجحا هذه القراءة على قراءة : ( الحمدِ لِله ) ( 3 ) بكسر الدال واللام
(( إلا أن ( الحمدُ لُله ) بضم الحرفين أسهل من ( الحمدِ لِله ) بكسرهما من موضعين أحدهما : أنه إذا كان إتباعا ، فإن أقيس الإتباع أن يكون الثاني تابعا للأول ؛ وذلك أنه جار مجرى السبب والمسبَّب ، وينبغي أن يكون السبب أسبق رتبةً من المسبَّب ، والآخر : أن ضمة الدال في ( الحمدُ ) إعراب ، وكسرة اللام في ( لِله ) بناء ، وحرمة الإعراب أقوى من حرمة البناء ، فإذا قلت :
( الحمدُ لُله ) جنى البناء الأضعف على الإعراب الأقوى . )) ( 4 ) ولابن جني تعليل آخر في ترجيح قراءة ( الحمدُ لُله ) يرجع إلى قوة اتصال المبتدأ بالخبر فقال ( 5 ) : (( مما يدل على شدة اتصال المبتدأ بخبره قراءة من قرأ : ( الحمدُ لُلَّه ) بضم اللام ، ألا ترى أن شبهه بـ ( طُنُب ) و ( بُرُد ) ، فلولا أن المبتدأ قويُّ الاتصال بخبره لما شبها معا بالجزء الواحد وهو ( الطُّنُب ) و ( البُرُد ) ...... وكذلك قرأ من قرأ ( الحمدِ لِله ) بكسر الدال ، ألا ترى أنه شبهه بإِبِل وإِطِل والقول فيهما واحدة ))
كما جاء في إعراب القرآن للنحاس ( 6 ) : (( وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة : ( الحمدُ لُله ) وهذه لغة بعض بني ربيعة ، والكسر لغة لبني تميم ، فأما اللغة في الكسر فإن هذه اللفظة تكثر في كلام الناس والضم ثقيل ، ولا سيما إذا كانت بعد كسرة ، فأبدلوا من الضمة كسرة ، وجعلوها بمنزلة شيء واحد ، والكسرة مع الكسرة أخف ، وكذلك الضمة مع الضمة ، فلهذا قيل : ( الحمدُ لُله ) . ))
* ومن أمثلة إتباع حركة الحرف المتأخر وهي حركة غير إعرابية لحركة الحرف المتقدم وهي حركة إعرابية قراءة النخعيّ : ( فَأَنَّ للهِ خِمْسَهُ ) ( 7 ) بكسر الخاء إتباعا لكسر الهاء قبله
* ونظيره إتباع حركة التاء لحركة الميم في لغة ( 8 ) من يقول : ( مُنْتُن ) ( 9 ) في ( مُنْتِن ) ، فـ
( مُنْتُن ) بضم التاء إتباعا لضمة الميم ، وقولهم : هو مُنْحُدُرٌ من الجبل ( 10 )
قال ابن جني : (( ومثله من الإتباع ما حكاه من قولهم : مُنْتُن بضم التاء ، وهو مُنْحُدُر من الجبل . وحُكي أيضا أَجُؤُك واُنْبُؤُك )) ( 11 ) .
كما قالوا فيه : ( مِنْتِن ) بكسر الميم إتباعا لكسرة التاء ، ولم يعتدوا بالنون حاجزا لخفائها وسكونها وكونها غنة في الخيشوم ونسب ابن سيده ( 12 ) ( مِنْتِن ) بالكسر إلى تميم ،
قال سيبويه : (( وأما الذين قالوا : ( مِغِيرة ) ( 13 ) و( مِعِين ) فليس على هذا ، ولكنهم أتبعوا الكسرةَ الكسرةَ ، كما قالوا : ( مِنْتِن ) . )) ( 14 )
__________________________________________________ ____
( 1 ) انظر الكتاب 4 / 146 ، 147 ، البحر المحيط 3 / 540 .
( 2 ) أول سورة الفاتحة وهي قراءة أهل البادية وإبراهيم بن أبي عبلة . معاني القرآن للفراء 1 / 3 ، معاني القرآن للزجاج
1 / 45 ، المحتسب 1 / 37 ، البحر 1 / 18 ، الأشباه والنظائر 1 / 13 ، الإتحاف 1 / 363
( 3 ) قراءة : ( الحمدِ لِله ) بكسر الدال إتباعا لكسرة اللام بعدها يشوبها غرابة ؛ لأن فيها إتباع حركة حرف معرب وهو الدال
لحركة حرف مبني وهو اللام ، فحركة الإعراب لا تستهلك لحركة الإتباع إلا على لغية ضعيفة . انظر معاني القرآن
للزجاج 1 / 45 والمحتسب 1 / 37 والكشاف 1 / 42 ، والتبيان 1 / 30 ، والبحر 1 / 18 .
( 4 ) حكم ابن جني على قراءة ( الحمدُ لُله ) و ( الحمدِ لِله ) بالشذوذ في القياس والاستعمال في المحتسب 1/ 111، 112 .
( 5 ) انظر الخاطريات ص 122 ، 123
( 6 ) إعراب القرآن للنحاس 1 / 120 .
( 7 ) من سورة الأنفال الآية 41 . وقراءة الجماعة : ( فَأَنَّ للهِ خُمُسَه ) بضم الخاء والميم . انظر مختصر شواذ القرآن من كتاب
البديع 49 ، البحر المحيط 4 / 499 ، الدر المصون 3 / 420 .
( 8 ) نسبها ابن سيده إلى أهل الحجاز انظر المخصص 11 / 206 .
( 9 ) مِنْتِن أصله مُنْتِنٌ من أَنْتَنَ وهو الرائحة الكريهة فاسم الفاعل مُنْتِنٌ ويقال : مِنْتِنٌ بكسر الميم والتاء ومُنْتُنٌ بضم الميم والتاء
ومِنْتِين بالياء أما مُنْتِن فهو الأصل ثم يليه مِنْتِنٌ وأقلها مُنْتُن ، وقيل مِنْتِن : أصله مِنْتِين ثم حذفوا حرف المد الياء مثل مِنْخِر
فأصله مِنْخِير بوزن مِفْعِيل . انظر التهذيب ( نتن ) .
( 10 ) انظر الكتاب 4 / 146 .
(11 ) انظر المحتسب 1 / 277 والمصدر السابق أيضا .
( 12 ) المصدر السابق .
( 13 ) مُغِيرة اسم ، وقول بعضهم : مِغِيرة فليس إتباعا لأجل حرف الحلق كشعير وبعير ، إنما هو من باب مِنْتِن ومن قولهم :
أُخؤُؤك وابنؤُؤك والقُرُفُصاء والسُّلُطان ، وهو مُنْحُدُرُ من الجبل . انظر اللسان ( غور ) .
(14 ) انظر الكتاب 4 / 109 .