تتمة :
رفض ترشيحه لمنصب امين عام الجامعة العربية:
وفي عام 1978 وكنت يومها اعمل بسفارتنا في بلجيكا وردتنا برقية رمزية من وزارة الخارجيه تفيد بترشيح العراق الدكتور الجواري لمنصب ( أمين عم جامعة الدول العربيه) .. وقد علمت منه رحمه الله انه لم يكن راضيا..
كتب عنه الموسوعي "حميد المطبعي" في موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين فقال
إن للدكتور الجواري مواقف مشهودة في دعم العمل القومي الموحد وبسبب ذلك سجن واضطهد خاصة في العهد الملكي.. كما كتب عنه آخرون فأكدوا انه إنسان محب للخير، متمسك بالقيم الأخلاقية النبيلة وديدنه خدمة الناس واحترامهم. وكانت له نشاطات في المنتديات الثقافية، كما ارتبط بصلات مع كثير من علماء وشيوخ عصره. وقد ظهرت له الكثير من البحوث والدراسات منشورة في مجلات عراقية وعربية تحتاج إلى من يقوم بجمعها وإعادة نشرها لأهميتها. كما كانت له قصائده التي يصدح فيها منذ أيام طلبه للعلم في دار المعلمين العالية..
ولم يكن هناك من (مربد ) يعقد في بغداد يفوته إلا وله قصيدة ولعل من قصائده المشهورة قصيدته التي مدح فيها الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم سنة 1940 وألقاها في احتفال دار المعلمين العالية بالمولد النبوي وفيها يقول:
عليك من الله العظيم سلامه وممن تردى في هواك سلام
نبي الهدى يا أكرم الخلق إنني بحبك مأسور الفؤاد مضام
أيا شافعي يوم الزحام ومنقذي لدى الحشر إن مس الضلوع ضرام
شريعتك الغراء وردي ومنهلي ودينك لي عند النزال حسام
بروحي رسول الله كم نلت من أذى و صبرك عند الحادثات لزام
عدمت نصيرا بين قوم جبانهم لدى الروع حزاز الرقاب همام
فما كنت إلا صابرا ليس ينثني عن الحق في قلب الضلال سمام
بعثت نصيرا للضعاف فويحهم بنوك عن الدين الحنيف نيام
و كنت أذا نامت عيونك ليلة فقلبك ما أصفاه ليس ينام
وكتب عنه مظفر بشير قائلا:
"تتلمذت عليه في مفتتح الخمسينات من القرن المنصرم في دار المعلمين العالية وكان آنذاك يشغل منصب معاون العميد فيها وكان لي ولزملائي ملاذا يمهد لنا كل الصعوبات التي تعترض طريقنا فما قصده ذو حاجة إلا عاد بها فاتحا ذراعيه له ووجهه وضاح وثغره باسم ونفسه مطمئنة"..
وكان رحمه الله لا ينسى أسماء طلابه وهم كثر مهما بعدت الشقة وطال الزمن ترفده بذلكذاكرة خصبة معطاء وحيوية شاب نشا في طاعة الله. وما اسعد الطالب حين يناديه أستاذه باسمه وكانت هذه السعادة من حظ طلابه أجمعين وان بعدت بينه وبينهم المسارات واختلفت الاتجاهات. عشنا معه في أجواء دار المعلمين أخا كبيرا حانيا وأستاذا حريصا على إفادة طلابه وعرفناه بعد ذلك في أروقة وزارة المعارف ـ التي سميت فيما بعد وزارةالتربيةـ مديرا عاما ثم وزيرا ... وهو هو ذلك الأخ الحاني والأستاذ الرفيق الوديع واثقا بنفسه مؤمنا ان من تواضع لله رفعه. متفقدا طلابه ومعارفه متعاونا مع زملائه مؤمنابان الله مع العبد ما دام العبد في عون أخيه".
ويضيف مظفر بشير:
"كنت اشد زملائي ألما وحسرةعلى فراقه وكنت لسان حالهم حين نظمت قصيدة معبرة عن مشاعري ومشاعرهم تجاه أخينا الكبير وأستاذنا القدير ونشرتها في جريدة صدى الأحرار الموصلية وبعثت بنسخة منها الى حيث مقر أستاذنا وها أنذا ذاكر ما أتذكر من هذه القصيدة:
عج الفؤاد وان القلب ميدان عواطفا كلها روح وريحان
عواطف نحو شهم ضمها زمنا واليوم تهدى اليه وهي الحان
نصغي إليك بدرس النحواجمعنا وكلنا للذي تحكيه آذان
وسيبويه قرير العين مغتبط إذ فيك شيد لأس النحوتبيان
أطوف بالدار ساهمة كأنني وسط دير فيه رهبان
أقول للدار لا تأسي فبعدغد أبو الشهاب سيأتي وهوجذلان
يأتيك يحمل دكتورا تزان به ولا أقول بها إذ ذاك يزدان
ومن أروع ماقيل في رثاء المرحوم طيب الذكر أحمد عبدالستار الجواري (رائية الدكتور محمد حسين الصغير) التي جاء فيها:
لك في الجوانح جذوة وأوار أرأيت كيف تشب هذي النار
أرأيت كيف الحزن يفرغ غيضه وتصعد الزفرات وهي حرار
أرأيت كيف الجمر يلهب في الحشا فالقلب زند والاسى اعصار
حلم تقضى واستقرت موجة وسجى الهوى وتحطم القيثار
والعمر ضاح والشبيبة غضة ومن الكهولة هيبة ووقار
اني ليخنقني الشجا ويهيجني من ذكرياتك هاجس هدار
عرفان ذلك في الفؤاد فخفقه رمز الوفاء ونبضه الايثار
ملك المصاب مشاعري فتعطلت وتأججت برثائك الاشعار
وتلجلجت وانا البليغ عواطفي وتكلمت لي ادمع مدرار
جددت فقد ابي بموتك فجأة والامر يفجأ والردى غدار
لو كنت تفدى والرزايا جمة لفدتك بالنفر العديد الدار
لكن اراد الموت شخصك فانطوى ذاك الجناب واوحش المضمار
ماكان فقدك فقد فرد انه جيل يموت وامة تنهار
ولقد وقفت على ضريحك واجما والغيث سكاب به درار
استلهم الماضي القريب وارتعي طيف السنين فتعزف الأوتار
كنت العزاء وما العزاء بنافع في النائبات إذا الأحبة ساروا
أعجوبة الدنيا خلاصة أمرنا هذا التراب وتلكم الاحجار
افهذه عقبى الحياة وزهوها فلمثل ذا فليعمل الاخيار
في الخمسة الاشبار الف رسالة تحكي صداه الخمسة الاشبار
هذا الاديم جماجم منثورة وجناجن منظومة وفقار
وسواعد حبك الجمال فصولها وذوائب شقر الرؤى عذار
جثث على جثث وتلك رواية في القبر ترفع عندها الاستار
قطع من الخزف المهين تحطمت ومعادن مسنونة وفخار
غطى الفناء فنائها وبضمنها للمتقين جواهر ونضار
حسبان ذلك للحياة نهاية وبانها فلك بنا دوار
كلا فبعد اليوم يوم قيامة ووراء هذي الدار تلك الدار
ياراحلا في الخالدين وحوله الجنات تجري تحتها الانهار
الرفقة الابرار ادلج ركبهم أرأيت كيف الرفقة الابرار
مددت من الاخرى اليك وشائج من سابقين الى الكرامة صاروا
اعزز علي وقد مضيت فلا ارى لمعان حدك ايها البتار
خلت المحافل من علاك واوحشت من بعد فقدك تلكم الاسمار
وبكى الجنوب بك الشمال من الاسى وتنادت القصبات والامصار
ياصاحب القلب الطهور وملؤه للناس حب دونه الامطار
فقدت بك الفصحى اجل بُناتِها واستعبرت من بعدك الاسفار
وانفض عقد الزائرين الى العلى واغام صبح الواهبين غبار
واشتاقت الموت الزؤام كرامة سحقت ودنس قدسها جبار
لكن لي ببنيك اعظم سلوة والشبل في اجماته زار
مضر وأروى والحبيب محمد ومعاذ اما مصعب فمنار (***)
يا قلب ما لك في وجل أجزعت على فراق ابي أســــل (***)
في هذه الدنيا حديث رائع وغدا ستنشر تلكم الاثار
تتشابك الافياء في جنباتها شم الظلال وتسرج الانوار
والباقيات الصالحات بضوئها تسري النجوم وتهتدي الاقمار
يابدر داجية البلاد وقد طغى وهج وسد الدرب فهو عثار
رجل العروبة في العراق وانه شرف به يومى له ويشار
عبدت مزلقة النضال بنظرة عصماء تشخص نحوها الابصار
تتبحر الاجيال في خطواتها الصم الصلاد وتفخر الاعصار
ويشعشع الايمان في نفحاتها ويغيب عن ساحاتها الدولار
وحقيقة التاريخ تنسف ماوحى الاجراء والعملاء والاشرار
لك (بالرضا) (المهدي) اية قدوة فهما وانت ثلاثة اشطار
معنى العروبة عندهم ان تحتمي بالشعب لا ضغط ولا استعمار
وتراثها الدين الحنيف يقوده فينا النبي وآله الأطهار
وعصارة للفكر تهدم ما ابتنى الالحاد وما شرع الاغمار
(نحو من التيسير)في(قرانه) (نحو للمعاني) يجتبى ويشار
وازاءها وامامها وورائها نجم يضئ وكوكب سيار
مني عليك تحية معطار ولذكرك الاجلال والاكبار
حبتك بالحزن العميق قرائح مشبوبة وخرائد ابكار
ناجيت قبرك والشذى موار وشممت تربك والثرى نوار
ووقفت جنبك والصدى بي صائح (لا انت انت ولا الديار ديار)
ياقيس ليلى او جميل بثينة (خف الهوى وتولت الاوطار)
(ياحبه العذري) صوح بعدما قطعت به للعاشقين ثمار
ذهب الجواري الذي عن نبله تتحدث الانباء والاخبار
لاشئ بعد وفاته الا الوفا والناس اصناف به احرار
أأقيم عندك والشجى بي عاصف او ان ازورك والحبيب يزار
ستعج بعدك في كياني هزة خرساء تجهل كنهها الافكار
وتظل تجري في عروقي نفثة حمراء دفق جراحها فوار
حزنا على الاحباب وهي تعلة فالليل ليل والنهار نهار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(***) هم أولاد المرحوم الذين تربوا على يديه وساروا على نهجه وخطاه يحفظهم الله
الدموع الجواري على الوزير الجواري قصيدة للشاعر محمد السيفي
اقض مضاجعي موت (الجواري) وحل الحزن ليلا في نهــاري
فمــالي لا اصدق ان بدرا كـهذا البدر ينأى عن مداري
وما للأكرمين مضـوا سرعا متى جائوا ليبقوا في القـرار
فجيعتنا باحمد-اي وربـي يضاهي حزنها..فيض اصطبار
وناع قد نعاه الـي ابكي سريراتي..وقد هـــان اقتداري
اداري ادمعا تجـري سجاما فصرت محيرا،ماذا اداري
لفقدك هانت الدنيا بعيني وبعدك قد اقمت على اضطرار
مناقب احمد عاشـت مثالا وفيـه مناقب العرب النجار
وكــان مجامع الفكر المعلى اديبا عالما بين الكبار
وكـان جهاده دينا ودنيا يواصل ليله اثـر النهار
وكـان ملاذنا في كل بأس كعيسى حوله جمع الحواري
يفيض بوجهه القا نضيرا يحاكي وجهه الق النضار
ابـو البشر المنسب كل اصل عريق الآل من عرب النزار
فيـا ابهى كريم في البرايا يعـز جواره بين الديار
وكـــان جواره في(الكرخ) ذخرا لكـل عقيلة واخ وجار
خسرنا فيه طود العلم يعلو منارا نيرا فوق المنار
الا طابت بـك الجنات مسكا وانعم بالمقام وبالمزار
شتان بين هؤلاء الأفذاذ وصعاليك اليوم!
واليوم لابد لنا من وقفة وفاء أخرى مع الأستاذ، المربي، الصديق، والجار، الدكتور أحمد عبدالستار الجواري وهو إلى جوار رب رحيم كريم سيشمله برحمته الواسعة التي وسعت كل شيء فكيف لا تسعه وتسعنا وتسع كل محبي الأستاذ أجمعين، والسائرون على نهجه وسيرته، ولعلنا في هذه الأيام المظلمة من تاريخ عراقنا، نغبط الراحل أنه ترك العراق معافى شامخ ولم ينتظر يوما أسود كهذه الأيام التي نعيشها ويعيشها العراقيون، كان الدكتور واحدا من رعيل من الوزراء والقادة المؤثرين، والمبدعين، والذين يشار لهم بالبنان، وإنا لنأسف إلى ما آلت إليه أحوال العراق، حيث شتان بينهم وبين ذلك الجيل، جيل الدكتور الجواري شتان بين وزراء الأمس الأفذاذ، ووزراء اليوم. أولئك هم الأفذاذ فجئني بمثلهم..!
وليرحم الله استاذنا الجواري ويتغمده بواسع رحمته ومغفرته.