عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 06-06-2016 - 11:43 AM ]


العودة إلى دمشق:

بعد عودته من مصر عُيّن مدرسًا في الثانوية أيامًا قليلة، ثم تولى التدريسَ في دار المعلمين الابتدائية بدمشق، ودار المعلمات، وفي كليتَي الشريعة والتربية بجامعة دمشق، مدة سنتين، وكان في كلية التربية مشرفًا على القسم التطبيقي العملي لطلاب الشريعة.



ثم عيِّن مفتشًا اختصاصيًّا لمادة التربية الإسلامية، فكان المسؤول الأول عن كل ما يتصل بالمادَّة، من تأسيس المناهج وتنقيح الكتب، واختيار المعلمين، وجاهد في ذلك ضد دعاة الاشتراكية والقومية والعلمانية، لا سيما أن بعض قياداتهم تولى وزارة التربية! وصبر على المكائد والأذية- ومنها السجن والفصل وقطع الراتب- إلى أن أصلح الله به أمورًا عظامًا، فضاعف حصصها، وتضخم المنهج من كتيب هزيل إلى مجلد كبير غني بالعلم، وهذّبه ونقاه من الخرافات والبدع والأحاديث الضعيفة، وبقي أثره في مناهج سورية مدة طويلة، وهذا أمر مشهودٌ له ومعروف، والحديث عنه يستحق مجالًا واسعًا، فجزاه الله خيرًا.



وكان للشيخ نشاط متميز في نشاطات مسجد جامعة دمشق، وينتهز فرصة مجيء كبار الشخصيات الإسلامية عند زيارة دمشق، فكان مرافقًا لمجيزنا الشيخ أبي الحسن الندوي في دمشق، وقد أثنى عليه في مذكراته، واستفاد من العلامة تقي الدين الهلالي، وكذلك رافق الشيخ المحدث أحمد محمد شاكر المصري- وكان لقيه في مصر قبل- وزار بمعيته الشيخ الألباني، وقال: أعجب كل منهما بالآخر. ومثله سيد قطب، ويقول: دعوتُه لحضور درس الألباني في بيتي، فجاء، وسر كل منهما بالآخر أيضًا.



وهذا يجرنا للحديث عن علاقته بالشيخ الألباني:

التعرف إلى الشيخ الألباني، والانتقال للسلفية:

رجع شيخنا إلى دمشق سنة 1951 كما تقدم، وهناك عرّفه زميله الشيخ الدكتور محمد أمين المصري بالشيخ الإمام المحدّث محمد ناصر الدين الألباني رحمهما الله تعالى، ويقول شيخنا الفقيد: إن هذا أكبر معروف أسداه لي الشيخ المصري.



يقول شيخنا: «وجدتُّ عند الشيخ الألباني ما لم أجده عند علماء مصر، خاصة في السنّة وتحقيقها، والاهتمام بالتصفية والاقتصار على الصحيح، وحفظ الوقت، وما أعرف في المعاصرين أشد حفاظًا على وقته منه، ولما وجدته على هذا العلم الغزير بالسنة والعقيدة رجوتُه أن يعمل عندي درسًا في بيتي، فاستجاب لي في حدود سنة 1371-1373 (1952-1954)، وأول ما درّسناه لمعة الاعتقاد، ولكن أهم من ذلك كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبدالوهاب، فكنا نقرأ في الكتاب، ويحل لنا كلام المؤلف، لا سيما فهم وجه استنباط المسائل، وله فضل كبير علينا.



وصرنا نلتقي مع الإخوة على حفظ القرآن ودراسته، ومنهم الأستاذ محيي الدين القُضْماني.



فبقيت أدرس على الشيخين أحمد كفتارو والألباني معًا، وكان درس كفتارو في جامع أبي النُّور بعد العصر، ودرس الألباني بعد المغرب في بيتي قرب جامع الشَّمْسِيَّة، فإذا فرغت من الدرس الأول أركض ركضًا لأدرك ضيوفي عند بيتي! فلم تكن هناك مواصلات، وأحيانًا أجدهم واقفين عند الباب ينتظرونني فأعتذر لهم، وكان الألباني لا يتكلم أمامي بشيء على كفتارو والتصوف، ويكتفي بالتدريس، وبعد مدة وجدت بطريقته المنهجية الحكيمة المقنعة أن الإسلام الصافي النقي شيء، وأن التصوف شيء آخر، وأثّر فيّ أيضًا رؤية الفارق من تعفف الشيخ الألباني الذي قلّ نظيره، وبين مد غيره للتقبيل و(كبس اليد) بالنقود! وتعريضه قائلًا: إذا ذهب أحد للطبيب ألا يدفع له؟



ومما أثّر فيّ أيضًا وصدّني عن التصوف تركيز الشيخ الصوفي على إلغاء عقل المريد، وترسيخ فكرة أن الشيخ محفوظ- لا يقولون معصوم، لكن هذا الواقع- حتى لو جاء بما يخالف الشرع في ظاهره، فعلى المريد أن يتبعه».



ويستشهد شيخنا بثلاث قصص شنيعة سمعهما من شيخه كفتارو عشرات المرات كان يرددها ويرسخها في مريديه، إحداها: قصة ذلك الشيخ الصوفي الذي كان يسيح في الأرض ويمشي على الماء، وأصر مريد له أن يصحبه، والشيخ يرفض، ومع الإلحاح وافق بشرط أن يطيعه في كل شيء، فمضيا، ولما وصلا للماء قال له الشيخ: أنا أقول: «يا الله» فأمشي على الماء، وأنت اتبعني ورَدِّد: «يا شيخي» وستمشي مثلي، فلما انتصف في البحيرة جاء الشيطان ووسوس للمريد: أنت تقول: «يا شيخي»! طيب شيخك يقول: «يا الله»، فلماذا لا تقول أنت مباشرة مثل شيخك: «يا الله»؟ فلما قالها سقط في الماء! وصار يستغيث بشيخه، وأقبل هذا يسبه ويقرّعه، ويقول له: هل أنت كفؤ أن تقول بلسانك: «يا الله»؟ أنت وِرْدُك أن تقول: «يا شيخي»! فتاب المريد من التوحيد! ورجع إلى قول «يا شيخي»، فنجا من الغرق!



فهذه القصة يقول شيخنا الفقيد: ((إنه سمعها من شيخه أكثر من مئة مرة))، وكان عندما يحكيها لنا يشتد غضبًا وحرقة، وفي مرات عدة تدمع عيناه، ويقول: صار التوحيد وسوسة الشيطان ومهلكة! والشرك والاستغاثة بغير الله دينًا وخلاصًا! ولا حول ولا قوة إلا بالله.



وهكذا انتقل شيخنا للسلفية عن علم وقناعة وتجربة، وكان في مجالسه كثير الترداد لهذه القصص ولتجربته.



ومن الجدير أن يُذكر أن الإمام الألباني ألّف كتابه «آداب الزفاف» بمناسبة زواج الشيخ الباني وبطلبه، وألّف لأجله أيضًا «أحكام الجنائز»، وكتابين آخرين.



وقال لنا شيخنا قبل وفاته بأشهر في 14/11/1431: فضائل الألباني عليّ أوجزها في ثلاث: ((نقلني من الصوفية إلى الاتجاه الصحيح السلفي، وأفادني العلم بالسنّة على قدر إمكانياتي، واستفدت من خلقه وسيرته نموذجًا مثاليا، فما كان يمد يده لأحد، ويستغل وقته، كنتُ أزوره في جامع الجُرْزة قرب القَصّاع في محل الساعات المتواضع له، عنده "عدّة" العمل، وخلفه رفوف فيها كتب، فإذا فرغ من عمله اشتغل وقرأ في كتبه)).



الانتقال إلى السعودية:

بقي شيخنا رأس المناهج الشرعية في سورية نحو عشر سنين، وكانت سمعته وجهوده العلمية وصلت لكبار العلماء في السعودية، فحاول سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله ضمّه للجامعة الإسلامية أوائل تأسيسها، عندما سعى لاستقطاب كبار علماء العالم الإسلامي للجامعة، ولكن اعتذر شيخنا بأن بقاءه في المناهج الشرعية أكثر نفعًا، وفي وقت مقارب استدعاه وزير المعارف في السعودية معالي الشيخ حسن بن عبدالله آل الشيخ رحمه الله للعمل في الوزارة، وأرسل له الشيخَ عبدالعزيز المسند رحمه الله- وهو حدّثني بذلك- فرأى شيخنا أن هناك مجالًا جديدًا رحبًا لخدمة الإسلام عبر المناهج في السعودية، إضافة للتضييق الذي حصل له في بلاده، فانتقل إلى الرياض سنة 1383 تقريبًا (نحو سنة 1964م)، وحدثني معالي الشيخ محمد بن ناصر العبودي- أمين الجامعة الإسلامية آنذاك- قال: كنا حريصين جدًّا على قدوم الشيخ الباني للجامعة، ولكن (خطفته منا) وزارة المعارف!



وبانتقاله للسعودية صار شيخنا من أركان التعليم الحديث فيها، فعمل في وزارة المعارف، وفي إدارة معاهد إعداد المعلمين، وكانت له جهود عظيمة فيهما، وشارك في تأسيس المعهد العالي للقضاء، ووضع مناهجه، بتكليف من الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله، وشارك أيضًا في وضع سياسة التعليم بالمملكة، وكان عضوًا خبيرًا في اللجنة الفرعية لسياسة التعليم، ويرى أن هذه السياسة هي وثيقة ثمينة عظيمة النفع متكاملة، أقيمت وفق الشريعة الإسلامية، تصلح لنهضة التعليم في العالم كله.



ودرّس أيضًا في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، في كلّيتَي الشريعة واللغة العربية وفي قسم الاجتماع من كلية التربية، وكان عضوًا في لجنة قبول الطلاب للمرحلة العالية (الماجستير)، وبلغ تدريسه الجامعي نحو 30 سنة، أشرف فيها على عدد من رسائل الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه)، وشارك في مناقشة رسائل أخرى، وكان أوّلَ من وجّه طلاب الدراسات العليا إلى دراسة الفكر التربوي عند أعلام المسلمين، كالفكر التربوي عند الغزالي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن خلدون.



وكان شيخنا هو من اقترح وشارك في تأسيس مدارس تحفيظ القرآن الكريم التابعة لوزارة المعارف بالمملكة.



وأسهم في نحو سنة 1392 في تأسيس مدارس (منارات الرياض الأهلية) مع الأمير محمد الفيصل وعدد من الفضلاء، وهي مدارس نموذجية رفيعة المستوى، غايتها تربية طلابها على الإسلام في منهج تربوي متكامل، وهي مشروع غير ربحي، وعمل الشيخ فيها موجِّهًا ومشرفًا عامًّا سنوات منذ 1412 حتى 16/8/1418 حيث عين مستشارًا لوزير المعارف (ثم التعليم).



وبقي شيخنا مستشارًا ثماني سنوات، إلى أن عُيّن الوزير العبيد، فجرى ما جعل شيخنا يطلب الإعفاء أوائل سنة 1426، وتقاعد عن العمل الوظيفي، وقد جاوز التسعين! وقد ابتدأ العمل الوظيفي في التربية والتعليم سنة 1362، تقبل الله منه.



وأيضًا كان عضوًا في لجنة المراجعة النهائية للموسوعة العربية العالمية التي صدرت في ثلاثين مجلدًا برعاية ولي العهد الأمير سلطان بن عبدالعزيز آل سعود.



وعضوًا في لجان جائزة الملك فيصل العالمية ثلاث سنوات.



وشارك في عدد من المؤتمرات العلمية والإسلامية داخل المملكة وخارجها.



الأيام الأخيرة ووفاته:

كان شيخنا رحمه الله جيد الصحة بالنسبة لسنه العالية، وبعد تقاعده فتح المجال أكثر للزيارات، وصار له مجلس أسبوعي شبه منتظم في منزله بعد صلاة الجمعة، يوجّه فيه وينصح ويملي ذكرياته، وربما قرأ من كتاب أو حضّر لموضوع، وكان يأتيه الزوار ينهلون من خبرته وتوجيهه وذكرياته، ويمتد المجلس أحيانًا إلى صلاة العصر.



ثم أصيب شيخنا بالتهاب الكبد منذ نحو ثلاث سنين، وانهدّت قواه، ولما رأيناه في تلك الحال من شدة الضعف كنا نتخوف ألا نراه بعدها، ولكن عافاه الله، ورجع كما كان من إفادة، ولكن صار شيخنا بين الفينة والأخرى أضعف من ذي قبل، وسقط عدة مرات في بيته وفي المسجد، فقد كان قلبه معلقًا بالمسجد، وكان يدخل المستشفى ويتحسن، إلى أن اشتدت عليه آثار تليف الكبد، ودخل المستشفى أكثر من مرة خلال الشهرين الأخيرين، وامتنع من استقبال الزوار، واشتد مرضه جدًّا، فكان يغيب عن الوعي أكثر وقته، ولكنه إذا أفاق كان حاضر الذهن والذاكرة، وكان لا يتقبل الطعام. لكن هذه الحال الصعبة لم تمنعه أن يشارك في بيان لعلماء سورية حول أوضاعها الأليمة، وقبل أيام من وفاته توفي شقيقه الشيخ عبدالهادي في دمشق، فلم يُخبر شيخنا مراعاة لوضعه.



وفي ليلة الخميس تاسع جمادى الآخرة سنة 1432 أُخذ شيخنا لمستشفى الملك خالد الجامعي لهبوط شديد في ضغطه، وقبيل الفجر أصيب بنزيف في المعدة، وفي الساعة الثالثة وعشر دقائق توقف قلبه عن الخفقان، وكل من عليها فان، تغمده الله بالرحمة والرضوان.



ومع شدة مرض الشيخ يخبرني صهره البار الشيخ المهندس أبو حذيفة محمد بن أنيس الساعور قال: كان في وعيه إلى دخوله المستشفى، ولم يفتر عن ذكر الله إلى غيبوبته قبل سويعات من وفاته، وقبل وفاته بيوم كان يتكلم بصوت خافت جدًّا عن أمور علمية دقيقة، منها ضرورة مراجعة المسلمين لعمل المستشرقين في مفتاح كنوز السنة بشكل علمي، وعدم الركون لعملهم، وما إلى ذلك.



وأوصى الشيخ قبل وفاته بثلاثة أيام أن يُسعى في جلب مكتبته بدمشق، وألا يتصرف فيها الورثة ببيع لجهة تجارية، اللهم إلا إذا كانت جهة علمية تستفيد منها، لكثرة النوادر فيها والكتب المختصة التي يصعب تحصيلها.



الجنازة:

تولى تغسيل الشيخ رحمه الله: الأخ الشيخ علي بن حسن سيف، وصهرا الشيخ الدكتور سعيد أبو عشي المالكي، والمهندس الشيخ أبو حذيفة محمد أنيس الساعور.



وقال لي الأخ الشيخ علي سيف: إن الشيخ في تغسيله بدا كأنه مرتاح في المنام، ولا يظهر عليه شيء من آثار التعب والمرض الشديد الذي كان به، ووجهه ما شاء الله تقاسيمه منبسطة، وكان غسله كجنازته سهلًا وميسرًا.



ثم تقرر أن يُصلَّى على الشيخ في جامع الراجحي الكبير بحي الجزيرة بعد صلاة الجمعة 10/6/1432، وحينها امتلأ الجامع على ضخامته، وقبل صلاة الجنازة حضر الشيخان عبدالله وصالح ابنا العلامة حمود التويجري، وقبَّلا رأس الشيخ ودَعَوَا له، وقال لي الشيخ عبد الله: إن وجه الشيخ كان كما عرفه منذ أكثر من عشرين سنة في صفائه ومظهره، ولم يتغير.



ثم في مقبرة النسيم شرقي الرياض حضر لفيفٌ من العلماء والمشايخ وطلبة العلم والفضلاء والمحبين، يتقدمهم المشايخ: محمد أديب الصالح، وعبدالرحمن بن ناصر البراك، ومحمد بن لطفي الصباغ، حفظهم الله تعالى، وصُلِّي على الشيخ هناك أكثر من مرة.



وممن حضر من المشايخ والدعاة (للذكر لا للحصر): صالح بن أحمد الشامي، وسعود الفنيسان، وعبدالقدوس أبو صالح، وعبدالله علوش، وعبدالمحسن العسكر، وعمر الحفيان، ووئام بدر، وسليمان الحرش، ومنيب بن محمود شاكر، وعبدالكريم بكار، وسعيد الدباس، وفقهم الله ورعاهم.



وممن رأيتُه في الجامع الشيخ محمد عيد العباسي حفظه الله تعالى.



وأنزل الشيخ في قبره الزميل الشيخ علي بن حسن سيف، وتلميذه البار الشيخ أيمن ذو الغنى، وآخر، جزاهم الله خيرًا.



ودُفن مع الشيخ علم كبير، وتاريخ عظيم، أخلف الله على المسلمين من أمثاله.


مواقف وأخبار


رد مع اقتباس