العلامة المربّي القدوة عبد الرحمن الباني
محمد زياد التكلة
تاريخ الإضافة: 15/5/2011 ميلادي - 11/6/1432 هجري
من موقع الالوكة :
العلامة المربّي القدوة عبد الرحمن الباني
سيرة وخواطر ووقفات
(1335-1432)
إنا لله وإنا إليه راجعون.
توفي قبيل فجر أمس الخميس 9/6/1432 شيخنا الإمام العلامة، الزاهد الورع، العالم العامل، مؤسس علم التربية الإسلامية، وعميد السلفيين في بلاد الشام، التقي النقي الخفي، الشيخ الصالح القدوة المعمَّر، أبو أسامة، عبد الرحمن بن محمد توفيق الباني الحَسَني الدمشقي، نزيل الرياض، والمتوفى بها، إثر مرض عضال، رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وأخلف على المسلمين من أمثاله.
أَهَكَذَا البَدْرُ تُخْفِي نُورَهُ الحُفَرُ
ويُفْقَدُ العِلْمُ لا عَيْنٌ ولا أَثَرُ
خَبَتْ مَصَابِيحُ كُنَّا نَسْتَضِيءُ بها
وَطَوَّحَتْ للمَغيبِ الأَنْجُمُ الزُّهُرُ
وَاسْتَحْكَمَتْ غُرْبَةُ الإسلامِ وَانْكَسَفَتْ
شَمْسُ العُلومِ التي يُهْدَى بها البَشَرُ
تُخُرِّمَ الصَّالِحُونَ المُقْتَدَى بِهِمُ
وقامَ مِنْهُمْ مقامَ المُبْتَدا الخَبَرُ
فَلَسْتَ تَسْمَعُ إلا "كانَ ثُمَّ مَضَى"
ويَلْحَقُ الفارِطَ الباقي كما غَبَرُوا
والناسُ في سَكْرَةٍ مِنْ خَمْرِ جَهْلِهِمُ
والصَّحْوُ في عَسْكَرِ الأمواتِ لو شَعَرُوا
نَلْهُو بِزُخْرُفِ هذا العَيْشِ مِنْ سَفَهٍ
لَهْوَ المُنَبِّتِ عُودًا ما لَهُ ثَمَرُ
وإن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.
فكان لزامًا وواجبًا على محبّي الشيخ وعارفي فضله نشر مآثره العطرة، فإنه قدوةٌ سلفية علمية سلوكية قلّ نظيرُها في هذا العصر، ورأيتُ ذلك متأكدًا عليّ، إذ إني تشرفتُ بمعرفة الشيخ منذ الطفولة على يد والدي رحمه الله، وزادت صلتي به في آخر سنيه إلى وفاته، فيا عينُ كفكفي دموعك، ويا قلب تصبَّر، فإن المصاب حديث، والخطب جَلَل، ولكن عِظَم الواجب يغالب الألم والحزن، وليعذرني القراء إن لم تكن الأفكار مرتبة كما ينبغي، ولا الكلمات توفي حق شيخنا الفقيد، فهي خواطر ووقفات بنات وقتها وحالها.
نسب الشيخ وأسرته:
هو الشيخ عبدالرحمن بن محمد توفيق (اسم مركب) بن عبدالرحمن بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن الشيخ عثمان بن مصطفى بن أبي بكر بن محمد بن أبي بكر القاري الموصلي بن محمد بن عبدالكريم الأزعر بن إبراهيم بن محمد بن خليل بن محمد بن شرف الدين يحيى بن الحسين قضيب البان الموصلي (جد الأسرة) ابن عيسى أبي ربيعة بن يحيى أبي الخضر بن علي الموصلي بن عبدالله بن محمد الثعلب بن عبدالله الأكبر بن محمد الأكبر بن موسى الثاني بن عبدالله الرضا بن موسى الجون بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
ينتسب لأسرة دمشقية عريقة، معروفة بالعلم والأدب، وتعدد العلماء والفضلاء في الأسرة، ولعل أشهرهم العلامة السلفي الشيخ محمد سعيد الباني (ت1351) مؤلف «عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق»، وهو عم شيخنا، ومنهم الشيخ محمد توفيق الباني (ت1338)- والد شيخنا- وكان من أهل العلم المشتغلين بالتجارة، وكان قد خَلَف والدَه (جد الشيخ) معيدًا لدرس البخاري تحت قبة النسر في الجامع الأموي، من أيام جدِّه لأمه الشيخ مسلَّم الكزبري، إلى أيام بدر الدين الحسني.
ووالدة شيخنا إحدى الفضليات الصالحات، واسمها فاطمة القاري.
وأبناؤها على الترتيب: أسماء، ثم محمد بشير، ثم عبدالهادي، ثم شيخنا عبدالرحمن، ثم سهيمة. وله أخوان كبيران من أبيه، هما: محمد، وفاطمة، وأمهما ابنة الشيخ أمين الموصلي، وهي أخت أمين الفتوى الشيخ عز الدين، وهذا استفاد منه شيخنا تعلم الخط.
وتصاهرت الأسرة مع أسر دمشق العريقة، فكان من قرابته المشايخ: بدر الدين الحسني، وعبد القادر الخطيب- وكلاهما ابن خالة لأبيه- ومحب الدين الخطيب، وعلي الطنطاوي، وغيرهم، رحمهم الله جميعًا.
النشأة:
وُلد شيخنا رحمه الله في شعبان سنة 1335- كما وَجد هو بخط أبيه- بحي الدقاقين قرب الجامع الأموي بدمشق، وتوفي والد الشيخ وهو ابن الثالثة، ولا يتذكره إلا في موقف واحد وهو يحويه بعباءته، وفي صغره اضطرت أسرته للانتقال من منزلها-الذي كان أنموذجًا للعمارة الدمشقية العريقة، وكان جزءًا من بيت «ست الشام» المذكور في التواريخ- بسبب خطر القتال مع المحتلين الفرنسيين، حيث دخلت رصاصة في البيت إحدى المرات، ومرة سقطت شظية في بحرة الدار، فانتقلوا لمنزل قريبهم الشيخ عبدالقادر الخطيب الحسني في حي النوفرة، وذلك في سنة 1343 يوافقها 1925م.
فنشأ الشيخ في جو عائلي إسلامي ملتزم، وتولى تربيته وتوجيهه ورعايته أخوه الأكبر- غير الشقيق- محمد، واستفاد أيضًا من عمه العلامة محمد سعيد، ولعل شيخنا خاتمة تلاميذه، ثم استفاد من رفقة وصحبة شقيقيه الشيخ محمد بشير (1329-1429) والشيخ عبدالهادي (1334-1432)، والشيخ عبدالرؤوف الأسطواني، والشيخ صلاح دعدوش، وبعدهم الشيخ أحمد مظهر العظمة، وصديقه البار الشيخ محمد أمين المصري، رحم الله الجميع.
الدراسة وطلب العلم:
دخل شيخنا المدرسة الجوهرية السفرجلانية، لصاحبها معلم الأجيال في دمشق الشيخ محمد عيد السفرجلاني، واستفاد كثيرًا من توجيهاته ونصائحه، واستفاد أيضًا من مدرّسيها، وعلى رأسهم الشيخ علي الطنطاوي، والشيخ عبدالوهاب دبس وزيت، والشيخ سعيد البرهاني، وكان الطلبة يدرسون فيها اليوم كاملًا، ويصلون الظهرين في جامعها، ويأتون بغدائهم في السفرطاس (حافظة الطعام).
ثم أكمل دراسته في مكتب عَنْبَر، ثم في مدرسة جودة الهاشمي، وكان منذ ذلك الوقت يناديه المدرسون: «السيد الباني»، احترامًا لشخصيته وعلمه وسلوكه، وكانوا يقدّمونه فيها، ومن أساتذته الذين تأثر بهم: الشيخ عبدالقادر المبارك، والشيخ محمد سَليم الجُندي، والشاعر محمد البزم.
ثم دخل معهد المعلمين، وكان الأول على دفعته، وكتب فيها بحثًا عن ابن خلدون، وآخر عن أسلوب التربية، وحصّل شهادة أهلية التعليم سنة 1362 (يوافقها 1943م).
ودرَّس بعد تخرجه في مدرسة التهذيب قرب جامع الحنابلة في الصالحية، ومدرسة سعادة الأبناء التي أنشأها الشيخ علي الدَّقْر، ومدرسة عمر بن عبدالعزيز في حي عَرْنوس، درّس فيها الصف الأول.
ومنذ شبابه لازم مع شقيقيه محمد بشير وعبدالهادي، دروس الشيخ محمد أمين كَفْتارو، ويذكر الشيخ الباني عنه صلاحًا وزهدًا حقيقيًّا، وصار مريدًا صوفيًّا نقشبنديًّا عنده، واستفاد منه في السلوك. وبعد وفاته انتقل مريدًا عند ابنه الشيخ أحمد كفتارو- المفتي الرسمي لسورية بعد ذلك- ويقول: إنه لم يتخلف عن شيء من دروسهما، إلى حين تركه للتصوف واهتدائه للسلفية، كما حضر شيئًا عند محمد أمين شيخو، ووصفه بالذكاء الشديد مع الجهل التام في الشرع!
وحضر شيئًا يسيرًا من دروس ابن خالة أبيه الشيخ بدر الدين الحَسَني، وذكر له أخبارًا أسرية خاصة، يقول: كان على وجهه نور العلم. وحضر درسًا واحدًا مع أخويه عند الشيخ علي الدَّقْر في جامع السادات.
الدراسة في القاهرة:
ثم ابتعثته وزارة المعارف السورية إلى كلية أصول الدين بالأزهر، وكان أول مبتعث من هذه الوزارة في العلوم الشرعية، فبقي في القاهرة سبع سنين بدل الأربع التي ابتُعث لها، وكان يقول: رأيت من الواجب الاجتهاد والاستفادة بأقصى ما يُمكن لخطورة المرحلة وحاجة المسلمين، فالصراع في الشام خاصة وفي العالم عامة بحاجة لإعداد قوي. فحصل في هذه المدة على أربع شهادات! فنال الشهادة العالية لكلية أصول الدين في الأزهر سنة 1364هـ/1945م. وشهادة العالِمية مع الإجازة في الدعوة والإرشاد من الأزهر 1366هـ/1947م. وشهادة الليسانس في الفلسفة من كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة) 1369هـ/1950م، وكتب فيها بحثًا عن ابن عربي وكتابه الفصوص. وإجازة التدريس من المعهد العالي للمعلمين في القاهرة 1370هـ/1951م.
وخلال تلك المدة المكثفة استفاد كثيرًا من المشايخ والدعاة، ولازم درس الثلاثاء للداعية حسن البنّا ملازمة تامة إلى وفاته، واستفاد من همّه الدعوي، ويقول: إنه أنشط داعية رآه. ودخل مع جماعة الإخوان المسلمين وقتًا، واعتقل معهم سنة 1949.
وفي نفس الوقت كان حريصًا على إفادة وتوجيه زملائه السوريين الدارسين في مصر، فقال لنا الشيخ محمد أديب الصالح: كان لي ولزملائي في القاهرة مثل ولي أمرنا في توجيهه ونفعه وعنايته، مع فارق السن.
والجدير بالذكر أن الشيخ دَرَس اللغات الفارسية واللاتينية والفرنسية والإنجليزية، لكنه تركها واعتنى بالعربية الفصحى فقط، ويعزو حبَّها لشيخيه عبدالقادر المبارك والجندي.
ورجع إلى دمشق سنة 1951م.