عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-28-2016 - 10:36 AM ]


يقول الدكتور ممدوح الرمالي: "والمستوى الصوتي يعد أبرز مستويات البناء الشعري وأكثرها وضوحًا، وذلك بحكم المادة الأولية بوصفه فنًّا لغويًّا؛ أي: الألفاظ التي هي عبارة عن مجموعة من الأصوات تخضع - عند تشكيلها الجمالي - لتنظيم خاص يلفت انتباه القارئ، ويُمثل جانبًا كبيرًا من التأثير الجمالي للفن، وهذا التشكيل الصوتي تشترك فيه كل الأعمال الأدبية، ولكنه في الشعر أكثر حضورًا وخضوعًا للنظام.... فالشعر بناء صوتي إيقاعي، يتألَّف من تَكرار منتظم لأنساق صوتية - مقاطع، نبرات، صِيَغ وزنية ونحوية، وتراكيب لغوية - مع إدخال تنويعات على هذا النظام تَحول دون رَتابته، فوجود الإيقاع يُعتبر من أهم ما يُميز لغة الشعر؛ لأن الشعر يَكتسب خصوصيته بتشكيله الصوتي، الأمر الذي يَمنَح كل عناصره الصوتية قيمةً خاصة وذاتيَّة"[32].

المطلب الخامس: انتقاد بعض المحدثين نظامَ التفعيلات العروضية الخليلية:
انتقد بعضُ المحدثين نظام التفعيلات العروضية عند الخليل، وذلك بعد عرْض تفعيلات الخليل على مِجْهَر علم اللغة الحديث؛ يقول الدكتور عبد الرحمن الوجي: "فالملاحظ في عمل الخليل أنه يضطرب في ضوء الدراسات الصوتية الحديثة، ولا نجد مقاطعه تَنسجم مع أنواع المقاطع الحديثة، وعُذره أنه اعتمد الأُذن الرهيفة وحْدَها أداةَ كشفٍ، كما أنه كان يتناول الوحدات الأكبر، فألغى دور الحركة في تكوين مقطع أَوَّلِي بسيط"[33].

يقول الدكتور كمال أبو ديب: "ذلك أن عمل الخليل يُخفي النُّوَى الإيقاعية المؤسسة بتركيزه على التفعيلات الوزنية الكبيرة التي تُضِل الباحث وتَحجُب عن نظره وجودَ نُوى أساسية تدخل في تركيب الوحدات الإيقاعية كلها"[34].

ويقول أيضًا: "إن نظرة عامة في نظرية الزحافات والعلل تُشعر بمدى صعوبتها وباستحالة الإحاطة بتفرُّعاتها العجيبة العدد، ولا شك أن نقطة التعقيد الأولى في عمل الخليل هنا هي اضطراره إلى دراسة الزحافات الممكنة في كل بحر بشطريه، وبكل تفعيلاته، وبكل تفعيلة فيه أحيانًا، وتبدو عبثيَّة نظام الخليل حين يضطر إلى التفريق بين الوحدات الحركية المتحدة الهُوية، والتفريق بين الزحافات الممكنة فيها"[35].

وأرى أن هذا تكلُّف في النقد؛ إذ إن الخليل يَصدُر في هذا العلم عن فطرة، وقد رصد الشعر العربي - آنذاك - وما يطرأ عليه من تغيير في إيقاعه وأوزانه، فقنَّن هذا التغيير الذي يُصيب التفعيلات، ونظرية الزحافات والعلل هذه لا ضررَ منها، ولا توجد بها صعوبة؛ إذ إنها ضابطة ومُقنِّنة للشعر، وحاكمة لتفعيلاته، ومحصورة؛ أي: يمكن الوقوف على عددها.

يقول الدكتور عبد الرحمن الوجي: "فهو - بمنظوره الرياضي وطريقته الإحصائية البحتة - يُغفل بعض القوى الداخلة في صميم الإيقاع الشعري، ويَعُدُّ الحركات لواحقَ مُكمِّلة، مع أنها أصوات مستقلة، وإن كانت دون المدود طولاً.... فهي من الناحية النوعية صوت، ولكنها قصيرة كمًّا"[36].

وردًّا على كلام الدكتور عبد الرحمن الوجي، فالخليل لم يكن يَزِن أو يقطِّع كلامًا نثريًّا، حتى يضع القوى الداخلة في صميم الكلام في حُسبانه؛ إذ إن المفترض مُراعاته عند تقطيع الشعر هي التفعيلات المكوِّنة للبحر، فلا ينبغي لنا معاملة الشعر ونغماته وإيقاعه بالطريقة التي نعامل بها الكلام النثري العادي، والتي يَصِح فيها حُسبان حركات الصوامت، وعدم اعتبارها لواحقَ؛ إذ إنه يُقطِّع كلمات لا حروفًا.

المبحث الرابع: عنصر الموسيقى في الشعر:
تمهيد:
عمَدتُ في هذا المبحث ألا أُقسِّمَه إلى مطلبين: أحدهما: الموسيقى الخارجية، والآخر: الموسيقى الداخلية؛ لأن جودة وحُسن ورَهافة الموسيقى الخارجية - المتمثِّلة في الوزن والقافية - لا تتحقَّق إلا في إطار توفُّر وتحقُّق الموسيقى الداخلية والمتمثلة في حُسن وقْع الألفاظ، وجودة جَرْسها، وائتلاف الحروف في مخارجها، والتجنيس الحسن، والسجع اللطيف... إلخ.

يقول الدكتور فوزي خضر: "ويتألَّف البناء الموسيقي من إطار خارجي يتمثل في الوزن والقافية، وموسيقى داخلية تتمثل في الإيقاع الداخلي الذي يُبرزه التماثل والتوازي بين أجزاء المقطع الشعري، والتَّكرار، وتآلُف الحروف وتجاوُرها، والجناس"[37].

يقول الدكتور محمد أبو المجد: "الموسيقى عنصر من العناصر الهامة في صياغة الشعر، ووسيلة من وسائله الرئيسة في إثارة الشعور وتحريك الوِجدان، وبَثِّ الإحساس لدى المتلقي بالجمال، فالقصيدة - بتعبير أرشيبالد مكليش - صرخة منغومة"[38].

يقول الدكتور عبد الرحمن الوجي في معرض حديثه عن دور الوزن والقافية في إجلاء موسيقى الشعر وحُسنها: "أما القافية فهي تُعَد من العناصر المكملة للإيقاع الخارجي - الموسيقى الخارجية للشعر العربي - وهي في غالب الظن متطورة عن نهايات الأسجاع في النثر..... والقافية جزء إيقاعي خارجي متمِّم للوزن، ومُسهِم في ضبْط نهايات الأبيات، فحدُّ الشعر هو الموزون المقفَّى، والقافية تَضبِط نهايات الأبيات مُحدَّدةً...... فهي تُضيف إلى الرصيد الوزني طاقة جديدة، وتُعطيه نبرًا وقوةَ جَرْسٍ يَصُبُّ فيها الشاعر دَفْقَه[39].

ثم يقول أيضًا - تحت عنوان الإيقاع الداخلي -: "والموسيقى الداخلية هي ذلك الإيقاع الهامس الذي يَصدُر عن الكلمة الواحدة، بما تحمل في تأليفها من صدًى ووَقْعٍ حَسَنٍ، وبما لها من رَهافةٍ ودِقة تأليفٍ، وانسجام حروفٍ، وبُعدٍ عن التنافر، وتقارُب المخارج"[40].

يقول الدكتور إبراهيم أنيس: "لا يتم الحديث عن موسيقى الألفاظ إلا بإشارة سريعة لما جاء في كتب البديع عنها، فقد قسموا البديع إلى نوعين:
1 - معنوي: وهو ما تتعلق المهارة فيه بناحية المعنى...

2- لفظي: وهذا النوع من البديع وثيق الصلة بموسيقى الألفاظ، فهو في الحقيقة ليس إلا تفنُّنًا في طُرق ترديد الأصوات في الكلام؛ حتى يكون له نغم وموسيقى.... فهو مهارة في نظْم الكلمات وبَراعة في ترتيبها وتنسيقها، ومهما اختلفت أصنافه وتعدَّدت طُرقه، يجمعها جميعًا أمرٌ واحد، وهو العناية بحُسن الجَرْس، ووَقْع الألفاظ في الأسماع، ويجيء هذا النوع في الشعر يزيد من موسيقاه؛ وذلك لأن الأصوات التي تتكرر في حشْو البيت - مُضافةً إلى ما يتكرَّر في القافية - تجعل البيت أشبه بفاصلة موسيقية متعدِّدة النغم، مختلفة الألوان.

وأهل البلاغة حين يَعرضون للبديع اللفظي يرونه أقسامًا، منها ما يسمونه الجناس أو التجنيس، ورد العَجُز على الصدر، والسجع الذي هو كالقافية في الشعر[41].

وقد ذكر الدكتور ممدوح الرمالي أن الموسيقى الظاهرة تقوم على التشكيل والتنسيق الصوتي، وتخضع لقانون التوافق والتماثل الصوتي، وتتعلق بالمباني، وذكر أيضًا أن البحر الشعري ينتظم المعنى والمبنى، وهو - أي البحر - إطار لا وجودَ له إلا عند تشكُّله في ألفاظ، فهو - من حيث كونه إطارًا للمباني - يُمثِّل نَمَطًا متميزًا ومحسوسًا من الموسيقى؛ لأنه قد ينتظم ألفاظًا عارية من التوقيع في حين يظل التوافق الإيقاعي، ويُمكن أن نُسمِّيَه بالإيقاع أو الإطار أو الشكل، وقد تَفِي هذه المصطلحات بالمراد، وقد يكون الوزن أقربَها دَلالةً عليه[42].

يقول الدكتور حسني عبد الجليل: "فالوزن الموسيقي إطار ينتظم ألفاظًا وتراكيبَ من خلاله إيقاع متميز يُمكن التعرف عليه مجردًا، من خلال رصد الحركات والسكنات مطلقة، ثم استعمال التفاعيل للتمييز بين كل وزنٍ وآخرَ"[43].

وقد ذكر الدكتور محمود فاخوري أركان الموسيقى؛ حيث إنها تشمل الإيقاع والوزن والتفعيلات، فقال: "والذي يجب أن يُراعى في القصيدة التقليدية هو المساواة بين أبياتها في الإيقاع والوزن عامة، والجمع بينهما معًا في آنٍ واحد؛ بحيث تتساوى الأبيات في حظها في عدد الحركات والسكنات المتوالية، وفي نظام هذه الحركات والسكنات في تواليها، وتتضمَّن هذه المساواة وحدة عامة للنغم، وتشابُهًا بين الأبيات وأجزائها، يَنتج عنه تناسُبٌ تامٌّ وتَكرار للنغم، تَأْلفُه الأُذن، وتَلَذُّ به، ويَسري ذلك إلى النفْس، فتُسَرُّ به أيضًا، أما إذا فقَدت الموسيقى التناسُب والتساوي بين نغماتها، فعندئذ تُصبح مَدعاة للنفور؛ لأن الشعر في حقيقته ضربٌ من الموسيقى، وهما فنان جميلان يشتركان في ميزات عامة، كما يُشاركان بقيةَ الفنون في ميزات أخرى"[44].

فالدكتور يذكر قواعد موسيقى القصيدة التقليدية، ومن هذه القواعد: المساواة بين الأبيات في الوزن والإيقاع والدَّفَقات الموسيقية، وأن تكون الأبيات متساوية في الحركات والسكنات، وفي نظامها في تَوالِيها وتتابُعها، وأن هذه المساواة هي التي تولِّد وَحْدة النغم في القصيدة، وهذه الوحدة وهذا التناسب، هما اللذان يولِّدان الموسيقى والتَّكرار الذي تأْلفُه الأُذن وتُسَرُّ به النفس، ثم يُعلِّق جودة وبَهاء الموسيقى على التناسب والتساوي، فإذا فُقِدا، أصبحت الموسيقى مُنفِّرة لا تَطرَب لها الأُذن، ولا تُسَرُّ بها النفس.

وذكر الدكتور فاخوري أيضًا أن العرب حافظت على وَحدة الإيقاع والوزن أشد المحافظة، بدليل التزامهم بهما في كل أبيات القصيدة، وزادوا أن التزموا رويًّا واحدًا في جميع القصيدة، وأن العرب قد جعلت بعض المحسنات البديعية من مُقومات الموسيقى الخارجية للشعر؛ مثل: الجناس والترصيع، والتسميط والازدواج، وقد مثَّل لذلك بقول الخنساء:
حامي الحقيقة، محمود الخليقة، مَه
ديُّ الطريقة وضرَّارُ
جَوَّابُ قاصيةٍ، جزَّار ناصيةٍ
عقَّادُ ألْوِيَةٍ، للخيل جَرَّارُ

فحُسن التقسيم والترصيع وتَكرار الأصوات واضحٌ، وكل هذا أعطى نغمًا موسيقيًّا طَرِبتْ له الأُذن، وسُرَّتْ به النفسُ.

وقد عرَّج الدكتور فاخوري على القافية، وذكر أن العرب لم يكتفوا بالتزام الحرف الأخير في القافية وهو حرف الروي، بل لقد التزَم بعضهم تَقْفِيَة أبيات القصيدة كلها بحرفين أو أكثر وسمَّوه: "لزوم ما لا يلزم"، وأن علماء العروض جعلوه من وجوه البراعة في النظم[45].

ثم يجعل الدكتور فاخوري اختلاف التفعيلات وحروف الكلمات، وطريقة الإنشاد أو الإلقاء - من مُقوِّمات الموسيقى إلى جانب الوزن والقافية، وعناصر البديع اللفظي، فيقول: نجد في الحقيقة تنويعًا في الموسيقى وفي معاني الإيحاء الموسيقي، ويعود ذلك إلى ثلاثة أسباب:



رد مع اقتباس