ويطرح الدكتور أنيس سؤالاً مُفاده: هل اتخذ القدماء لكل موضوع من هذه الموضوعات وزنًا خاصًّا، أو بحرًا خاصًّا من بحور الشعر التي رُويت لنا؟ ويجيب عن هذا السؤال قائلاً:
إن استعراض القصائد القديمة وموضوعاتها لا يكاد يُشعرنا بمثل هذا التخيُّر أو الربط بين موضوع الشعر ووزنه، فهم كانوا يَمدحون ويُفاخرون أو يتغزَّلون في كل بحور الشعر التي شاعت عندهم، ويكفي أن نذكر المعلقات التي قِيلت كلها في موضوع واحد تقريبًا، ونذكر أنها نُظِمت من الطويل والبسيط، والخفيف والوافر والكامل؛ لنعرف أن القدماء لم يتخيَّروا وزنًا خاصًّا لموضوع خاص، بل حتى ما سمَّاه صاحب "المُفضليات" بالمراثي جاءت من الكامل والطويل والبسيط، والخفيف والسريع.
ثم راح يؤكِّد تصوُّرَه ويذكر أنه من المغالاة أن نتصوَّر اشتراك الشعراء في العاطفة لمجرد اشتراكهم في الوزن في موضوع الشعر، فالحالة النفسية للخنساء حين كانت ترثي أخاها غير الحالة النفسية التي تملَّكت أصحاب المراثي من القدماء، وأن شعور الشاعر - وإن توقَّف إلى حدٍّ ما على موضوع الشعر - يختلف باختلاف الشعراء، واختلاف تأثُّرهم بعوامل أخرى لا يمكن حصرُها.
فالشاعر في حالة الحزن واليأس يتخيَّر وزنًا طويلاً، كثير المقاطع، يصبُّ فيه من أشجانه ما يُنفِّس عنه حزنه وجزعه، وأن الشعر وقت المصيبة قد تأثَّر بالانفعال النفسي، وتطلَّب بحرًا قصيرًا يتلاءَم وسرعة التنفُّس وازدياد نبضات القلب، ومثل ذلك شعر الرثاء الذي يُنْظَم ويُقال ساعة الهلَع والحزن، فلا يكون عادة إلا في صورة مقطوعة قصيرة لا تكاد تزيد أبياتها عن عشرة، وأما المراثي الطويلة فأغلب الظن أنها قِيلت بعد أن هدأَتْ ثورة النفس، وخفَّت حِدَّة الحزن والهلع، وقد جاءت حماسة الجاهليين وفخرهم من النوع الهادئ الرزين الذي يتطلَّب التأنِّي والتُّؤَدة، ولذلك جاءنا في قصائد طويلة وأوزان كثيرة المقاطع[19].
المبحث الثالث: الإيقاع الشعري والمستوى الصوتي:
المطلب الأول: تعريف الإيقاع لغةً واصطلاحًا:
الإيقاع لغةً: "من إيقاع ألحان الغناء، وهو أن يُوقع الألحان ويُبيِّنها تبيينًا، هكذا هو في اللسان والعباب، وفي بعض النُّسخ ويَبْنِيها من البناء، وسمَّى الخليل رحمه الله تعالى كتابًا من كُتبه في ذلك المعنى كتاب الإيقاع"[20].
الإيقاع اصطلاحًا: يقول الدكتور محمود فاخوري: "الإيقاع يُقصد به وحدة النغمة التي تتكرَّر على نحو ما في الكلام أو في البيت؛ أي: توالي الحركات والسكنات على نحو منتظم في فقرتين أو أكثر من فِقَر الكلام، أو في أبيات القصيدة..... أما الإيقاع في الشعر فتمثِّله التفعيلة في البحر العربي، فمثلاً "فاعلاتن" في بحر الرمل تُمثِّل وحدة النغمة في البيت - أي توالي متحرك، فساكن، ثم متحركين، فساكن، ثم متحرك، فساكن - لأن المقصود من التفعيلة مقابلة الحركات والسكنات فيها بنظيرتها من الكلمات في البيت، من غير تَفرِقة بين الحرف الساكن الليِّن، وحرف المد، والحرف الساكن الجامد"[21]، ولعله يَقصد بالساكن الجامد: الحرف الصحيح الساكن، كالحاء من كلمة "سِحْر" مثلاً.
المطلب الثاني: كلام الأخفش عن قيام الإيقاع على أساس صوتي لغوي:
يقول الدكتور ممدوح الرمالي: "ويَحسِم الأخفش قضية بالغة الأهمية، وهي قيام الإيقاع على أساس صوتي لغوي، وليس أي أساس آخر على الأقل في المراحل الأولى لوضع العروض؛ أي: إن الأساس كان الواقع اللغوي الشعري، وترتيب الأصوات فيه، وبعد ذلك جاءت المساعدات من الموسيقى والرياضة عند الخليل.... غير أن الأخفش لا يكتفي بهذا التحديد، بل يجعل لهذا الأساس الصوتي معنًى معينًا؛ إذ يأخذ منه الجانب الكمي على وجه الخصوص؛ يقول الأخفش: والحروف لا تَخلو من أن تكون ساكنة ومتحركة؛ لأنه ليس من حروف العرب ولا غيرها شيءٌ يَخلو من أن يكون مضمومًا أو مكسورًا، أو مفتوحًا أو موقوفًا"[22].
فالأخفش من خلال كلام الدكتور ممدوح يشير إلى التقعيد الراسخ في العربية، وهو تقسيم الأصوات والحروف إلى متحرك وساكن، والمتحرك قد يكون مضمومًا، أو مكسورًا، أو مفتوحًا، وقد يكون الحرف ساكنًا "موقوفًا".
ثم يقول الأخفش: "فأقل الأصوات في تأليفها الحركة، وأطول منها الحرف الساكن؛ لأن الحركة لا تكون إلا في حرف، ولا تكون حرفًا، والمتحرك أطول من الساكن؛ لأنه حرف وحركة"[23]، ثم يقول: "فالساكن أقل من المتحرك.... والساكن أقل الحروف وألطفها وهو حرف ميِّت"[24].
فالأخفش في كلامه السابق يَعقِد مقارنةً من حيث الكم أو الطول - بين الحركة، والحرف الساكن، والحرف المتحرك - مُفادها أن الحركة أقل الأصوات طولاً؛ إذ هي حركة أو صائت الحرف المتحرك، ثم يَليها الحرف الساكن، ويأتي بعد ذلك الحرف المتحرك، وهو الأكثر طولاً.
المطلب الثالث: تعريف المقطع وبيان أنواعه في العربية:
أولاً: تعريف المقطع: من أشهر تعريفاته أنه تتابُع من الأصوات الكلامية له حد أعلى ذو قمة إسماع طبيعية - بغض النظر عن العوامل الأخرى؛ مثل: النبر، والتنغيم الصوتي - تقع بين حدين.... وقيل هو: قطاع من تيار الكلام يحوي صوتًا مقطعيًّا ذا حجم أعظم، مُحاطًا بقطاعين أضعف أُوكاستيكيًّا"[25].
وعرَّفه الدكتور عبد الصبور شاهين بقوله: "والمقطع كما يجب أن نتصوَّره هو مزيج من صامت وحركة، يتَّفق مع طريقة اللغة في تأليف بِنْيتها، ويعتمد على الإيقاع التنفُّسي"[26].
وعرَّفه الدكتور رمضان عبد التواب بقوله: "هو كمية من الأصوات تحتوي على حركة واحدة، ويمكن الابتداء بها والوقوف (عليها) من وجهة نظر اللغة موضوع الدراسة، ففي العربية الفصحى لا يجوز الابتداء بحركة؛ ولذلك يبدأ كل مقطع فيها بصوت من الأصوات الصامتة"[27].
يقول الدكتور عبد الرحمن الوجي: "أجمع الدارسون المحدثون على جعل المقطع وحدة صوتية مركبة، فهي أطول من الحرف - الوحدة الصوتية الأولى - وأقل من الكلمة المركبة، فالفعل الماضي الثلاثي فَتَحَ، يتكون من ثلاثة مقاطع متحركة - كما يقول الدكتور إبراهيم أنيس - فالفاء وحدة صوتية تركيبية؛ إذ تتكون من صامت فحركة؛ أي: ص ح، وكذلك التاء وحدة صوتية تركيبية تتكون من صامت فحركة؛ أي: ص ح، وكذلك الحاء"[28].
ثانيًا: أنواع المقاطع في العربية:
قسَّم علماء اللغة المحدثون مقاطع العربية إلى أنواع خمسة، هي:
1- صامت + حركة قصيرة؛ مثل: دَ، فَ، ورمزه (ص ح).
2 - صامت + حرمة طويلة؛ مثل: يا، في، ما، ورمزه (ص ح ح).
3- صامت + حركة قصيرة + صامت؛ مثل: بَلْ، هَلْ، لَمْ، ورمزه (ص ح ص).
4- صامت + حركة طويلة + صامت؛ مثل: صالْ - بسكون اللام - ورمزه (ص ح ح ص).
5- صامت + حركة قصيرة + صامت + صامت؛ مثل: بَكْرْ - بسكون الراء - ورمزه (ص ح ص ص).
وقد أبرز الباحثون في اللغة قيمة الحرف الصوتي القصير - فتحة، ضمة، كسرة - وراعوه في الدراسة المقطعية، لكونه من أبعاض المدود، وهو ما تشير إليه كُتب الأقدمين، وخصوصًا ابن جني... وإن لم يُحسن الدارسون تطبيقَه في الدراسات الإيقاعية[29].
المطلب الرابع: تحليل التفعيلات العروضية وتقسيمها إلى مقاطع صوتية:
ولقد قام الدكتور عبد الرحمن الوجي بدراسة المقاطع الصوتية في اللغة العربية دراسة متأنِّية، مستعرضًا تناوُلَ علم اللغة الحديث لهذه المقاطع، يقول: "وفي اللغة العربية يبتدئ المقطع بصامت متحرك، ومن ثَم امتنع وجود مقاطع ذات صامتين، وهذا ما ذهب إليه الباحثون في العربية قديمًا وحديثًا..... فالدراسات اللغوية الحديثة تعطي الاعتبار لأصغر وحدة صائتة (حركة)، في حين نجد هذا الاعتبار مُلغى في تناوُل الخليل الدراسةَ المقطعيةَ، فهو يبدأ بـ:
1- السبب الخفيف: صامت + حركة + صامت؛ مثل: لَمْ (/ 5)، ويعتبر ذلك أبسط صورة مقطعية يمكن أن تتركب منها الكلمة التي تُشكِّل الوحدة المقطعية في دراسته الإيقاعية.
2- السبب الثقيل: صامت + حركة + صامت + حركة؛ مثل: أَرَ (//).
3- الوتد المجموع: صامت + حركة + صامت + مد (صوت طويل)؛ مثل: عَلَى (//º).
4- الوتد المفروق: صامت + حركة + صامت + صامت + حركة؛ مثل: ظَهْرِ (/º/).
5- الفاصلة الصغرى: صامت + حركة + صامت + حركة + صامت + حركة + صامت؛ مثل: جَبَلِنْ (///º).
6- الفاصلة الكبرى: صامت + حركة + صامت + حركة + صامت + حركة + صامت + حركة + صامت؛ مثل: سَمَكَتَنْ[30] (////º).
ويقول: "عمدتُ إلى إيراد أمثلة على مصطلحات العروضيين التي تتماشى مع التدرج في الدراسة المقطعية، بدءًا بالوحدة الأصغر - السبب الخفيف - وانتهاءً بالفاصلة الكبرى، وهي على التوالي: (لَمْ أَرَ عَلَى ظَهْرِ جَبَلِنْ سَمَكَتَنْ).
وبتطبيق الدراسة المقطعية الحديثة، يمكن أن نجد المقاطع التالية عند الخليل:
1- السبب الخفيف: (لَمْ) مقطع من النوع الثالث (ص ح ص).
2- السبب الثقيل: (أَرَ) مقطعان من النوع الأول (ص ح).
4- الوتد المجموع: (عَلَى) مقطع من النوع الأول (ص ح)، ومقطع من النوع الثالث (ص ح ص).
5- الوتد المفروق: (ظَهْرِ) مقطع من النوع الثالث (ص ح ص)، ومقطع من النوع الأول (ص ح).
6- الفاصلة الصغرى: (جَبَلِنْ) مقطعان من النوع الأول (ص ح)، ومقطع من النوع الثالث (ص ح ص).
7- الفاصلة الكبرى: (سَمَكَتَنْ) ثلاث مقاطع من النوع الأول (ص ح)، ومقطع من النوع الثالث (ص ح ص)"[31].