عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-25-2016 - 05:46 PM ]


يكفي أن أشير إلى التغيّرات الصوتية التي تصيب الأبنية الثنائية، اسميةً أو فعليةً، وخروجها بذلك عن القياس الذي أقحمها فيه علماء اللغة إقحاماً لضبطها، لأدلّ على بدائية هذه المفردات، وتعذّر حصرها في القياس، وهذا أمر بديهي، ليس فقط في اللغة العربية، بل في جميع اللغات العربية؛ فإنها من مدخرات النشأة الأولى للغة، أي أنها من عهد ما قبل التنبُّه إلى الأخذ بالقياس. ولنقرّر بأن هذه المفردات يجب أن تعالَج معالجة خاصة وفق منطق الواقع، واعتبارها من التراث اللغوي الدالّ على قِدَم تاريخها، ومدى التطورّ الذي أصابها، والنمو العظيم الذي بلغته. أما الحكم بأنها كلّها كانت قد جاءت وفق صيغة قياسية ثابتة، وأنها أصيبت بعلّة ذهبت بعجزها، فأَمْرٌ أقرب إلى الصناعة منه إلى السليقة والطبيعة. واللغةُ ظاهرة تُرافِق المجتمع في نشوئه ونموّه وتطوره؛ لم تُصْنَع مسبقاً وفق مقاييس موضوعة أصابها الاختلال بحكم التطور، بل العكس هو الصحيح.

ثم إن القصد من الميزان الصرفي والقياس عليه هو بالتأكيد إخضاع جميع مفردات اللغة له، بل إنه وسيلة من وسائل الكشف عن خفايا اللغة وأسرارها، لتمييز أصناف المفردات، وليس لتصنيع الأصول.

وهنا لا بد من الإشارة إلى اختلاف العلماء القدامى عن المحدثين في تقييم الأصوات المعروفة بأصول الحركة الآن، والتي تقابل مجموعة الأصوات المعروفة عند القدماء بحروف المدّ والعلة والحركات جميعاً، أي ما يسمى في اللغات الأوروبية بـ Vowels.
وإذا كانت الأصوات الصحيحة تقوم بإِعداد الهيكل أو البناء الأساسي للكلمة، وتؤدي المعاني المطلقة لها، فإن أصوات الحركة تقوم بإِعداد الأوجه المتعددة لجزئيات ذلك المعنى ومشتقاته. وعلى ذلك فإن صياغة الأبنية المختلفة للمعاني المتفرعة من المعنى المطلق تعتمد في معظم الأحوال على أصوات الحركة هذه. ولذلك فقد عنيت الدراسات الحديثة عناية فائقة بتحديد هذه الأصوات وتصنيفها، وبحث آثارها في التشكيل اللغوي. ولم يهمل اللغويون العرب هذا الجانب، بل أشبعوه بحثاً؛ ولكنّ دراساتهم لهذه الأصوات جاءت ضعيفة مرتبكة، ولم تصل إلى درجة إقناع الباحث الحديث بالاكتفاء بها. ولذلك أسباب، قد يكون أهمها، اقتصار العلماء في هذه الأبحاث على الدراسة النظرية، وانعدام وسائل الاختبار الآلية الحديثة التي حَقَّقَت نتائج مذهلة في علم الأصوات اللغوية؛ وهو العلم الذي كَشَف لنا عن أن دراسة اللغة لا يمكن أن تتمّ بصورة صحيحة ودقيقة إلا من خلال دراسة الأصوات اللغوية علميّاً، وبالوسائل المختبرية التي استُنْبِطت لمثل هذه الدراسات؛ فأساس اللغة هو التشكيلات الصوتية. وقد كان الخليل بن أحمد من أوائل علماء العالم في القرن الثاني الهجري، بل أول من تنبّه إلى دَور الصوت في نشوء اللغة، ودَرَسَ الأصوات ومخارجها، كما هو معروف، في كتابه العين. ولكنها كما قلنا دراسة نظرية اعتمد فيها الخليل على اجتهاده وتعليلاته، وما بين يديه من معرفة سابقة بهذا الشأن، وإذا كنّا نحكم بأن علم الخليل، أو ما في العين والكتب الأخرى التي دونت بعده، كان كاملاً أو متكاملاً، فإننا نحكم على المعرفة البشرية بالجمود والتوقف. والعلمُ باللغة وأسرارها عِلْمٌ نامٍ، واللغة ترافق الإنسان، والإنسان في تغيّر دائم، ووسائل الكشف عن الحقائق تزيد وتدقّ؛ وما كنا نعتقد فيه نهاية المعرفة وغايتها بالأمس، أصبح اليوم من المعرفة السطحية. والخليل لم يكن إلا واحداً من الباحثين العباقرة، ولكنه انتهى إلى جزء من المعرفة ووقف، ولا بد من الاستمرار والتقدم والكشف الجديد، وإلا لأصبحنا نسخاً مكررة بلا حياة لمن مضى.
إن فالبدء من حيث انتهى الخليل وغيره من العلماء، وإعادة النظر فيما قدموه، وتصويب البعض وفق الرؤية الحديثة لعلم اللغة ودراستها، أمر لا بد منه. وأول ما يلفت نظر الباحث الحديث هو الارتباك الذي حصل في تفسير الظواهر لدى العلماء العرب، بسبب ما وقعوا فيه من الوهم في دراساتهم للأصوات اللغوية، ولا سيما أصوات الحركة. والأصل في هذه الأصوات أنها حركات تساعد على انطلاق الأصوات الحبيسة من مخارجها، فالصوت الساكن في الحقيقة هو الصوت الحبيس ذو المخرج؛ وحروف المد في مثل الكلمات: عالم وكاتب وعليم وحكيم وخجول وصبور، حركات طويلة تطلق الحبيسات التي قبلها. وإذا وردت أصوات مشابهة لها في بدء الكلمة، نحو: (ولد) و(يد) و(أمل) فإنها أصوات حبيسة، حركتها الفتحة وأطلقتها. ولعل السبب في الارتباك هو الرموز الكتابية نفسها. ولا بد لنا هنا من وقفة قصيرة عندها لنكشف عن بعض هذا الغموض.
دلّت الدراسات الحديثة للّغات العربية وتاريخها، على أن الألفباء العربية مشتقة أصلاً من أبجدية عربية قديمة، هي الأبجدية الكنعانية: أبجد. هَوَّز. حطيّ. كلمن. سعفص. قرشت، ولسنا هنا بصدد الإشارة إلى الأصوات الصحيحة، فقد خلت من تعقيدات التقييم والرسم. بل إن ما يعنينا الآن هو الأصوات الحركية فيها الممثلة بـ(أ) أبجد، و(ياء) حطي و(و) هوّز فقط. والباحث المدقّق يجد أن الأصوات اللغوية هنا تذكر داخل تشكيلات قد تساعد على تعيين كل صوت عند النطق: فألف أبجد وواو هوز هنا يرمزان إلى أصوات صحيحة تشترك في بناء الكلمة. فالاهتمام عند نشوء الكتابة الأبجدية كان منصبّاً على الأصوات التي تشكّل البناء، أي الأصوات الصحيحة، أما أصوات الحركة فلم تكن موضع دراسة أو اهتمام أول الأمر مطلقاً. وإذن فالقيمة الصوتية لهذه الرموز هي كقيمة الأصوات الصحيحة الأخرى، ولا تختلف. ولكن عندما بدئ بالتدوين الواسع وقُصِد الضبط الصحيح لشكل الكلمة لحفظ سلامة النطق عند القراءة، شعر الكُتّاب بضرورة إيجاد رموز تحقق هذا القصد؛ وكان أن استُخِدمت أول الأمر هذه الرموز للدلالة على الحركات الطويلة، والنهايات الإعرابية التي قد يؤدي إهمالها إلى الخطأ. وقد سبق أن فعلت البابلية القديمة والأكدية والعربية الجنوبية والأوغاريتية ذلك؛ فالنماذج اللغوية في هذه اللغات تؤكد استعمالها في مواضع الحركات الطويلة والنهايات الإعرابية؛ فكل المفردات البابلية والأكدية تنتهي بأصوات حركية لتدل على وظائفها النحوية في العبارة، وهي تشابه الحركات الإعرابية في اللغة العربية تماماً، فالواو للرفع، والألف للفتح، والياء للكسر. والملاحظ أن الإعراب في اللغات الأكدية يَظهر حتى في الضمائر المنفصلة، إذ تتغير نهاياتها الحركية حسب مواقعها في الجملة، فتكون مرفوعة بالواو، ومفتوحة بالألف ومجرورة بالياء. ولكنَّ هناك فرقاً واضحاً بين رموز الكتابة المسمارية والأبجدية الكنعانية؛ فالخط المسماري الأكدي مشتقّ من الخط المسماري السومري، الذي يدل الرمز فيه على المقطع المؤلف من صوت صحيح مع الحركة التي ترافقه. فاللغة السومرية اعتمدت الأساس المقطعي في تمثيل الصوت، وهو مقارب للنظرة الحديثة إلى الأصوات اللغوية، إلى حد ما، التي تدعو إلى الكتابة الصوتية. ومعنى ذلك تمثيل كل صوت، سواء أكان صحيحاً أم حركة، برمز، وكما هو حاصل في اللغات الأوروبية بصورة عامة. أما الأبجدية الكنعانية فقد اقتصرت، كما قلنا، على رموز الأصوات الصحيحة؛ وهذا هو سبب الارتباك الذي وقع فيه العلماء العرب عند بدء التدوين، ومحاولة الانتقال بالأبجدية الكنعانية إلى مرحلة من التطور يستطاع فيها كتابة اللغة العربية كتابة صحيحة، تتمثل فيها كل الأصوات الحركية الضرورية لسلامة النطق وحفظ الصيغ من الخطأ. ولكن الأبجدية كانت قد استقرّت بعد محاولات متعددة لتطوير بعض رموز الأصوات الصحيحة، للتعويض عن رموز الأصوات التي كانت تفتقر إليها الأبجدية الكنعانية؛ واستُخِدم التنقيط لهذا الغرض، وارتفع بذلك عدد الأصوات الصحيحة إلى ثمانية وعشرين رمزاً بدلاً من اثنين وعشرين، واستُخِدمت الرموز (أ) و(و) و(ى) الصحيحة لرسم الأصوات الحركية الطويلة في نهاية المفردات الفعلية والاسمية، في الحالات التي استقرت عليها فيما بعد قواعد استخدامها للوظائف النحوية، كما كانت تستخدم سابقاً في اللهجات الكنعانية القديمة وفي الصيغ التي تكون حركة فائها صوتاً طويلاً، نحو: (قال) و(مال) و(جيد) و(زير). وقد مرت الكتابة العربية قبل الاستقرار على هذا الوضع بعدد من المراحل، لو رجعنا إلى القرآن الكريم لاكتشفناها: "وقٰتلوا في سبيل الله". "ولٰكنّ أكثر الناس لا يشكرون" "فيضٰعفه له أضعافاً" "وقال لهم نبيهم أن ءاية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك ءال موسى وءال هارون تحمله الملٰئكة" "بل الله مولٰكم وهو خير الناصرين"و"إذ تصعدون ولا تلون على أحد والرسول يدعوكم في أخراىٰكم فأثٰبكم غماً بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم" "وءاتوا اليتٰمى أموالهم" و"إن خفتم ألا تقسطوا في اليتٰمى فانحكوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلٰث وربٰع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعدلوا". ولو راجعنا القرآن الكريم كله لوجدنا الرسم القرآني يشير إلى تاريخ الكتابة العربية، وهو فترة محاولة تطوير الأبجدية الكنعانية وفق أصوات اللغة العربية في مرحلتها الثالثة، أي مرحلة استقرارها لغة مستقلة انفردت بخصائص حضارية تقدمت بها على أخواتها وخلفتها وراءها، ثم وصلت إلى ما وصلت إليه من الاتساع والازدهار بفضل العناية بلغة القرآن، ورغبة في صيانتها وحفظها في أوضح صورة وأكمل وجه.
ولما وجد العلماء العرب أن الرموز الثلاثة المذكورة، والتي استُخدِمَت لعملين مزدوجين هما: قيامها بدور أحرف البناء عند وجودها في صدر الكلمة، ودور أصوات الحركة الطويلة التي تقوم بإضفاء المعاني الجديدة على البناء، لا تكفي للدلالة على كل ما لأصوات الحركة من صفات وخواص، فقد تكون هذه الأصوات طويلة أو قصيرة أو منفتحة أو مغلقة، كما تُستَخْدَم لوظائف نحوية (الإعراب) بالإضافة إلى وظائفها الصرفية، عمدوا إلى إيجاد رموز تضاف إلى رسم رموز الأصوات الصحيحة حسب أحوالها الصرفية والنحوية. ولا تغيّر في شكل الرموز أنفسها، لأنها عارضة تتغيّر بتغيُّر الوظيفة الصرفية أو النحوية؛ ووجدوا أن هناك تشابهاً بين الأصوات الصحيحة التي ذكرناها سابقاً وهي: (أ) (أبجد) و(واو) (هوز) و(ياء) (حطي) في الصفات، وهذه الأصوات الحركيّة التي تلاحظ بعد نطق كل صوت صحيح في بناء الكلمة، ووجد أن الصوت الحركي الذي يرافق أصوات الكلمة (كَتَبَ)، مثلاً، وهي الحركة القصيرة على الكاف والتاء والباء، يشبه صوت المد الذي مُثّل له بألف أبجد، فسُمّي بفتحة، واتُّخِذ من رسم مصغر للألف رمز له. وهكذا اتُّخذ من رسم مصغر للواو رمز للضمة ومن رسم مصغر للياء رسم للكسرة. وتم بذلك تمثيل أصوات الحركة الطويلة بالأصل الصحيح، وبرسم مصغّر لهذا الأصل للحركة القصيرة. وبقيت بعض الأصوات الحركية التي لا تَرِدُ إلا قليلاً في الفصحى وتكثر في اللهجات الكلامية دون رموز، كصوت الإمالة والإشمام وبعض الأصوات المركّبة.
يبدو واضحاً مما تقدم أن هناك نقصاً في تمثيل أصوات الحركة في الرسم العربي، وأن هذا النقص كان أكبر وأوسع في بدء الدراسات اللغوية العربية؛ فقد تطورت الكتابة العربية، كما يلاحَظ من الرسم القرآني، حتى وصلت إلى الرسم الحديث تطوُّراً ملحوظاً؛ وهنا لا بد من ذكر أمر مهمّ جداً، وهو أن الدراسة اللغوية العربية بدأت بدراسة اللغة المدوّنة، واقتصرت على العربية فقط، دون ملاحظة اللغات العربية الأخرى التي اشتركت في الأصول مع اللغة العربية، واستقلّت عنها، وخضعت لعوامل غير العوامل التي خضعت لها العربية القرآنية، فتغير وتطور فيها ما تغير وتطور، ثم عادت فاشتبكت مع العربية من جديد من حيث الرسم الكتابي والأصول اللغوية بأشكالها المستقلة المتطورة. وإن عملية الانفصال والالتئام هذه غيرت وطورت الكثير من هذه اللغات، وإن الدراسة المقارنة لا بد منها لتقرير حقائق تطور اللغة. كما أن اللغات الكلامية لم تَحْظَ بالدرس إلا بقدر ما أخذ من اللهجات التي عدها علماء اللغة من الفصيحة، بالإضافة إلى نقص في وسائل البحث اللغوي والتجريبي. كل ذلك أدى إلى وقوع العلماء في كثير من اللبس والغموض في تعليلاتهم الصرفية والنحوية، فقد كانت التعليلات مستنبطة من الصورة المرسومة لا الأصل المنطوق.
إن هذا النقص في وسائل البحث اللغوي، من نقص في الرسم الكتابي إلى نقص في التجربة والاختبار، أدى كما نرى إلى ارتباك في التحليل؛ فقد ميّز علماء اللغة الأبنية اللغوية وحددوا أسس قيامها، وهي أنها لا تُبْنَى إلا من الأصوات الصحيحة. وهذه حقيقة أكدتها الدراسات الحديثة. ثم عادوا، لمّا وجدوا أبنية لا يشترك فيها إلا صوتان صحيحان، فرفضوا ما قالوا أو رجعوا عنه، فعدّوا الصوت الحركي منقلباً عن أصل صحيح مماثل، وحاولوا تطبيق قواعد تصريف الثلاثي عليه، فوجدوه شاذاً ولا يقبل هذا القياس إلا بعد تعنّت وعناء؛ فحاروا في تعليل ذلك ووقعوا في كثير من التوهم.
وسنحاول الكشف عن بعض أسرار الصيغ الثنائية والثلاثية بدراسة مقارنة في اللغات الأكدية والعبرية والعربية، لعلّنا نستطيع إلقاء بعض الضوء على ما غمض منها في الصفحات القادمة.

ولما كانت العربية تمثل أقدم وأوسع لغات الجزيرة العربية العربية، وتظهر فيها كل الصيغ الصرفية التي تحتملها أبنية الكلمة في هذه اللغات مع كافة الاشتقاقات الممكنة، فإننا سنتخذ من صيغ الثنائية والثلاثية، وهما أقدم بنائين للكلمة فيها، أساساً للمقارنة بينهما وبين أبنية الكلمة في اللغات الأخرى من هذه الأسرة.

رد مع اقتباس