ويقول عبَّاس محجوب: إن هناك سببين لضعف الطَّلبة في الدروس النَّحويَّة، الأوَّل: هو تدْريس القواعد كمادَّة مستقلَّة منفصلة، والثاني: هو التَّركيز في تعليم النحو على القواعِد وإغفال الجانب المهمّ في تعلّم اللغة وتذوُّقها، وهو جانب التذوُّق اللغوي والإحساس باللغة، وطرُق استِعْمالها[8].
في المنهج القديم نَجِد أنَّ النَّحو يُدرَّس كمادَّة مستقلَّة ومنفصلة عن الدُّروس اللُّغويَّة الأُخْرى؛ كالتَّعبير والحوار، وقراءة النَّصّ والإملاء، وبِهذه الطَّريقة يشعر الطَّالب بوجود حاجزٍ أمامَه، ويتصوَّر أن تلك الدروس مختلفة تمامًا عن الأخرى، بالرَّغم أنَّها كلها فروع اللغة التي ترتبط بعضها ببعض.
3- التناسُبية لمستوى الطالب:
إنَّه لا بدَّ من تنسيق منهج النحو العربي حتى يكون مناسبًا بمستوى الطَّلبة الأجانب، من حيث المحتوى واللغة واحتياجاتهم، ولا بدَّ أن نربط اللغة والمنهج بالمهارات اللغويَّة لدى الطَّلبة، وأن نراعي مستوى اللغة عندهم يَختلف اختلافًا كبيرًا عن الطلاَّب العرَب؛ ولهذا فإنَّ المنهج النَّحْوي للأجانب يَجب أن يكون سهلاً ومناسبًا لمستوى الطّلاب الأجانب لغويًّا وكمِّيًّا.
ومن حيث المراحلُ التعليميَّة، نجد أنَّ احتياجات الطلاَّب العرب للنَّحو العربي في المراحل الثلاثة، الأولى والثانية والثالثة تَختلف عن احتِياجات الأجانب، ويَجب أن يكون ذلك الاختِلاف كذلك في المرحلة الثَّانويَّة والجامعيَّة، وفي هذا الصَّدد يقترح عابد توفيق ويقول: "عدم الإيغال في دقائق الموضوع والوجوه المتعدِّدة له والشَّواذّ عن القاعدة، وحِفْظ الشَّواهد فيه، واختِلاف الآراء والمذاهب النَّحويَّة، وضرورة البُعد عن الاستِطْراد في الموضوعات النَّحويَّة التي لا تُفيد الطَّالب في مواقع الحياة؛ كدقائق الإعراب وما يتَّصل به من بناء وإعْراب تقْديري ومحلّي، ويحسن بالمدرِّس العناية ببيان معاني الأدوات اللغويَّة وطريقة استِعْمالها في الكلام، وبيان أثرها الإعرابي دون تفصيل"[9].
4- التدريبية والتطبيقية:
إنَّ النَّحو العربيَّ الَّذي يقدَّم للطَّالب الأجنبي أو لغير النَّاطقين بالعربيَّة يجب أن يحتوي على مجموعة من التدريبات الكافية، وقال الركابي تأكيدًا على ذلك: "ألاّ يقتصر المدرّس في درس القواعد على مناقشة ما يعرض من الأمثلة، واستنباط القاعدة وتقْريرها في أذهان التلاميذ؛ بل عليْه أن يكثر من التدريبات الشفهيَّة المتركِّزة من أسس منظَّمة من المحاكاة والتكرار؛ حتَّى تكون العادة اللغوية الصحيحة عند التلاميذ"[10].
إنَّ الهدف من التَّدريبات هو تثبيت القواعد النَّحويَّة في ذهْن الطَّالب، ونقلها في الاستعمال الواقعي في حديثهم وكتابتهم، ولقد أشار محمود كامل الناقة إلى الأدوار الثلاثة التي يُمكن أن تلعبها التدريبات في برنامج تعليم اللغة الأجنبية: أولاً: أنَّها تستطيع أن تحدّد وتوضِّح الأهداف المقرّرة من المنهج، وثانيًا: أنَّها تستطيع أن تُثير دوافع الطَّلبة للتعلُّم، وثالثًا: أنَّها تستطيع أن تقيِّم تحصيل الطلبة في الغرفة الدراسيَّة[11].
ولقد اقترح النَّاقة مواصفات عامَّة للتدريبات اللغوية، وهي كالآتي:
- أن تتعدَّد أشكال التَّدريبات إن أمكن ذلك.
- أن تكون التدريبات تثير الدَّارس إلى العمل الإضافي، كالواجب المنزلي والاعتماد على النَّفس في عملية التعليم الذَّاتي.
- أن تصمَّم التدريبات في كلّ درْس بِحيث تصِل بالدَّرس إلى استخدام مُحتواه اللّغوي بشكْل فعَّال.
- تركز التَّدريبات على التَّقابل بين اللغة العربية ولغة الدارس، وعلى ما يسبّب صعوبات ومشاكل للدَّارس.
- تركز التدريبات على المشاكل الأُخرى الناتِجة عن دراسات تحليل الأخطاء[12].
وينصّ رشدي أحمد طعيمة على أمور يَجب مراعاتها عند إعداد التَّدريبات، وهي:
- أن تكون متنوّعة بحيث يعالج منها مهارات لغويَّة أو تذوقيَّة معيَّنة.
- أن تكون كثيرة بحيث تغطِّي أكبر عدد من المهارات اللغويَّة والتذوقيَّة.
- ألا يقتصر على تنمية وقياس الجانب العقلي، وإنَّما يجب أن تعالج التدريبات أيضا المهارات الوجدانيَّة والجماليَّة التي تندرج تحت مفهوم التذوّق الأدبي.
- أن تجمع التدريبات التقويميَّة بين الاختبارات الموضوعيَّة واختبارات المقال.
- أن تتيح للدَّارسين فرصة القراءة الجهْريَّة التذوقية.
- أن يخصّص بعضها للعمل الجماعي في الفصْل وتوزيع المسؤوليَّات بين أكبر عددٍ من الدَّارسين.
- أن تخصّص بعض التَّدريبات لإسماع الدَّارسين قصائد مسجَّلة بصوت جيد تساعدُهم على الإحساس بمتعة الاتِّصال بالتراث العربي[13].
- إنَّ تدريس القواعد النَّحوية لا ينتج نتيجة مرجوَّة إذا لم نتبعه بتدريبات كافية، وإنَّ فهم الطَّالب للقواعد النَّحوية لا يكفيه لتكوين السلوك اللغوي، وإنَّ السلوك اللغوي عادة تُكتسب من خلال تدريبات وتطبيقات كثيرة ومستمرة[14]؛ ولهذا فإنَّ المنهح النحْوي لا بدَّ أن يحتوي على تدريبات كافية لمساعدة الطَّلبة في تقويم السّلوك اللغوي.
5- الأمثلة:
إنَّ القواعد المقدَّمة للطلبة يجب أن تكون أمثلتها كثيرة وكافية، وسهلة ومرتبطة بحياة الطلبة، وكثرة الأمثلة تساعد الطَّلبة في استِنْتاج القواعد النحويَّة المدْروسة، ورأى إي أه مينج Ee Ah Meng أنَّ الأمثلة المقدَّمة للطلبة يجب أن تكون كافية وواضحة؛ وبهذا يستطيع الطَّالب أن يستنتج القواعد المدروسة ويبني عليها التصور أو النظرة[15]، وينصح عبدالحميد فايض مدرس اللغة باختيار الأمثلة وإكثارها قبل أن يستنتج القواعد حتَّى تكون راسخة وثابتة في ذهن الطالب[16].
وعند اختيار الأمثلة يجب أن نُراعي كذلك معيار السهولة من حيث الكلِمةُ والتَّراكيب، وأن نستبعِد الأمثلة التي فيها خلافات عند عُلماء النَّحو، والافتراضات التي لم تكن موجودة في اللغة؛ وذلك لأنَّه يجعل عمليَّة تعليم النَّحو صعبة[17].
وإضافة إلى ذلك فإنَّه يحسن ألا تُختار الأمثلة من الشعر العربي؛ وهذا لأنَّه بعيد عن حياة الطلبة، وقليل الاستخدام مع صعوبة الفهم، ومن هذا المنطلق يدْعو الباحث ألا تُحشى كتب النحو وكتب تعليم العربية بالأبيات الشعريَّة، ولا يجوز الاقتداء بما فعله العرب في كتب النحو التي وضعت أساسًا كالشواهد النحويَّة.
6- السياقية والموقفية:
المقصود بالسياق هنا: هو أنَّ الأمثلة القاعديَّة والنَّحويَّة يجب أن تُوضع في سياقات لغويَّة أو جملة مناسبة، ويقول حسني عبدالهادي: "تذكَّر دائمًا أنَّك تشرح النَّحو الذي هو علم الجملة، ففكِّر في درسك بالجملة واشرح بالجملة، وابْنِ بدقَّة صورة الجملة العربيَّة في أذهان تلاميذك"[18].
وقال أيضًا: "إنَّ الغرض من تدريس القواعد هو أن تكون وسيلة تُعين الدارس على تقويم لسانه وعصمة أسلوبه من اللحن والخطأ، وإنَّ الطريقة لتحقيق هذه الغاية هو أن تدرس القواعد في ظلّ اللغة، وذلك بأن تختار أمثلتها وتمريناتها من النّصوص الأدبيَّة السهلة التي تسمو بأساليب التَّلاميذ، وتزيد ثقافاتِهم وتوسّع دائرة معارفهم[19].
إنَّ الدراسة النَّحويَّة لا بدَّ أن ترتبط بمواقف الحياة فضلاً عن السياق اللغوي، وقال الأستاذ الدكتور أتان لونج Atan Long: "إنَّه من الأحسن أن يُوجِد المدرّس المواقف الحقيقيَّة في التعلّم، ويجب أن يرشد الطلاب حتى يكونوا واعين أنَّ التعليم والنشاطات المدرسيَّة جزء من الحياة"[20].
السياق اللغوي الاتّصالي وسيلة لتعليم التَّركيب اللُّغوي أو القاعدة، وهذه الطريقة ترى أنَّه لا ينبغي الحديث حول اللغة قبل أن نعرِف كيف نتحدَّث بها، وهي تُنادي بأن يتعلَّم المبتدئ القواعد عن طريق السَّيْطرة على الجمل الأساسيَّة واستِخْدامها وظيفيًّا، ولعلَّ هذا يذكِّرنا بأنَّ الَّذي يتعلَّم لغته الأمَّ يتعلَّمها هكذا قبل أن يدخل المدرسة، إنَّه لم يجلس في ركن منعزِل ليحفظ قواعد اللغة، ولكنَّه خرج إلى المجتمع ولعِب مع الأصدقاء وأقرانه وخالطَ الكِبار والصِّغار وتعلَّم منهم وعلَّمهم؛ ومن ثم عليْنا أن نتيح نفس الفرصة لمتعلّم اللغة الأجنبيَّة لكي يسيْطِر على التَّراكيب والجمل الأساسيَّة أوَّلاً، ثم ننتقِل به بعد ذلك إلى تقْديم القواعد في صورتِها الوصفيَّة[21].
وعلى حسب أصحاب نظريَّة السّياق، فإنَّه من خلال ملاحظة اللّغة وتقليدها في المواقف الحقيقية يستطيع الدارس أن يسيطر على القواعد عن طريق الاستنتاج، ودون الحاجة إلى معرفة واعية تفصيلية في شكل قواعد نحو[22]؛ وبناء على هذه الآراء نستطيع القول بأنَّ الدروس النحويَّة يَجب تنسيقُها في سياقات لغوية لها علاقة مباشرة بِحياة الطلبة، وهذا لفتح مجال الممارسة والتَّطبيق بشكل واسع أمامهم.
7- الإفادة:
إنَّ القواعد النحويَّة التي نقدّمها للطلبة يجب أن تكون أيضًا من النَّوع الذي يستفيد منها الطلاب، وتساعدهم في رفع مستوى الأداء اللغوي، وهناك كثيرٌ من الموضوعات النَّحويَّة التي تتعلَّق بالنَّحو، في المنهج أو المقرَّر الدِّراسي لا تُساعدهم في ذلك؛ بل تَجعل عمليَّة التعلُّم صعبة ومعقَّدة؛ ولهذا ينفر منه الطَّلبة، وكما قال زكريا إسماعيل: "هناك الكثير من الموضوعات المغْرِقة في التخصص، فلا داعي لتدريسِها في مراحل التعليم العامّ؛ لأنَّها لا تخدم الهدَف الأساسي من تدريس النحو، وهو ضبط الكلام وصحَّة النطق والكتابة"[23].
وعلى نفس المقصود يقول محمود كامل النَّاقة: "أن تَعْرِض المادَّة بحيث تقدّم ما يمكن تعلّمه، لا ما ينبغي أو يجب معرفته"[24]، وقال الركابي في هذا الصَّدد: "علينا أن نختار من القواعد ما له أهمية وظيفيَّة وفائدة في عمليَّة الكلام، جاعلين من درس القواعد وسيلة محبَّبة تعين على سلامة اللسان والقلم من الخطأ، دون الإيغال في سرْد التَّفاصيل النحويَّة والشَّواهد اللغويَّة وحِفْظ المصطلحات"[25].
ولعلَّ هذا الملمح يظهر بما نسميه بالنحو الوظيفي، والنحو الوظيفي يَختار من النحو الَّذي له علاقة بأساليب وأنماط لغويَّة مستخدمة في حياة الطلبة اليوميَّة.
إنَّ دراسة النحو يجب أن تُوجّه إلى مهمتين أساسيتين، هما: التعليم والاكتساب.
إنَّ عمليَّة التعليم يمكن أن تنطلِق من طريقة نحويَّة عامَّة وسهلة وغير معقَّدة، وبعيدة من المصطلحات التي لا تعطي فوائد كثيرة للطَّلبة، وأمَّا عملية الاكتِساب، فيُمكن أن تحدث من خلال الأمثلة الكافية، وبهذه الطَّريقة يستطيع الطَّلبة الاستفادة منها، سواء بطريقة مباشرة أم غير مباشرة.
8- الضرورية:
إنَّ المنهج النَّحويَّ يجب أن يتَّصف بالضَّروريَّة؛ أي: بتقديم الدروس النحويَّة الضرورية فقط للطلبة، طبقًا لمستوياتهم التعليميَّة، وهذا الملمح له علاقة بالفائدة؛ وهذا لأنَّ شَكل النحو الذي يفيد الطلبة كثيرًا في الكلام والكتابة هو الشَّكل الذي يجب تقديمه وتدريسه للطلبة، وبعبارة أخرى: إنَّ شكل النحو الذي لا يُفيد الطلبة أو أقلّ فائدة لهم يَحسن استبعادُه، أو تأجيل تدريسِه إلى وقت آخر حتَّى يصل الطلبة إلى مستوى الأداء اللّغوي العالي، أو في مستوى التخصّص.
في مرحلة تعلّم اللغة ينبغي أن يُقدم للطَّلبة النحو الأساسي حتَّى يستطيعوا تطبيقه بطريقة صحيحة، سواء في الكلام أم في الكتابة، يقول زكريا إسماعيل: إنَّ هناك الكثير من الموضوعات المغرقة في التخصّص، فلا داعيَ لتدريسها في مراحل التعليم العامّ؛ لأنَّها لا تخدم الهدف الأساسي من تدريس النحو، وهو ضبط الكلام وصحَّة النطق والكتابة[26].
وهناك محاولات عديدة في تَحديد الموضوعات النحويَّة الأساسيَّة، ولقد قام محمود أحمد السيد في دراسته للحصول على درجة الدكتوراه الَّتي كانت تحت موضوع: "أسس اختيار القواعد النحويَّة في منهج تعليم اللغة بالمرحلة الإعدادية"، ولقد توصَّل الباحث إلى واحدٍ وعشرين موضوعًا أساسيًّا وهي: المضارع وأحواله، والفاعل ونائب الفاعل، والمبتدأ والخبر، وإنَّ وأخواتها، وكان وأخواتها، والمفعول به، والمفعول فيه، والحال والاستثناء والتَّمييز، والمجرور بالحروف والمضاف إليْه، وحروف الجر وحروف العطْف، وحروف النصب وحروف الجزم، وأسماء الاستفهام، والإفراد والتَّثنية والجمع، والأسماء الخمسة والنَّعت. (انظر محمود كامل الناقة)[27].
وبناء على تلك الآراء السَّابقة؛ فإنَّه من الضَّروري لمن يقوم بوضْع المنهج النحوي أن يضع في اعتِباره هذا الملمح، وأن يستبعِد غير الضروري من النَّحو العربي.