عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-11-2016 - 09:02 AM ]


ولعل أبرز هذه المناظرات تلك التي دارت بين سيبويه والكوفيين، وعلى رأسهم الكسائي، والتي استوقفت نحاة قدماء ومحدثين أدلوا بآرائهم فيها. وقد حقق البصريون في هذه المناظرات تفوقاً واضحاً، وصاروا يؤدبون في القصور كما كان الكوفيون يؤدبون، وصاروا يُسْتَدعَون من البصرة للبتّ في مسألة استعصت على الحل؛ فهذا اليزيدي يؤدب المأمون بن الرشيد كما كان الكسائي يؤدب أخاه الأمين، وهذا قطرب، تلميذ سيبويه، يعلم ولد أبي دلف القاسم بن عيسى العجلي صاحب الكرخ، ثم يؤدبهم ابنه الحسن بن قطرب فيما بعد؛ ثم هذا المازني يدعوه الواثق لبيان إعراب بيت من الشعر من البصرة إلى بغداد، ثم يجالس المتوكل فيما بعد.

وقد أساء التنافسُ في المناظرات إلى العلاقات بين نحاة المدرستين، ودفع نحاة المدرسة الواحدة إلى الطعن على نحاة المدرسة الأخرى، ومحاولة الانتقاص من علمهم ومكانتهم في قسوة وتَجنٍّ شديدين، وأدى بهم إلى تبادل التهم. وكان البصريون في هذا المجال أقسى وأشد؛ فمن جانبهم كان أبو حاتم يقول: "لم يكن لجميع الكوفيين عالم بالقرآن ولا كلام العرب؛ ولولا أن الكسائي دنا من الخلفاء فرفعوا من ذكره لم يكن شيئاً، وعِلمُه مختلط بلا حجج ولا علل إلا حكايات عن الأعراب مطروحة". وكان أبو زيد يقول: "قدم الكسائي البصرة، فأخذ عن أبي عمرو ويونس وعيسى بن عمر علماً كثيراً صحيحاً، ثم خرج إلى بغداد، فقَدِم أعراب الحطمة، فأخذ عنهم شيئاً فاسداً، فخلط هذا بذاك فأفسده". وكان المبرد يقول: "ما عرف الرؤاسي بالبصرة؛ وقد زعم بعض الناس أنه صنّف كتاباً في النحو، فدخل البصرة ليعرضه على أصحابنا، فما التفت إليه، ولم يجسر على سماعهم لما سمع كلامهم". أما من جانب الكوفيين فكان أبو موسى الحامض يقول للزجاج: "صاحبكم الأكبر – يعني سيبويه – كان أغلف اللسان عييّاً عن البيان". وكان ثعلب يؤازره في قوله، فيقول الزجاج ردًّا عليهما: "أما نحن فلا نذكر "حدود" الفراء، لأن خطأه فيها أكثر من أن يُعَد". وقد عمل الزجاج على رد الكثير من ألفاظ "الفصيح" لثعلب، ولهجت بها الألسن إلى أن سئم ثعلب "الفصيح" وأنكر أن يكون له.

ولم تكن التهم متبادلة بين نحاة المدرستين فحسب، وإنما تفشت العدوى لاتساع نطاق التنافس، فَسَرَت بين نحاة المدرسة الواحدة؛ فكان الأحمر يزعم أن الكسائي لم يكن يبصر التصريف، ويزعم أنه علمه. مع أن الأحمر هذا لم يقبل عرض الكسائي عليه تأديب الأمين بن الرشيد إلا بعد أن وعده بأنه يلقنه كل يوم مسألتين في النحو، وثنتين في معاني الشعر قبل أن يأتيه. وكان الفراء يقول: "مات الكسائي وهو لا يحسن حد "نِعْم" و"بِئْس" و"أن" المفتوحة، ولم يكن الخليل يحسن "النداء"، ولا سيبويه يدري حد "التعجب"". مع أن الفراء هذا كان يثني على الكسائي ويقول: "مدحني رجل من النحويين فقال لي: ما اختلافك إلى الكسائي وأنت مثله في النحو؟ فأعجبتني نفسي، فأتيته، فناظرته مناظرة الأكفاء، فكأني كنت طائراً يغرف من البحر بمنقاره". ولعل مَرَدّ طعن الفراء يعود إلى أن الكسائي كان يرى فيه منافساً على زعامة المدرسة الكوفية، ولذلك فإن الكسائي خلّف بعده الأحمر الكوفي على تأديب ابن الرشيد، ولم يخلّف الفراء؛ مما أدى إلى فارق كبير في نمط الحياة بين الاثنين: فبينما كان التلاميذ يأتون الأحمر ليلقاهم بوجه منطلق وبِشر حسن، كانوا يأتون الفراء ليخرج إليهم معبساً قد اشتمل بكسائه، وليجلس لهم على باب بيته، ويجلسون هم في التراب بين يديه.
وعلى غرار ما كان بين الفراء والكسائي، وبين الكسائي والأحمر، كان الأمر بين البصريين؛ فكان أبو حاتم يقول في أستاذه الأخفش الأوسط، سعيد بن مسعدة: "لم يكن بالحاذق في النحو"، مع أن الأخفش عرف أنه الطريق إلى كتاب سيبويه، وكان الجاحظ يعترف بفضله وعلمه ويقول له: "أنت أعلم الناس في النحو". وكان ابن جنى يدافع عنه ويرى أن الذين يطعنون عليه إنما هم: "أقوام نزرت من معرفة حقائق هذا العلم حظوظهم، وتأخرت عن إدراكه أقدامهم". حتى الفراء الذي عرف بالغرور، والاعتداد بالنفس، كان يعترف بفضل الأخفش؛ فقد روى أنه دخل على سعيد بن سلمة، فقال سعيد: "قد جاءكم سيد أهل اللغة وسيد أهل العربية". فقال الفراء: "أما ما دام الأخفش يعيش فلا". وكان أبو هلال العسكري يقول في الأخفش: "وله نحو كثير، وليس كثير من النحويين من ينظر في النحو، يدرس كثرة علمه".

وقد أدى التنافس أيضاً إلى انطواء كل مدرسة نحوية على نفسها، وانزوائها عن الأخرى، وبالتالي عدم اطلاع نحاة المدرسة الواحدة على آراء نحاة المدرسة الأخرى إلّا خفية أو لمأرب في النفس. غير أن المدرسة البصرية كانت في هذا المجال – أيضاً- أكثر تحفظاً، وأكثر تشدداً في نظرتها إلى مدرسة الكوفة؛ فلم يأخذ أحد من علمائها عن أحد من علماء الكوفة إلا أبا زيد، فإنه روى عن المفضل الضبي. وقد بلغ التشدد بالبصريين إلى درجة أنهم نفوا أن يكون الفراء قد استكثر في دراسته على يونس بن حبيب البصري. أما من ناحية مدرسة الكوفة، فمع أن الكسائي درس على الخليل ويونس بن حبيب – وهذان يخرجان من دائرة التنافس، لأنهما سبقا مرحلة الصدام بين المدرستين – إلا أنه حين أراد أن يدرس كتاب سيبويه – وسيبويه يأتي في لبّ الصدام – قرأه على الأخفش الأوسط سرًّا، ووهبه سبعين ديناراً. لقد كان الكسائي يخشى فعلاً أن يعلم البصريون قراءته هذه فيعيروا الكوفيين بذلك. وكان يخشى أن يعلم الأمراء والوزراء الذين كان يفاخر أمامهم ويعتدّ، والذين حكموا له بالغلبة على سيبويه في المناظرة المشهورة بينهما. ومثل الكسائي كان الفراء أيضاً: فقد عرف عنه أنه كان يقرأ كتاب سيبويه سرًّا، ويضعه تحت وسادته؛ مع أنه كان "زائد العصبية على سيبويه"، فكان الجاحظ يقول: "إن الفراء لم ينتفع بالنظر في هذا الكتاب كبير نفع لأنه لم ينظر فيه نظر ناصح لنفسه، ولا شاكر لمن وصل إليه العلم من جهته ولا معترف بالحق فيه". أما ثعلب الكوفي فإنه جنب نفسه التهم في هذا الأمر، فلم يطلع على مذهب البصريين، وإنما حصر نفسه في المذهب الكوفي؛ فدرس كتب الكسائي والفراء، وكان يعود إلى أقوالها في مناظراته مع البصريين ويلجأ إليها، " فإذا سئل عن الحجة والحقيقة .. لم يفرق في النظر". ولم يك ثعلب مكتفياً بتطبيق ذلك على نفسه، وإنما كان يحاول أن يطبقه على تلاميذه؛ فكان يعاتب ختنه أبا علي الدينوري لأنه كان يتركه ليقرأ كتاب سيبويه على المبرد، ويقول له: "إذا رآك الناس تمضي إلى هذا الرجل وتقرأ عليه يقولون ماذا؟".
وكان النحوي يشعر بالحرج الشديد والخجل من نفسه إذا ما غلبه نحوي آخر في مناظرة بين يدي خليفة أو وزير: فهذا ابن السكيت يلوم المازني لانتصاره عليه في مناظرة بين يدي الخليفة الواثق، ويقول له: "ما حملك على هذا وبيني وبينك من المودة الخالصة؟" فيقول المازني: "والله ما قصدي تخطئتك، ولم أظن أنه يعزب عنك ذلك". وكان النحوي يتعصب لنحوي آخر من مدرسته، ويثور إذا ما غلبه نحوي آخر من المدرسة الأخرى: فهذا ابن قادم يقول: "قدم أبو عمر الجرمي على الحسن بن سهل، فقال لي الفراء: بلغني أن أبا عمر الجرمي قدم، وأنا أحب أن ألقاه. فقلت له: فإني أجمع بينكما. فأتيت أبا عمر فأخبرته، فأجاب إلى ذلك. وجمعت بينهما. فلما نظرت إلى الجرمي قد غلب الفراء وأفحمه، ندمت على ذلك. فقال ثعلب لابن قادم: ولم ندمت؟ قال: لأن علمي علم الفراء، فلما رأيته مقهوراً قَلَّ في عيني، ونقص علمه عندي.
وكان التنافس يدفع النحوي في بعض الأحيان إلى التحايل على الإعراب والإفصاح برأي غير الذي يقتنع به، ولا بأس أن يصور رأياً خاطئاً من أجل إرضاء خليفة أو أمير، أو وزير أو قائد اجتهد رأياً في مسألة نحوية: فقد استقدم الخليفة المتوكل المبرد من البصرة ليعرف رأيه في همزة ان في قوله تعالى: (وما يشعركم أنها إذا جاءت) هل هي مكسورة أو مفتوحة؛ وكان المتوكل قرأها بالفتح، ووزيره الفتح بن خاقان قرأها بالكسر، فحدث خلاف بينهما على ذلك. قال المبرد يروي بنفسه: فوردت سُرّ من رأى، فأُدخِلْت على الفتح بن خاقان، فقال: يا بصري، كيف تقرأ هذا الحرف، (وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون) "انها" بالكسر أو الفتح، قل بالكسر أو بالفتح؟ فقلت: بالكسر، هذا المختار وذلك أن أول الآية: "وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمننَّ بها، قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم) ثم قال: يا محمد (إنها إذا جاءت لا يؤمنون) باستيفاء جواب الكلام المتقدم، قال: صدقت. وركب إلى دار أمير المؤمنين فعرَّفه بقدومي، وطالبه بدفع ما تعاقدا عليه وتبايعا فيه. فأمر بإحضاري. فلما وقعت عين المتوكل علي قال: يا بصري كيف تقرأ هذه الآية: (وما يشعركم أنها إذا جاءت) بالكسر، أو بالفتح؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، أكثر الناس يقرأونها بالفتح، فضحك، وضرب برجله اليسرى. وقال: أحضر يا فتح المال. فقال: والله يا سيدي إنه قال لي خلاف ما قال لك، فقال: دعني من هذا، أحضر المال. وأخرجت. فلم أصل إلى الموضع الذي كنت أنزلته حتى أتتني رسل الفتح، فأتبته، فقال لي: يا بصري أول ما ابتدأتنا به الكذب، فقلت: ما كذبت. فقال: كيف وقد قلت لأمير المؤمنين الصواب (وما يشعركم أنها إذا جاءت) بالفتح. فقلت: أيها الوزير! لم أقل هكذا، إنما قلت: أكثر الناس يقرأونها بالفتح، وأكثرهم على الخطأ، وإنما تخلصت من اللائمة، وهو أمير المؤمنين. فقال لي: أحسنت.
وما سَلَكَه المبرد سَلَكَه يعقوب بن السكيت، وبأسلوب فيه الكذب على النحو واضح، والتلفيق بيّن؛ وذلك حينما استدعي للفصل بين قولي محمد بن عبدالملك الزيات ، وزير المعتصم، وأحمد بن أبي دؤاد في توجيه إعراب (رجل) في قول الشاعر:

رد مع اقتباس