وأيا كانت البواعث التي تقف وراء هذا التقييم غير المتكافئ لروافد النهضة الأدبية الحديثة ، فليس من شك في أن رأيا كهذا قد يعكس زاوية من الحقيقة ، ولكنه لا يعكس كل زواياها. ذلك أن الفترة التاريخية التي شهدت جهود أدباء الشام في أواسط القرن التاسع عشر لم تخل من جهود لنظرائهم في مصر والأقطار العربية الأخرى ؛ فمن قبل قام رفاعة الطهطاوي بترجمة “مغامرات تليماك” للقس الفرنسي فينيلون وسماها “مواقع الأفلاك في وقائع تليماك” ، كما وضع علي مبارك كتابًا تعليمي الهدف سماه “علم الدين” وصاغه في قالب قصصي لا يحقق كل الشروط المطلوبة في هذا الفن ، ولكنه –علي أية حال- لا يقل في جهد الريادة عن رواية مثل”ثارات العرب” التي كتبها نجيب حداد في الفترة ذاتها.
كذلك ترجم محمد عثمان جلال عديداً من القصص والمسرحيات التي تفصح عن مزاج ذلك العهد من غرام بروائع الكلاسيكية الفرنسية وولع بآثار “كورني” و ” راسين” و ” موليير” علي وجه الخصوص.
ولا نقصد بهذا إلي التهوين من قيمة دراسات المستشرقين أو الغض من شأنهم في العناية بتراثنا الأدبي والتوفر عليه تحقيقاً ونشراً ودراسة ، بل لعله – علي النقيض من ذلك –قد اتضح من خلال هذه السطور حجم الجهود التي بذلوها لإعادة النظر في هذا التراث الموزع بين شتي المكتبات والمتاحف ودور الحفظ في “يرفان” و “باكو” و “تبليسي” و “طشقند” وغيرها . وكم تحس بالروعة والأسى معا حين تشاهد قاعة كاملة في أحد متاحف آسيا الوسطي مخصصة للنتاج الأدبي الذي ظهر في موضوع واحد هو: قصة ليلي والمجنون، وكيف تطورت أشكالها الفنية وقيمها الفكرية والصوفية علي مر العصور.
تحس بالروعة لخصوبة تراثنا وثرائه وقدرته علي إفراز هذا العطاء الجم في موضوع واحد، وتحس بالأسى لأن هذا العطاء وأمثاله مازال بعيدًا عن تناول كثير من الباحثين والدارسين العرب، مع أن هذا الموضوع بالذات – ليلي والمجنون وتطور قصتهما في آداب المشرق الإسلامي – كان محور دراسات جامعية عديدة في مصر والخارج.
ومن ناحية أخري ، كان اختلاف منهج النظر، وقصور المادة المتاحة في الأدب الحديث بصفة خاصة ، سببا فيما لاحظناه من تركيز زاوية الضوء عند بعض المستشرقين- ومنهم كراتشكوفسكي – علي ظواهر وأقلام ليست من الخطورة والتأثير بالقدر الذي أضفي عليها، لدرجة أن أسماء عدد من كتاب الصحف القدامي، مثل فرح أنطون ويعقوب صروف وخليل خياط وأمين زاهر خير الله ، تكاد تحجب في مجال نشأة القصة العربية أسماء أدباء من أمثال المويلحي والمنفلوطي ومحمود طاهر لاشين والأخوين عبيد وغيرهم ممن أسهموا إسهاماً غير منكور في تأصيل هذا النمط الفني في أدبنا الحديث.
بيد أن هذه الملاحظة وأمثالها ينبغي ألا تصرفنا عن أعمال المستشرقين واجتهاداتهم في تراثنا ، وما نحتاجه في هذا المقام ليس هو الوقوف من هذه الاجتهادات موقف الرفض التام بدعوي قصورها أو تقصيرها ، وليس هو موقف التشكيك المطلق النابع من مشاعر الخشية علي التراث أو الحرج من أن يتناوله غير أهله ، بل ينبغي – في التحليل الأخير – أن يكون موقفنا موقف التقويم والإضافة: التقويم الرشيد الذي يكشف مواطن النقص والوهم والتزيد ، ويفيد من إيجابيات المنهج وتنوع وجهات النظر وتعدد زوايا الرؤية ، والإضافة الصادرة عن قدرتنا الخاصة علي الوعي بتراثنا وتمثله وإدراك قيمه الفكرية والجمالية. ولكن هذا بدوره قد لا يتاح إلا بالحركة النشيطة من أجل إعادة اكتشاف هذا التراث ، والعمل – دون إبطاء- علي تكوين فرق علمية مزودة بكل الإمكانات الفنية والمادية ، ترحل إلي مواطنه الأصلية ، وتتوفر علي جمع شتاته وتصنيفه ، ثم علي تحقيقه ودراسته ونشره . بهذا – وبهذا وحده –نضع أقدامنا علي بداية الطريق السوي نحو استكمال الصورة العامة لتطورنا الفكري والفني ، واسترداد أمشاج من تاريخنا عظيمة المعني والأثر ، ولكنها – رغم قيمتها الكبري – ما تزال تائهة في فجاج الأرض.
الهــوامش
1-عن الشيخ ورحلته وكتابه يراجع : كراتشكوفسكي : الأعمال المختارة- حـ1 – موسكو سنة 1955م .
2-إ.س. شرباتوف: الاستعراب في الاتحاد السوفيتي –موسكو سنة1961 ص 36.
3-نشرت هذه الدراسة فيما بعد ضمن الأعمال المختارة –حـ3-ص19 وما بعدها.
4-للمقارنة بين وجهة نظر كراتشكوفسكي والمغزي الجمالي والفكري للأعمال الشعبية المشار إليها تراجع الأعمال المختارة لكراتشكوفسكي –حـ3-ص 19 وما بعدها، كما يراجع بالعربية:
*ميخائيل باختين: الملحمة والرواية.
*شوقي عبد الحكيم: السير والملاحم الشعبية-دار الحداثة-بيروت سنة 1984.
*د./محمد رجب النجار: التراث القصصي في الأدب العربي – ذات السلاسل – الكويت1995.
5-انظر: الأعمال المختارة لكراتشكوفسكي –حـ3-ص22-25.