وكذلك زاد ابن سنان شرطاً آخر جعله أيضاً من شروط البلاغة وهو: الإيجاز والاختصار وحذف فضول الكلام، الذي يعني التعبير عن المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة. وقد أقر ابن سنان أن السابقين قد قسّموا الكلام في دلالة الألفاظ على المعاني ثلاثة أقسام:
أحدهما: المساواة: هو أن يكون المعنى مساوياً للفظ.
والثاني: التذييل: وهو أن يكون اللفظ زائداً على المعنى وفاضلاً عنه.
والثالث: الإشارة: وهو أن يكون المعنى زائداً على اللفظ.
ويدل تعليق ابن سنان على هذه الأقسام أن "المختار في الفصاحة والدال على البلاغة هو أن يكون اللفظ القليل يدل على المعنى الكثير دلالة واضحة ظاهرة، لا أن تكون الألفاظ لفرط إيجازها قد ألبست المعنى وأغمضته حتى يُحتاج في استنباطه إلى طرف من التأمل ودقيق الفكر".
والغموض عند ابن سنان مغاير لمعنى الفصاحة أي الظهور والبيان، ولذلك جعل من شروط الفصاحة والبلاغة أن يكون معنى الكلام واضحاً ظاهراً جليًّا. ولكن سبباً آخر آثار ابن سنان لوضعه هذا الشرط (المقياس) وهو ما ذكره أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي الذي زعم "أن الحسن من الشعر ما أعطاك معناه بعد مطاولة ومماطلة، والحسن من النثر ما سبق معناه لفظه" إذ فرّق أبو إسحاق بين الشعر والنثر على حين أن ابن سنان يجد أن لا "فرق بينهما".
ويأخذ ابن سنان هذه الفكرة فيذكر الأسباب التي لأجلها يغمض الكلام على السامع، وإذا غمض فإنه يفقد فصاحته. وهذه الأسباب ستة: اثنان منها في اللفظ بانفراده، واثنان في تأليف الألفاظ بعضها مع بعض، واثنان في المعنى.
ثم يفصل ابن سنان هذه الأسباب ويمثل لكل منها، فيرى أن السببين المتعلقين باللفظ بانفراده هما أن تكون الكلمة غريبة من وحشي اللغة إذ إنّ استعمالها "نقص في الفصاحة التي هي الظهور والبيان"، وأن تكون الكلمة من الأسماء المشتركة في اللغة، كالصدى الذي هو العطش والطائر والصوت الحادث في بعض الأجسام. غير أن استعمال هذه الألفاظ قد يحسن في "فصيح الكلام" إذا كان في اللفظ دليل على المقصود، ومثله قول أبي الطيّب:
ودع كلّ صوت دون صوتي فإنني *** أنا الطائر المحكّي والآخر الصدى
فإن الصدى في البيت لا يشكل بالصدى الذي هو العطش.
أما السببان المتعلقان بالتأليف فهما: إفراط الإيجاز وإغلاق اللفظ. ومن شروط الفصاحة والبلاغة أيضاً أن يسلم الكلام منهما.
ويدرك ابن سنان أنه قد قدّم أن من شروط الفصاحة والبلاغة الإيجاز (الذي هو التعبير عن المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة)، فيتساءل عن كيفية التوفيق بين الموقفين؟ وتكون الإجابة أنّه لا يقف عند الجائز والممتنع في الفصاحة، وإنما كلامه "على الأفصح والأحسن".
وأما السببان اللذان في المعاني فهما: دقّة المعنى في نفسه، وحاجته إلى الإطالة بأصل قد بني عليه. ويؤكد ابن سنان أن الظهور والفصاحة يقتضيان أن يحسّن المتكلّم العبارة عن المعنى و يبالغ في إيضاح الدلالة. وكذلك يحتاج السامع إلى إحكام الأصل قبل أن يقصد إلى فهم الفرع. ويحتاج المخاطِبُ أيضاً إلى ذكر المقدمات إذا كان غرضه أن يفهم المخاطَب كلامه.
وأضاف ابن سنان شرطاً آخر من نعوت البلاغة والفصاحة هو الإرداف والتتبيع، ويفسره بأن تراد الدلالة على المعنى فلا يستعمل اللفظ الخاص لموضوع له في اللغة، بل يؤتى بلفظ يتبع ذلك المعنى ضرورة، فيكون في ذكر التابع دلالة على المتبوع. ويمثل له ببيت عمر بن أبي ربيعة:
بعيدة مهوى القرط أما لنوفل***أبوها وأما عبد شمس وهاشم
وقد أراد ابن أبي ربيعة وصف المرأة بطول العنق، فعدل عن هذا الوصف وأتى بلفظ يدل عليه، فقال: "بعيدة مهوى القرط". وهذا من المبالغة في الوصف. وهذه المبالغة تعتبر حسنة.
ويرى ابن سنان كذلك أن من "نعوت الفصاحة والبلاغة أن يراد معنى فيوضح بألفاظ تدلّ على معنى آخر". ومن خلال أمثلته التي عرضها نجد أن ابن سنان يميل إلى أن يكون غرض الأديب ما يجعل فيه تمثيل المعنى بإخراجه من الناحية المعنوية إلى الحسّ والمشاهدة. ومثّل على ذلك بقول الرّماح بن ميادة:
ألم تك في يمنى يديك جعلتني*** فلا تجعلني بعدها في شمالكا
ويعلق ابن سنان بأن الشاعر أراد "أني كنت عندك مقدّماً فلا تؤخرني، ومقرّباً فلا تبعدني. فعدل في العبارة عن ذلك إلى أنّي كنت في يمينك، فلا تجعلني في شمالك، لأن هذا المثال أظهر إلى الحسّ".
أما أمثلة هذا الشرط في النثر فالكناية المشهورة "أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى".
ومن شروطه الأخرى أيضاً فصاحة الاستعارة والكناية، ولقد فصّل ابن سنان في أوجه الفصاحة في هذين اللونين البلاغيين، فأما الاستعارة فلها "تأثير في الفصاحة ظاهر، وعلقه وكيدة" ويتناول ابن سنان من ضمن ما قدمه من الأمثلة تلك التي توافرت بها "شروط الفصاحة" في الاستعارة؛ وبعض الاستعارت القبيحة من مثل استعارة أبي تمام المشهورة في قوله:
يا دهر قوّم من أخدعيك فقد ***أضججت هذا الأنام من خرقك
ويوضّح ابن سنان أن (أخادع الدهر) من أقبح الاستعارات، وأبعدها مما استعيرت له. وما ذلك من أبي تمام إلا من سوء توفيقه. أما السبب الذي قبحت فيه هذه الاستعارة فهو أن أبا تمام قد بنى استعارة على استعارة ولم يبن استعارته على حقيقة. إذ إن مراده أن ينسب إلى الدهر الجور والميل؛ والميل والإعراض إنما يكونان بانحراف الأخدع وازورار المنكب، ولذلك نسبهما أبو تمام إلى الأخدع".
وأما الكناية فتكون أصلاً من أصول الفصاحة، وشرطاً من شروط البلاغة حين يكنى عن أمر ما في المواضع التي لا يحسن فيها التصريح.
ومن أمثلته على حسن الكناية قول المتنبي:
تدّعي ما ادعيت من ألم الشو ق إليها والشوق حيث النحول
ويرى ابن سنان أن الكناية حسنت هنا "لأنه كنّى عن كذبها فيما ادعته من شوقها بأحسن كناية".
موقف ابن سنان من حدود الاحتجاج الزمانية والمكانية:
لم يتقيّد ابن سنان بالحدود الزمانية والمكانية للاحتجاج، تلك الحدود التي جعلها علماء اللغة الأوائل شرطاً في تفضيل أشعار المتقدمين على شعر المحدثين كافة بحجة هي "مجرّد التقدّم في الزمان". وذكر في فصل عنوانه "في ذكر الأقوال الفاسدة في نقد الكلام" أسباب هذا التفضيل وهي: "أن المتقدمين سبقوا إلى المعاني في أكثر الألفاظ المؤلفة، وفتحوا طريق الشعر، وسلك الناس فيه بعدهم، وجروا على آثارهم، فلهم فضيلة السبق التي لا توازيها فضيلة".
وادعى آخرون أن العلّة تكمن في "أن هذه الأشعار المتقدمة كانت تقع من قائلها بالطبع من غير تكلف ولا تصنع". وعزا بعض اللغويين عزوفهم عن أشعار المحدثين إلى أن هذه الأشعار "تقع بتكلف وتعمّل". وهذا مما لم يقع في أشعار المتقدمين إذ الفرق بينهما أن ما "وقع بالطبع أفضل مما صدر عن التكلف".
وقد حاول ابن سنان مناقشة هذه الآراء مبيّناً أوجه ضعفها. ولم يكتف بما قدّمه في هذا الفصل بل جعل آراءه مبثوثة في ثنايا كتابه. ثم شرع في تفسير سبب تفضيل المتقدمين والاستشهاد بأشعارهم فقدّم كلامه بموقفه الذي يقرّر فيه أن "تقدم الزمان غير موجب لذلك، وإنما موجبه أن العرب الذي يتكلمون باللغة العربية ولا يخالطون أحداً ممّن يتكلم بغير لغتهم هم الذين أقوالهم حجة في اللغة، والعرب الذين خالطوا غيرهم من العجم وفسدت لغتهم بالمخالطة لا يستدل بكلامهم".
والحق أن هذا هو موقف المتشددين من علماء العربيّة الأوائل، غير أن ابن سنان اتسع في مجال الاحتجاج فأجازه عن أي قوم شريطة أن يكونوا في "بعض القفار النائية عن العمارة ... لا يخالطون غيرهم". وقد أضاف شرطاً آخر وهو أن يكونوا "قد أخذوا اللغة عن مثلهم، وكذلك إلى حين ابتداء الوضع". وفي هذه الحالة فقط يمكن أن يكون "قولهم حجة كأقوال المتقدمين وإن كانوا محدثين".
لقد اعترف ابن سنان أن أعراب عصره لم يعودوا فصحاء كما كان أجدادهم، بل هم محتاجون إلى أن يتعلموا الفصاحة إذ لم تعد لديهم طبعاً وسليقة. ويقرر ابن سنان أنهم "الآن محتاجون إلى اقتباس اللغة من الحضر، وإصلاح المنطق بأهل المدر". ويشير إلى الحدود الزمانية التي فرضها القدماء في الاحتجاج، فيعلّل أن عدم الاحتجاج بأعراب عصره ليس له تعلق بالزمان بل سببه أن هؤلاء العرب قد تحضروا بعد الإسلام فخالطوا الأرياف والحضر والأعاجم وفارقوا البداوة فحدث أن "عدم منهم الطبع السليم الذي كانوا عليه قبل هذه المخالطة، فهم لا يحتج بكلامهم لهذه العلة، لا لأن القدم والحدوث سببان في الصواب والخطأ".
وأدرك ابن سنان كذلك أن مخالطة الأعراب متفاوتة. وهذا له أثره في فصاحتهم، فيعقب على كلامه السابق بقوله: "ولهذه العلة تختلف العرب في كلامهم بحسب تباينهم في المخالطة، فتجد اليوم من بعد منهم عن الحضر أكثر من غيره إلى الصواب أميل، ومن جانبه أقرب".
وإذا افترض أن من الأعراب في عصره من لو كانوا في بعض الصحارى النائية عن العمارة، وكانوا محافظين في لغتهم على عادة المتقدمين في البدو، ومتمسكين بطبعهم وجارين على سجيتهم "كان على هذا الغرض قولهم حجة واتباعهم واجباً". ولكن هذا غير حادث في عهد ابن سنان لأنه لا يعدو كونه افتراضاً محضاً.
وقد تنبه ابن سنان إلى بعض مواطن الخطأ في نطق أعراب عصره. فأشار إلى الخلط في نطق الضاد والظاء لديهم قائلاً: "فقلّ من رأيت من فصائحهم اليوم من يفرق بينهما في كلامه"، وهم لذلك محتاجون إلى التعليم وتصحيح نطقهم إذ إنهم "قلّما يتفق منهم العدول عن النطق بحرف من الكلام إلى حرف آخر والشبه فيهما قوي".
موقف ابن سنان من الاحتجاج بشعر بعض شعراء عصره:
سبق أن أشرنا إلى أن ابن سنان لا يعتد بتقدّم الزمان سبباً لاحتجاجه بشعر الشاعر، ولذلك لم يكن ليتحرّج من الاستشهاد بأشعار المتأخرين حتى شمل ذلك بعض شعراء عصره. ولكنه – وهو الذي عني بالنواحي الجمالية للتعبير – كان يشير إلى مواطن الحسن وإلى ضدها معللاً ومفسراً سبب حسنها أو قبحها. وكان ابن سنان يحاور الشعراء في موضوعات أشعارهم بل وفي ألفاظهم المستخدمة وصورهم التعبيريّة. فقد لحظ ابن سنان أن بعض شعراء عصره كانوا يتعمدون استخدام الغريب والوحشي عادين ذلك من الفصاحة، وكان ابن سنان يقول لشعراء عصره: "إن سررتم بمعرفتكم وحشي اللغة، فيجب أن تغتموا بسوء حظكم من البلاغة".
ويروي ابن سنان أنه جرى في أحد المجالس ذكر أبي العلاء المعري فوصفه أحد الحاضرين بالفصاحة مستدلاً على ذلك "بأن كلامه غير مفهوم لكثير من الأدباء". ولما كان هذا الاستدلال لا يتوافق ومقاييس ابن سنان في الفصاحة فإنه يهب معترضاً ومبيناً حقيقة أمر الفصاحة بقوله: "إن كانت الفصاحة عندك بالألفاظ التي يتعذر فهمها، فقد عدلت عن الأصل المقصود أولاً بالفصاحة التي هي البيان والظهور. ووجب عندك أن يكون الأخرس أفصح من المتكلم، لأن الفهم من إشاراته بعيد عسير، وأنت تقول: كلما كان أغمض وأخفى كان أبلغ وأفصح".
وقد أيد موقفَ ابن سنان أحدُ أدباء عصره وهو أبو العلاء صاعد بن عيسى الكاتب (المتوفى سنة 427هـ) فأقر بأنه لا يفهم كثيراً مما يقوله أبو العلاء المعري، وأضاف: "إلا أنه على قياس قولك يجب أن يكون ميمون الزنجي الذي نعرفه أفصح من أبي العلاء لأنه يقول ما لا نفهمه ولا أبو العلاء أيضاً".
وأبو العلاء صاعد بن عيسى الكاتب هذا يذكره ابن سنان في موضع آخر مثنياً على بعض شعره الذي يراه متوافقاً مع أحد شروطه للفصاحة. من ذلك ما ورد في أثناء حديثه عن الشرط الذي يقضي بأن تكون الكلمة مصغرة في موضع عبّر بها فيه عن شيء لطيف أو خفي أو قليل أو ما يجرى مجرى ذلك. ومن أمثلته قول صاعد بن عيسى:
إذا لاح من برق العقيق وُمِيْضَة *** تدقّ على لمح العيون الشوائم
ويعلق ابن سنان على هذا البيت بقوله: "أفلا تراه لما أراد أنها خفيّة تدقّ على من ينظرها حسن التصغير في العبارة عنها".
وشكا ابن سنان أيضاً من ولوع شعراء عصره وكتاب أهل زمانه بتكرار الألفاظ. وقد رآه بعضهم فنًّا اتبعوه، فوصف ابن سنان كلامهم هذا الذي يتعارض مع بعض شروطه للفصاحة بقوله: "وما أعرف شيئاً يقدح في الفصاحة ويغض من طلاوتها أظهر من التكرار لمن يؤثر تجنبه، وصيانة نسجه، إذ كان لا يحتاج إلى كبير تأمل، ولا دقيق نظر، وقلما يخلو واحد من الشعراء المجيدين أو الكتاب من استعمال ألفاظ يديرها في شعره، حتى لا يخلّ في بعض قصائده بها. فربما كانت تلك الألفاظ مختارة، يسهل الأمر في إعادتها وتكريرها، إذا لم تقع إلا موقعها، وربما كانت على خلاف ذلك".
ولحظ ابن سنان أن أحد شعراء عصره وهو: مهيار بن مرزوية (المتوفى سنة 428هـ) كان "ممن غُري بلفظة طين وطينة" فكان يكررها في كل أشعاره. وهو وإن كان يضعها موضعها اللائق بها مرة فإنه كان يتكلف استعارتها لما لا يليق بها أخرى. وقد علّق ابن سنان على عمل مهيار بقوله: "فهذا وإن لم يكن محموداً عندي، فهو أصلح من التكرار في القصيدة الواحدة أو البيت الواحد".
ومما يلاحظ أن ابن سنان قد أكثر من ذكر أبي العلاء المعري إذ يبدو أنه كان معجباً به ومعتداً بتتلمذه عليه. إذ كثيراً ما يقدمه ويشير إليه بقوله "شيخنا". ويمكن حصر استشهاد ابن سنان بأبي العلاء المعري في النقاط الثلاث التالية:
1- الاستشهاد بما حسن من شعره وتعبيره: فمن ذلك قول ابن سنان في موضوع الاستعارة: ومن الاستعارة المحمودة التي كأنها حقيقة قول شيخنا أبي العلاء:
وكأن حبّك قال حظكَ في السّرى*** فاُلْطمْ بأيدي العيس وجه السَّبْسَب
وهذا من قربه لو قيل إنه حقيقي غير مستعار جاز ذلك، وإن كان على محض الاستعارة أحسن وأحمد".
2- ذكر ما لم يحسن من شعر أبي العلاء إذ لم يكن إعجاب ابن سنان بالمعري وتتلمذه عليه برادّه عن أن يذكر بعض معايب تعبيره كما في حديثه عن (المجانس) وهو فن ورد في شعر أبي العلاء، وسماه (مجانس التركيب)؛ لأنه يركب من الكلمتين ما يتجانس به الصيغتان، كقوله:
مطايا مطايا وجدكنَّ منازلٌ *** منى زلّ عنها ليس عني بمقلع
وفي تعليقه على البيت يعلن ابن سنان عدم رضاه عنه إذ يقول:
"وما أحفظ لأحد من الشعراء شيئاً من قبيله، وهو عندي غير حسن ولا مختار ولا داخل في وصف من أوصاف الفصاحة والبلاغة".
3- ذكر بعض أقوال أبي العلاء في الحكم على جمال الشعر وقبحه، ومن ذلك قول المعري: "إن من الشعر ما يصل إلى غاية لا يمكن تجاوزها".
الخاتمة
لقد كان مقياس الفصاحة لدى معظم اللغويين العرب القدماء ممّن يهتمون بجمع الألفاظ وإيراد معانيها والاستشهاد بها مقياساً خارجيًّا منصبًّا على عنصري الزمان والمكان، ولا يحفل بمعايير داخلية تخص الكلمة نفسها وترتيبها الداخلي ونوع حروفها وتآلفها وتنافرها وشروط نصاعتها وقوة تأثيرها.
ولكننا نرى، من بعد، أن مقياس الفصاحة قد اتسع لدى البلاغيين فشمل النواحي الخارجية المتصلة بالزمان والمكان، كما شمل النواحي الداخلية التي تتناول مقومات الكلمة نفسها. فمن حيث الزمان والمكان لم يخرج البلاغيون عن الحدود الزمانية والمكانية التي وضعها اللغويون قبلهم إلا في أضيق الحدود من مثل ما أشرنا إليه في ثنايا البحث من استشهاد بأشعار أبي تمام والمتنبي وأبي العلاء. غير أن هذا وحده لم يكن كافياً عندهم، إذ ليس ممكناً في اعتقادهم كون الكلمة فصيحة بمجرد عرضها على مقياس شكلي خارجي مع إهمال ما لها من مقومات ذاتية. بل ليس ممكناً عندهم أن تعتبر فصاحة الكلمة في ذاتها دون النظر إلى ما يجاورها من كلمات أو يكتنف الموقف الكلامي من ملابسات.
ولا شك أن اختلاف النظرة إلى وظيفة الكلمة في اللغة هو الذي سبب هذا الاختلاف بين اللغويين و البلاغيين، فاللغويون يهتمون بسلامة اللفظة ونقائها ومن ثمّ الاطمئنان إليها حتى يمكن الاستشهاد بها واستخدامها في الكلام. والبلاغيون يهتمون بالتراكيب وسلاستها وما يقوم به ائتلاف الحروف والكلمات من دور في ذلك.