عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 14 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-05-2016 - 07:09 PM ]


وكما نلاحظ، فبعد عشر سنوات عشر من الجهود المكثفة والمتشعبة، أخذ حقل الدراسات التناصية في التكون، وقد جاء المشروع العام للتوضيح النظري لا من النقد الأدبي، ولكن من الشعرية التي تسعى بالضبط إلى تجاوز فرادة النصوص وتميزها، والاهتمام بدلا من ذلك بجامع النص L’Archi****e، أي بمجموع الأصناف العامة (أنواع الخطاب، أنماط الملفوظ، الأنواع الأدبية.. الخ) التي عليها تتأسس النصوص. كان ذلك أولا على شكل مشروع عمل في مدخل لجامع النص (Introduction à l'archi****e, Seuil, 1979)، ثم بطريقة أكثر تفصيلا في أطراس ( Palimpsestes, Seuil, 1982 حيث يقترح جيرار جنيت تحديدا جديدا وشاملا للمجال النظري الذي يمكن أن ينحصر فيه بوضوح الفضاء المميز للتناص. إن إعادة تنظيم كهذه، لا يمكن أن تتشكل إلا بالانطلاق من زاوية نظر خارجية بعيدة تماما عن المنحى التأويلي. هذه الرغبة في البعد التي تبلور وجهة نظر واضحة وموضوعية هي التي تميز مفهوم "ما وراء النصية Trans****ualité" التي يجعل منها جيرار جنيت موضوع الشعرية ويحددها كمتعالية نصية للنص Transcendance ****uelle du ****e تؤطر "كل ما يجعل نصا ما في علاقة ظاهرة أو خفية بنصوص أخرى". وبعيدا عن التطابق مع التناص تظهر "الماوراء نصية" فروقا عميقة بين مختلف أشكال العلاقات التي يمكن للنص أن ينشئها مع نصوص أخرى؛ من هنا يقترح جيرار جنيت التمييز بين خمسة أنواع من العلاقات الماوراء نصية ويرتبها وفق نظام تصاعدي من التجريد Abstraction إلى التضمين Implication إلى الإجمال Globalité وهذه الأنواع هي:
1 ـ التناص بالمعنى الذي صاغته جوليا كريستيفا وينبغي أن يكون محصورا في حدود "حضور فعلي لنص ما في نص آخر".
2 ـ التوازي النصي Para****ualité أو العلاقة التي ينشئها النص مع محيطه النصي المباشر (العنوان، العنوان الفرعي، العنوان الداخلي، التصدير، التنبيه، الملاحظة..الخ). ففي إطار هذا المجموع النصي يتكون العمل الأدبي (ينظر: جيرار جنيت، عتبات، منشورات سوي G.Genette, Seuil 1987).
3 ـ النصية الواصفة Méta****ualité أو علاقة التفسير التي تربط نصا بآخر؛ بحيث يتحدث عنه دون أن يتلفظ به بالضرورة. وبتعبير أفضل: هي علاقة نقد.
4 ـ النصية المتفرعة Hyper****ualité أو العلاقة التي من خلالها يمكن لنص ما أن يشتق من نص سابق عليه بوساطة التحويل البسيط أو المحاكاة، وفي هذا النوع ينبغي تصنيف المحاكاة الساخرة والمعارضات (وقد كرس كتاب أطراس لهذا النوع من الماوراء نصية).
5 ـ النصية الجامعة Archi****ualité وهي علاقة بكماء ضمنية أو مختصرة لها طابع تصنيفي خالص لنص ما في طبقته النوعية (ينظر جيرار جنيت، مدخل لجامع النص Introduction à l'archi****e).
مثل هذا الجهاز المفاهيمي يزيح كثيرا من الغموض الذي كان الخطاب الواصف النقدي يكثر حوله الجدل. فهو يسمح مثلا بتمييز المجال الدقيق للتناص والنصية المتفرعة عن المعارضة والمحاكاة الساخرة التي تمتلك قواعد تكوينها الخاص بداخلها. وبكل وضوح فقد أصبح مفهوم التناص أكثر حصرا وتحديدا عما كان عليه في الماضي؛ يعرفه جيرار جنيت "بعلاقة حضور متزامن بين نصين أو أكثر" أو هو الحضور الفعلي لنص داخل نص آخر (حضور ملاحظ، مع الأثر التحويلي لهذا الحضور) وبدرجات وأنماط عديدة ومختلفة في هذه العلاقة: "بشكلها الأكثر جلاء وحرفية؛ وهي الطريقة المتبعة قديما في الاستشهاد (بين مزدوجتين، بالتوثيق أو بدون توثيق). أو بشكل أقل وضوحا وأقل شرعية (في حال السرقة الأدبية كما نجد مثلا عند "لوتريامون Lautréamont) وهو اقتراض غير مصرح به ولكنه أيضا حرفي. أو بشكل أقل وضوحا وأقل حرفية في حال التلميح L’allusion، أي في ملفوظ لا يستطيع غير الذكاء الحاد تقدير العلاقة بينه وبين ملفوظ آخر لما يحس فيه من نوع نحوه بشكل ما من الأشكال، وإلا فإنه يبقى غير ملحوظ؛ كما كتب بوالو Boileau مثلا في سجل قديم للويس الرابع عشر Louis XIV:
للحكاية التي من أجلك أنا مستعد للبدء فيها
أخالني أرى الصخور تهرع لتسمعني
فهذه الصخور المتحركة المتيقظة ستبدو بدون شك ضربا من العبث لمن لا يعرف أساطير "أورفي Orphée وأمفيان Amphion" (أطراس). وكما يذكر جنيت في هذه الفقرة من أطراس فإن الجهود المعاصرة في الاشتغال على التناص تقع في حدود هذه التعريفات السالفة الذكر: تطبيقات الاستشهاد لدى أنطوان كومبانيون، دراسة السرقة عند كريستيفا، التلميح والوضع الضمني للتناص لدى ريفاتير.
وبوضعه حدا للمفاهيم الفضفاضة حول التناص، لا يحتفظ أطراس بغير الأبحاث الرئيسية في هذا المجال. ولا نستطيع، مع ذلك، القول بأن هذا الوضوح المفهومي قد حقق حوله إجماعا على الفور؛ فبعد ظهوره سنة 1982 بدا تأثير أطراس بطيئا، إلا أن فعالية تفريعاته بدأت تؤتي أكلها في أغلب الأبحاث التناصية التي أخلصت لتيار سنة 1980. ونجد، فوق ذلك، أبحاثا تساهم في استكمال صلاحية مقترحات جنيت التعريفية؛ ففي أطروحة جامعية نوقشت سنة 1988 بجامعة باريس III تحت عنوان الممارسة التناصية عند مارسيل بروست من خلال في البحث عن الزمن الضائع: مجالات الاقتراض (La pratique inter****uelle, Marcel PROUST dans « à la recherche du temps perdu », Les domaines de l’emprunt) (وصدر ضمن منشورات "Titre" سنة 1990 تحت عنوان مارسيل بروست: لعبة التناص) أبرزت الباحثة أنيك بوياكي Annick Bouiaquet بوضوح إمكان تنظيم الاقتراض التناصي L’emprunt inter****uel بوساطة تقاطع مفهومي "الحرفي" و"الواضح" Littéral et explicite. فالاستشهاد اقتراض حرفي وواضح، والسرقة اقتراض حرفي وغير واضح، والإحالة اقتراض واضح وغير حرفي، والتلميح اقتراض غير حرفي وغير واضح. بعد هذا التطبيق في العالم الروائي للنص البروستي سيسمح هذا الجهاز بتوضيح معقول لعدد لا يستهان به من الظواهر النصية التي لا زالت لحد الآن إما خفية أو ملغزة. وبنفس الطريقة نجد اليوم بعض الروائيين الكبار أمثال فلوبير Flaubert موضوعا لأبحاث يتقاطع فيها التحليل التناصي مع تحليل المخطوطات ودراسة مكونات العمل الأدبي.


رد مع اقتباس