إن التناصية إذن، هو المفهوم المفتاح الذي استبدلت به "ج.كريستيفاJ.Kresiva" مصطلح الحوارية عند باختين، وأدرجته في مشروعها النقدي، لأنها ترى أن التحليل التحويلي لا يفي بإدخال بنية النص في النص الاجتماعي أو التاريخي، بل ترى أن مختلف مقاطع بنية نصية ما عبارة عن تحويلات لمقطوعات مأخوذة من نصوص أخرى.
من تم استبدلت Dialogisme" الباختيني بمصطلح التناصية Inter****ualite الذي تعني به عملية التداخل والتحاور، وكذا العلاقة التحويلية القائمة بين النصوص الأدبية "إن مصطلح التناصية يدل على هذا التحول القائم بين واحد أي (مجموعة) من أنظمة العلامات لتطور مفهوم التناصية، وهذا المصطلح قد استعمل في معناه السلبي مع اتجاه نقد المنابعCritique Sources للنص ونحن نفضل مصطلح التحول لأن له امتيازا في تحديد عبور نظام دال إلى آخر، مما يفرض تمفصلا جديدا لوضعية التلفظ Inonciative والتعيين Dénotation". (37)
وقد تعرصت "ج.كريستيفا J.Kresiva" بشكل كبير لمركزية اللغة في قراءة" م. باختين M.Bakhtine"، من ثم تعتبر أن كل الملفوظات مكتظة بالآخرين. لذلك تؤكد كما يقول"فروFrow" على أن" المدلول الشعري يحيل على مدلولات أخرى استطرادية بطريقة تجعل من خطابات أخرى عديدة مقروءة وبينة داخل الملفوظ الشعري". وهذا ما تعتبره فضاء تناصي مكون من عدة نصوص أو هو التقاء مجموعة من النصوص في نص جامع ونافذ المركزية ينتظم حوله المعنى، ويجعل كل نص مكون فسيفيسائيا من مجموعة نصوص. وهذا التكوين الفسيفيسائي سبقها إليه"رولان بارثR.Barthes " في إطار حديثه عن "موت المؤلف" عندما أشار إلى أن النص فضاء متعدد الأبعاد وتقيم فيه شتى الكتابات، معتبرا إياه نسيجا من المقتبسات المأخوذة من عدد لا يحصى من المراكز الثقافية. كما أن النص الأدبي هو "المكان حيث تلتقي أنظمة العلامات المتولدة من المتعدد ومن المجتمع.(38) والنص عندها أيضا "يتشكل كفسيفساء من الإسنادات، حيث كل نص يمتص ويحول نصوصا أخرى". (39)
هكذا، فالنص عند "ج.كريستيفا J.Kresiva" هو ّمجال لإعادة تشكل الإبستيمولوجي والاجتماعي والسياسي، فهو متعدد لسانيا وصوتيا. لتؤكد بذلك على أن فكرة الحوار اللساني كانت تشغل الشكلانيين الروس الذين شددوا على الطابع التواصلي اللساني ويعتبرون المونولوج شكلا مستجدا بالنسبة للحوار"(40) وتشير أيضا إلى أنه يمكن أن نجد العلاقات الحوارية في مستويات متعددة من اللغة وحصرتها في العناصر التالية:"
ثنائية لسان/كلام: ففي اللسان نجد العقد الاجتماعي والقيم، وفي الكلام ليس هناك إبداع خالص، بل تشكيل فردي ينبني على قاعدة تبادل العلامات.
الطابع المزدوج للغة: هو طابع استبدالي ونسقي، إذ من المهم القيام بتحليل لساني للتبادلات الحوارية بين هذين المحورين باعتبارهما أرضية لازدواجية الرواية.
العلاقات بين السنن والإرسالية: التي تساعد على تدقيق الفكرة الباختينية الكامنة في اللغة.
علاقة النص باللغة التي يوجد فيها: وهي علاقة توزيعية بنائية، فالنص عبارة عن تبادل للنصوص، إنه تناصية، ففي فضائه تتقاطع عدة ملفوظات مأخوذة من نصوص أخرى"(41).
ويعد كتابها "نص الرواية" (42) من أهم أعمالها التي اختزلت فيه مجموع تصوراتها ومفاهيمها حول النص والتناصية والإنتاجية... وكذا كتابها "أبحاث في التحليل التدليلي". (43)
فالكتاب الأول يعد أهم محطة في تاريخ سميولوجيا الرواية، ففيه حددت مشروعها بشكل واضح ومعمق، حيث زاوجت النظرية بالتطبيق على متن رواية "أوستن دولا سالOsstine Delassale"، لتبرز تجليات ظاهرة التناصية فيها. فانطلقت من اعتبار أي نص هو متتالية من النصوص، وبناء مكون من أنظمة أخرى "لقد دعت في الكتاب الأول إلى أن القراءات الصحيحة للنصوص عليها أن تنبني على إعادة البناء الداخلية، وربط النص المدروس بالنصوص السابقة أو المعاصرة، المخالفة أو الخارجة عن حدود ذلك النص نفسه".(44) كما ذهبت إلى أن أي فهم للنص الروائي لا يكون إلا باستحضار مفهوم التناصية، ولتحديده قامت بتفكيك العلاقات الموجودة بين الكتابة والكلام في نص رواية " أوستن دولا سال Osstine Delassale" فميزت بين مستويين من التلفظ:
المستوى الأول:
• الأوصاف التقريضية للملفوظات (اللباس–الأسلحة) أو للأحداث (انطلاقة الجند، مآدب، معارك)
• الاستشهادات حيث يستشهد الكاتب بسقراط تريميد، وبالإنجيل، وسانت اغسطن، وابن سينا ....
المستوى الثاني:
وهو المتعلق بالمكتوب الذي قراه "دولاسل Delassale" في كتب أدبية أو فلسفية، فهذا المقروء ينزلق إلى مساحة النص ليشغل موقعا فيه ويتناص مع باقي مكونات النص. فالمقروء والمسموع حسب "ج.كريستيفا J.Kresiva" نصوص تتناصص فيما بينها لتحقق نصية النص، وهذه العملية تتم سواء بشكل واع، حيث يكون فيها المبدع متعمدا دمج هذه النصوص لدلالة أو لمقصدية ما، أو بطريقة لاواعية ينزلق فيها المكتوب والمسموع إلى أحضان النص المولود، ليتراص مع باقي مكونات النص الحاضر.
عموما يمكن تحديد عناصر التناصية المتفاعلة فيما بينها عند"ج.كريستيفا J.Kresiva" في موضوع (الكتابة المتلقي، النص الخارجي ) على محورين متقاطعين:
• محور تركيبي يتناص فيه (موضوع الكتابة والمتلقي).
• محور عمودي يتجاوز فيه (النص مع نصوص أخرى).
بذلك زادت من فاعلية هذا المفهوم (التناصية) ووسعت من بعده وعمقت من حضوره في الممارسة الأدبية، والممارسة النقدية "التناصية" عند "ج.كريستيفا J.Kresiva" يصبح مفهوما إجرائيا عاما، يدفعنا إلى اعتبار النص عملية مزدوجة قراءة/كتابة سواء على المستوى الداخلي للمتوالية الأدبية أو على المستوى علاقة هذه المتوالية بالمتواليات الثقافية و الاجتماعية والتاريخية". (45)
ج- جرار جنيت والمتعاليات النصية(Trans****ualité )
لقد رأى "ج.جنيت Genette. G" في كتاباته السابقة (مدخل لجامع النص) أن موضوع الشعرية ليس هو النص وإنما معمار النص (Archi****e), أي دراسة مجموع الخصائص العامة والمتعالية لكل نص، غير أنه في السنوات الأخيرة تم العدول عن هذا التصور، واعتبر أن موضوع الشعرية هو الـمتـعاليات النصيـة (Trans****ualié) . ويعرف "ج.جنيت Genette. G" – بشكل عام – المتعاليات النصية بأنها "ما يجعل النص في علاقة خفية أو جلية مع غيره من النصوص". (46)
وفي هذا الإطار يميز بين خمسة أنماط من المتعاليات النصية، منطلقا في ذلك بشكل تراتبي من الـملموس إلى المجرد فالأكثر تجريدا، وهذه الأنواع هي: التناص (Inter****ualité)، والمناصة Pra****ualité))، والميتانصية (Méta****ualité)، والتعلق النصي Hyper****ualité)، وأخيرا معمارية النص (Archi****ualité) .
3- ضـوابــط مـفهومـيــة
أ- تمظهرات التناصية:
لقد صرح "ج.جنيت Genette. G" بأن مصطلح"التناص" وظف لأول مرة من طرف "ج. كريستيفاJulia Kristivia" ، مؤكدا تصورها عن التناصية بأنه "الحضور الفعلي لنص في آخر ". (47) وداخل هذا النوع يميز بين ثلاث صور :
الاستشهاد (Citation) : وهي الصورة الأكثر وضوحا وسطحية، وهي التطبيق التقليدي الذي يعتمد على استعمال المعقوفتين والإحالة المحددة وغير المحددة.
السرقة الأدبية (Plagiat): وهي استعارة غير معلنة ولكنها سطحية.
التلميح (الإيحاء)(Allusion): وهو الصورة الأقل وضوحا وسطحية، وهي علاقة يعتمد في تحديدها على الذكاء (اطلاع القارئ) انطلاقا من العلاقة التي بين ملفوظ (énoncé) وآخر.
ب- المناصة (Pra****ualité) :
وهو نوع أقل التصاقا بالنص، ويتجلى في علاقة النص بالعناوين، والعناوين الفرعية،والمقدمات، والذيول، الإنذارات، وكلمات الناشر، والإحالات الهامشية، والادعاءات ... وتتحدد هذه العلاقة –أيضا– بمجيء المناصPara****e) ) كبنية مستقلة داخل النص المنتج تربط بينهما علاقة تجاور، ومن هذا المنطلق يمكن لرواية ما أن توظف كمناص (Para****é) لرواية أخرى، كأن تستحضر شخصية روائية أحداث رواية أخرى.
ج - الميتناصية (Méta****ualité)
يقول عنه جنيت Genette: "النوع الثالث من التعالي النصي (Transcen ****uelle) والذي أسـمـيـه الـميتناصية (Méta****ualité)، هو علاقة التعليق (Commentaire) التي تربط نصا بآخر، والذي يتحدث عنه دون ذكره أو الإشارة إليه ضرورة (....) إنه بوضوح العلاقة النقدية". (48)
ويؤكد أيضا على أن الحديث قد ساد عن ( الميتانص/**** ****e ) باعتباره جنسا (أدبيا)، (النقد، تاريخ النقد) لكن هذا الحديث لم يتطرق إلى دراسة العلاقة بين النص والميتناص.
د- التعلق النصي (Hyper****ualité)
ويعني به "ج.جنيتGenette.G" "كل علاقة تجمع بين النص "ب" (والذي أسميه النص اللاحق (Hyper****e) والنص السابق "أ" Hypo****e(49)، وذلك باتخاذ النص(أ) لنص (ب) سندا له، إما بتحويل أو محاكاة؛ ويضيف "جنيت" "أسـمي النـص الـلاحق (Hyper****e) كل نص مشتق من نص سابق بتحويل بسيط (...) أو بتحويل غير مباشر ونقول إنه محاكاة، "Imitation".(50) وضمن علاقة التحويل هذه يدرج المحاكاة الساخرة ( Parodie) .
هـ - معمارية النص(Archi****ualité )
إنه النوع الخامس من المتعاليات النصية وهو النوع الأكثر تجريدا و تضمنا "هو معمارية النص (...)، ويتعلق الأمر بعلاقة خرساء، تتخذ بعدا مناصيا (Para ****uelle)".(51) مثل: أشعار بحوث رواية. ويرى "جنيت" أنه ليس من مهام النص الكشف عن جنسه، فهي مهمة يقوم بها (معمار النص)، وتبقى الكلمة الأخيرة في رفض هذا التحديد أو قبوله للقارئ والناقد والجمهور.
وتعد هذه الأنواع الخمسة من المتعاليات النصية –في نظر جنيت Genette– متداخلة، إذ يمكن أن يتداخل التعلق النصي ب: (الميتناصية)، أو بـ (المناصة).
هناك رأي للدكتور عبد الملك مرتاض وأنا معه يقول : أن مصطلح التناص يكاد لا يخرج عن مصطلح ((السرقات الأدبية)) الذي كان النقاد العرب لاكوه فأكثروا فيه الخوض؛ يقول الدكتور مرتاض: (( إن هذا الذي يلوك الناس ألسنتهم به ـ التناص ـ ليس إلا مظهراً من مظاهر السرقات الأدبية التي عرفت في الفكر النقدي العربي القديم ، حذو النعل بالنعل))[4]..
ولكن الكاتب والناقد صاحب المقال يعارض ذلك وهو على شاكلة علماء الدين المحدثون الذين يحاولون تشريع الزنا تحت مسميات الزواج العرفي وزواج المتعة في غير مواضعه وغيرها من انواع الزواج الاخرى ... ومن يحاول ان يحلل شرب الخمرة تحت مسميات اخرى منها نسبة الكحول وشكل العبوة ... الخ
إذا كانت الحداثة قد وصلت الى شرع الله بمحاولة تحوير وتفسير الأحاديث النبوية على غير معناها الأصلي وفي غير موضعها والإستشهاد بها لصالح الحداثة
أفلا يحاول علماء النقد المحدثون تحوير الشعر والادب ليخدم توجهاتهم في الحداثة ... ؟؟
ما ذكره اخي الاديب الأريب محمود حمد سليمان هو التناص بعينه وليس فيه من السرقة شيئاً لأنه يذكر الشاعر بالاسم أولاً ( ابو تمام ) ثم يظهر شيئاً من النص السابق له فيقوم بمعارضته بالفكرة
ولكن علينا أن نتوخى الحذر .. نستخدم جملة أو شطر واحد من النص السابق وإن بالغنا فبيت كامل او شطران متفرقان ولا يجب المبالغة أكثر من ذلك لأن النص سوف يفقد روح الابداع....
وما ذكرته اختي سميرة عن قول عنترة ومسيلمة ينطبق عليه نفس الشيء إذا ما عدنا إلى ما سبق ولحق بيت عنترة من أبيات إستبعدها النقاد بعملية تجزئة مقصودة
وبين ما سبق ولحق بيت مسيلمة من ابيات وقد تم سلخ البيت هنا ايضاُ من قبل النقاد بطريقة مقصودة لإثبات إعتقادهم الشخصي ليس إلا
وعلى كل حال فالمعارضة واضحة كعين الشمس دون ان نراجع القصيدتين كاملتين ...
المعارضة الشعرية تستوجب احضار الشواهد التي تستدعي المعارضة فبدون إحضارها لن تصل الفكرة وماهية الموضوع للسامع .... وعليه فالمعارضة مع ذكر اسم الشاعر الذي نعارضه او (جزء من كل) للتلميح على الشاعر المراد معارضته ومعارضة نصه من اجل بناء فكر جديد وحركة تفاعلية عكسية او إيجابية مع النص السابق
هو التناص بعينه وليس به شيء من السرقة .... المهم في الأمر إيجاد مفهوم جديد مع إشارة واضحة للقديم دون خلط ومزج وتبني ( يجب ان تكون فكرة مقابل فكرة وحركة مقابل حركة وإبداع مقابل إبداع )
أثارني عنوان الدراسة القيمة التي نشرتها الأستاذة الفاضلة سميرة رعبوب بواتا:"نظرية التناص في النقد العربي". ودفعني إلى قراء الموضوع مرات عديدة وكلما أعدت القراءة استوقفتني بعض الأفكار المطروحة حول التناص:
- 1- اعتراف الباحثة من جهة بأن المصطلح نحتته كريستيفا جوليا عام 1969. وهي بالطبع استفادة مما طرحه باختين ميخائيل
حول مفهوم الحوارية. ومن جهة أخرى تقول …( أما التراث النقدي العربي فقد عرف الظاهرة مبكرا وأشبعها دراسة وتحليلا، وإن كان بوضوح أقل وتحت مسميات عدة، مثل: التضمين؛ السرقات الشعرية؛ الاقتباس؛ الاحتذاء… الخ.؟)
- 2- والسؤال:هل معنى هذا أن الثقافة الغربية لم تعرف مصطلحات التضمين، السرقات، الاقتباس؟ ماذا نفعل بالظاهرة البلاغية التي سماها أصحابها بالتضمين، الاقتباس..؟هل نجعل محلها ظاهرة التناص؟
-3- (أشار كثير من النقاد العرب القدامى وبعض الشعراء إلى ظاهرة التناص تحت مفاهيم الاقتباس والتلميح و الإشارة…
فهذا امرؤ القيس يقول:
عوجا على الطلل المحيل لأننا / نبكي الديار كما بكى ابن حذام
وهي إشارة إلى أنه ليس أول من بكى على الأطلال، فما فعله غير تكرار واستعادة لفعل شاعر آخر هو ابن حذام.)
أشير في البداية إلى أن بيت امريء القيس يروى بروايات مختلفة فقد جاء في بعض الروايات لعلنا بدلا من لأننا :