ج- التناصية مع الشكلانيين الروس وحلقة براغ :
لقد أحدثت الشكلانية زلزالا قوض ما صارعت المناهج الأدبية التقليدية للحفاظ عليه، حيث جعلت هذه المناهج العمل الأدبي مجرد انعكاس وتسجيل للظروف التاريخية والاجتماعية، لذلك ناهضتها الشكلانية من خلال الاقتراب من الأعمال الأدبية من الداخل، وتجريدها من العناصر الخارجية الداخلة في تكوينها، لتحدث القطيعة مع كل ما هو تاريخي واجتماعي ونفسي، و بلورة مفاهيم تناهض كل من يحاول التعاطي مع العمل الأدبي بمراعاة العوامل الخارجية الداخلة في تكوينه.
إن هذا التموضع أمام الإبداع جعل مفهوم "التناصية" في مأزق، وقذف به خارج حقل دراسات الأدب. إلا أنه في الثلاثينيات من هذا القرن، تم تصدير الإرث النظري للشكلانيين الروس إلى جماعة حلقة براغ، المرهصة للاتجاه البنيوي الذي أعاد هذه المفاهيم عمقها، إذ جعل الإبداع مجرد أنظمة بنيات ترتبط مكوناتها بعلاقات خاصة، و يحكمها مبدأ المحايثة الذي يقر باستقلالية النص. ولعل هذا المنظور للعمل الأدبي، هو الذي جعل البنيويين يغفلون ظاهرة التناصية "إن التشبث باستقلالية النص ضد النزعة السيكولوجية السوسيولوجية أنسى الشكلانيين الجدد قضية البحث في التناصية، وسقطوا في الدعوة التقديسية لشكل النص"،(17) وهذا ما أكد عليه "لورون جينيL'aurent Jenny" الذي اعتبر أن قانون المحايثة معيقا لمفهوم التناصية، مما يفسر تباطؤ الشاعرية المعاصرة بحساسيتها اتجاه النص. إن فكرة المحايثة هي من خطئ الشباب".(18)
لكن رغم هذا الموقف المسجل على الشكلانيين الجدد، نجد هناك في كثير من الدراسات إشارات إلى بعض المفاهيم المتقدمة، والمؤشرة على مفهوم التناصية بشكل ضمني "بالرغم من توزع اهتمام الشكلانيين، وتعدد معاركهم، فإنهم لم ينسوا أن يطرحوا الأسئلة حول النص وسياقه الخارجي، كما حاولوا أكثر من مرة مراجعة مصطلح "السانكروني" وتجديده مما يعتبر إرهاصا متقدما في طرح مسألة التناصية" .(19)
وقد أشار "ياكبسونJakbsone " إلى وجود رصيد تاريخي وأفق مستقبلي يشكلان عنصرين بنيويين للنص الأدبي ولا يمكن الاستغناء عنهما "إن التاريخ نظام، وهكذا تتجلى النزعة التزامنية الخاصة، وهي الآن أشبه بوهم، فكل نظام تزامني يتضمن ماضيه و مستقبله اللذين هما عنصراه البنيويان المتلازمان (أ) نزعة التقليد القديم كواقعة أسلوب، أي الخلفية اللسانية والأدبية التي نحس بها كأسلوب متجاوز وبال، و(ب) الميولات التجديدية في اللغة والأدب، والتي نشعر بها كتجديد للنظام. (20)
كما أن قيمة الانفتاح النصي في العمل الأدبي على نصوص أخرى نجدها مع "تينيانوف Tynianov"، وإن كان لم يدرج في تعبيره عن هذه القيمة مفهوم التناصية، فرغم عدم مناصرته للآراء التي تقول بتداخل الأدبي والاجتماعي، وتبنيه لمبدأ المحايثة الصارم والرافض لكل دخيل ووارد على مكونات النص الداخلية، فإنه يتساءل عن هذه الإمكانية ومدى نجاعتها في مقاربة النص الأدبي "إن الدراسة التي نسميها "المحايثة" للعمل كنظام، والتي تجعل كل العلاقات مع الأنظمة الأدبية الأخرى مردودة، هل من الممكن أن يطبقها النقد الأدبي بوفرة وبنجاح على الأعمال الأدبية المعاصرة؟ (21)
غير أن "تينيانوفTynianov" يؤكد على بعد آخر يستند عليه انفتاح العمل المتمفصل في أنظمة أخرى فيما بينها" إن وجود حدث ما كحدث أدبي يقوم على خاصية أخلاقية أي تداخله إما مع مجموعة أدبية أو مجموعة أخرى خارج أدبية بعبارة أخرى مع وظيفته"، (22) أما في حديثه عن الباروديا يرى أنه لا يمكن فهم وظيفة الأعمال الأدبية بتجريدها عن التاريخ الزمن "إنه من المستحيل إعطاء تعريف لازمني ولا تاريخي للمفهوم السابق (الوظيفة البارودية )". (23)
إن ما ينطبق على شكلانيي روسيا أو حلقة براغ، ينطبق على بنيويي فرنسا خاصة مع"تودروفTodorov" أحد ممثلي هذا الاتجاه الأكثر شهرة، فمقولاته تشي برفض صارم لكل حضور خارجي عن ذاتية الإبداع، وإقراره والتزامه بمبدأ المحايثة، إلا أننا نجده يتطرق إلى مفهوم التناصية بشكل عابر "إنه من الوهم أن نعتقد بان العمل الأدبي له وجود مستقل، إنه يظهر مندمجا داخل مجال أدبي ممتلئ بالأعمال السابقة. إن كل عمل فني يدخل في علاقة معقدة مع أعمال الماضي التي تكون حسب المراحل التاريخية تراتبية مختلفة"(24).
إلا أن الأفكار التي ظهرت فيما بعد أفرزت لنا اسما مثورا للمفاهيم التقليدية المتشددة التي ركزت على داخلية النص الأدبي وألغت كل الوسائل الأخرى، ألا وهو"م. باختين M.Bakhtine " فكان هذا الباحث هو المؤسس الفعلي لمفهوم التناصية والمبلور له بشكل شمولي وواضح.
فما هي حدود التثوير والتجاوز التي قام بها "م.باختين M.Bakhtine"؟
2- مستويات الحضور المرسخ
أ- التناص عند "ميخائيل باختين"
يكاد يجمع الدارسون على أن "م.باختينM.Bakhtine" هو المطور لمفهوم التناصية، وإن كان قد طرحه في صيغة مفهوم " الحوارية"، فهذا المفهوم استعمل من طرفه لوصف العلاقة القائمة بين الخطابات، خاصة وأنه يعتبر أن الحوارية تنتمي إلى عالم الخطاب لا إلى عالم اللسان، تتعلق بالعبر-لسانية وليس باللسانيات، وبالتالي فالعلاقات الحوارية تقام على المستوى الدلالي المشترك.
كما أن نظريات التناصية اللاحقة خرجت عن التأثر بالسابقين والأجداد من كبار المبدعين إلى الانتقال للنصوص لا إلى الأسماء، ف"فروFrow" قد تحدث عن الدور الذي لعبه "م.باختين M.Bakhtine" في تفجير الاعتبارات التقليدية في القراءة النقدية، وذلك بتعامله مع التمثيل الأدبي على انه تمثيل خطابي، مشيرا إلى أن التمثيل الأدبي هو أولا لغة" يمكن التنظير للجريان السردي على انه بناء يجمع في داخله سوية خطابات متعددو ومتباينة، فكل شيء في النص هو لغة" (25)
لقد انطلق "م.باختين M.Bakhtine" في بناء طرحه من التراكم المعرفي الذي أحدثته الشكلانيون الروس، غير أن علاقته بأفكارهم لم تبق في حدود الأخذ السلبي، بل تأسست على منطق الخرق والتجاوز. فإذا كان الشكلانيون قد أسندوا كل مهماتهم العملية إلى مبدأ السانكرونية، فإنه سيضيف البعد الدياكروني "إن باختين هو أول من أدخل مفهوم التناصية في الدراسات الأدبية، منطلقا في ذلك من منظور تراكمي تكاملي أساسه المزج بين كل ما هو سكوني ودياكروني". (26)
إن الازدواجية التي بلورها "م.باختين M.Bakhtine" هي نتيجة تراكمات سابقة، وبداية لواقع نصي جديد، نص بمثابة حلقة بين سابق ولاحق وتقاطع بين كل هذا ، مما يعني أن النص ما هو إلا موازييك من التنصيصات ذابت وتحولت آخذت من بعضها الآخر. وقد أكد "م.باختينM.Bakhtine" على فكرة التداخل والارتباط الأركيولوجي بين النصوص "الجنس يعيش في الحاضر لكنه يتذكر ماضيه وأصله باستمرار، فهو يمثل الذاكرة الفنية عبر امتداد التطور الأدبي". (27)
ويعد كتابه "الماركسية وفلسفة اللغة"، (28) مرجعا أساسيا صاغ من خلاله تصوراته، حيث انطلق من تقزيم حجم الاتجاه اللغوي الذاتي الذي كان يعتبر الكلام مجرد فعل للإبداع الفردي "من هنا يركز أصحاب هذا الاتجاه على لسانيات الكلام، حيث يعتبر أصحابه أن الكلام مجرد فعل للإبداع الفردي، فهؤلاء ينطلقون من تصور للنفس بالتعامل مع الكلام الإنساني كمظهر لسيكولوجية فردية ". (29) أما الاتجاه الآخر والذي يسميه "م.باختينM.Bakhtine" بالنزعة الموضوعية التجريدية، فقد انطلق فيه من الرصيد اللساني السوسيوري الذي يميز بين اللغة والكلام واللسان ولا يعترف إلا بما هو سانكروني في الكلام، الشيء الذي أسقطه في نزعة تجريدية ومتطرفة تعمد إقصاء باقي العناصر الأخرى.
بعد ذلك قدم "م.باختين M.Bakhtine" مفهوم (الأيدولوجيم) الذي يعرفه "فيكتور أرليخ" كما ورد عند أنور المرتجي ب" إنه يتمظهر على شكل كلمات، طرق اللباس، العلاقات التنظيمية بين البشر، إن كل أيديولوجيم هو جزء من الواقع المادي الاجتماعي". (30) وتتقاطع وحدة الأيدولوجيم مع الوحدة الأدبية، إلا أنه قبل أن نشير إلى الكيفية التي يتم بها هذا التقاطع بين الأدب والأيدولوجيم وكذا ميكانيزم التناصية بين النصوص الأدبية ، يبدو لزاما علينا عرض موقفه من التلفظ وشروط تقاطعه مع الأيديولوجيم.
إن التلفظ عند "م.باختينM.Bakhtine " هو الشرط الوحيد الذي يمكنه أن يحقق الأيديولوجيم، لأن تمثيلية الصور المادية للمجتمع لا يمكن أن توجد إلا داخل التلفظ. الذي يعد الوحدة القادرة على اختزال الأيدولوجيم والتقاطه "فالتلفظ يتميز بحركته التواصلية باعتباره سلوكا، إنه المجال الأولي من أجل الاستثمار الأيدلوجي، إنه لا توجد تجربة خارج شكل الدلائل". (31)
أما اللفظ عنده هو نتيجة التفاعل بين الطرفين، مرسل/ومرسل إليه "إن اللفظ هو فعل ذو جانبين إنه محدد بطريقة متساوية من طرف ذلك الذي يفهم اللفظ، باعتباره لفظا، هو إنتاج للعلاقة المتبادلة بين المرسل/والمتلقي". (32) فاللفظ إذن، يحمل بداخله نواة تواصلية بين الأنا والآخر، فوجود لفظ ما مرهون بلفظ الآخر، أي تقوم بينهما علاقة تقاطع وامتداد وهذا التفاعل اللفظي interaction verbal هو ما يسميه "م.باختينBakhtine" بالحوارية، أي "العلاقة بين خطاب الآخر، وخطاب الأنا". (33) فالتجاور اللفظي بين خطاب وخطاب هو الذي أفضى ب"م.باختين M.Bakhtine" إلى الحوارية الأدبية "ففي نص أدبي معين عندما نجد استعمالات اللغة الوطنية واللغة الأجنبية ، فإن هذا الاستعمال يؤكد ويحدد صورة العالم لكل لغة باعتبار اللغة تصور للعالم الذي تقدمه". (34)
هكذا، فهذه الحوارية معززة بهجنة تلاقي المرجعيات والسجلات وهوامش اللغات في كل نص جامع أو جنس أدبي مكتنز بكل هذه اللغات التي يقوم بينها صراع غير برئ ، إنه الصراع حول الهيمنة كمفهوم يحيل على احتواء يؤدي إلى ولادة ، وبالتالي كل حوارية (تناصية) هي اكتناز لمجموعة من التلفظات.
ب- التناص عند "ج.جوليا كريستفا J.Kresiva"
إذا كان مفهوم التناصية الذي قد أرتبط في مراحله الأولى بـ"م. باختين M.Bakhtine" فإن "ج.كريستيفا J.Kresiva" استعادت هذا المفهوم وطورته انطلاقا من الكم المفاهيمي المعاصر لها، ووفق مشروعها السيميائي ونظرتها للنص الأدبي بشكل عام، حيث"استبدلت مصطلح الحوارية بالتناصية، ولا يعتبر عملها استنساخا للمفهوم الباختيني نظرا لاختلاف المرحلة المعرفية التي تفصل بينهما. فلقد استفادت من المنطلق النظري الذي وظفه باختين، وأضافت إليه حوارا مع المعرفة الحديثة ممثلة في الماركسية في آخر مستجداتها، وعلم النفس في أحدث مراجعاته". (35)
وإذا كان التحليل البنيوي يطبق في حدود الملفوظ ولا يتعدى ذلك إلى طرح أسئلة حول ذات النص، أي انه يبقى في حدود"ظاهرة التناصية" فإن كريستيفاKresiva تقابل هذا كله ب"توليدية النص" أي اعتبار النص كبنية غير مكتملة ومعلقة. لهذا نجدها تعتبر النص"مجموع علامات تم بناؤها وتحطيمها، ذلك لأنها لا تنظر إليه كنسق لغوي مكتمل ومغلق"(36)