الأستاذة الأديبة المتميزة سميرة رعبوب،
أشكرك على اختيار هذه الدراسة التي جاءت في وقتٍ مناسب، ليتم تناولها ومناقشتها هنا في منتديات واتا الحضارية، لما ينبني على نتائجها من أحكام على نصوص أدبية لا تخلو من تناص؛ فلا نحيف على أصحابها مستعجلين إطلاق حكم (السرقة الأدبية) لمجرد التعالق بينها ونصوص أخرى سابقة.
فالتناص في الأدب عموماً هو أحد أشكال التفاعل النصي وتداخله، وقد أقره الأدباء والنقاد قديماً وحديثاً، فهذه جوليا كريستيفا تعتبر التناص كمفهوم ومصطلح، مرتبطا "بالنص المولد الذي يهتم بالكيفية التي يتم بها توالد النصوص، وخلقها وفق عمل منبنٍ على بناءٍ سابق أو مسبق. ولهذا فإن النص الشعري بالنسبة إليها إنما ينتج ضمن حركة معقدة، ومركبة من إثبات النصوص الأخرى، ونفيها في آن"
وقديماً ذهب أحمد بن أبي طاهر(ت 385هـ)، إلى أن الكلام العربي: "ملتبس بعضه ببعض، وآخذ أواخره من أوائله، والمبتدع منه والمخترع قليل إذا تصفحته وامتحنته، والمحترس المتحفظ المطبوع بلاغة وشعرا من المتقدمين والمتأخرين، لا يسلم أن يكون كلامه آخذا من كلام غيره، وإن اجتهد في الاحتراس، وتخلل طريق الكلام، وباعد في المعنى، وأقرب في اللفظ، وأفلت من شباك التداخل. فكيف يكون ذلك مع المتكلف المتصنع والمتعمد القاصد (...) ومن ظن أن كلامه لا يلتبس بكلام غيره فقد كذب ظنه، وفضحه امتحانه".
وحتى لا يكون الكلام في مستوى التنظير فحسب، نحيل إلى دراسة الأديب والناقد المغربي محمد داني، وهي بعنوان: (التناص في شعر محمد علي الرباوي)، نشرها في منتدى مطر، على الرابط التالي:
http://matarmatar.net/vb/t16762/
والشاعر المغربي محمد علي الرباوي يحمل درجة دكتوراه الدولة في الأدب العربي، تخصص علم الإيقاع الشعري، ولمزيد حول سيرته الذاتية وإنتاجه الأدبي أرجو زيارة الرابط التالي:
http://www.diwanalarab.com/spip.php?article13903
في الدراسة المشار إليها، نجد شعر محمد علي الرباوي حافلا بالتناصات المتعددة ، والمتنوعة:
ففيه تناص مع القرآن الكريم،
وفيه تناص مع الحديث النبوي الشريف،
وفيه تناص مع التراث القديم.
ويخلص الباحث في دراسته إلى أن محمد علي الرباوي واع بأهمية التناص في القول الشعري...فهو يريد منه أغراضا فنية وجمالية بالدرجة الأولى.. يمكن إجمالها في:
- تقوية البناء الشعري.
- خلق حوار تناصي في شعره.
- خلق نوع من الإيحائية داخل نصوصه الشعرية.
- مد النص الشعري بجماليات نصية جديدة، وإضفاء حياة زائدة داخله.
- خلق تقاطعات داخل النص.
- خلق نوع من التفاعل ما بين النص والمتلقي.
- إتاحة فضاءات تأويلية خصبة، وأكثر اتساعا.
- تعطي للنص الشعري خاصياته الفنية.
وبناء عليه، وفيما يتعلق بسؤالك المطروح في نهاية الدراسة؛ فأرى أن وصف (السرقة) هو أقرب ما يكون إلى (استنساخ) النص الأصلي، وانتحاله. أما التعانق، والتعالق، والإشارة، والإحالة، والتضمين، وتلبس الكلام في الكلام؛ فلا يعتبر سرقةً، وإنما هو نوع من التفاعل النصي والدلالي.
وتقبلوا فائق تقديري واحترامي.
التعديل الأخير تم بواسطة أحمد المدهون ; 28/06/2011 الساعة 02:00 AM
" سُئلت عمـن سيقود الجنس البشري ؟ فأجبت: الذين يعرفون كيـف يقرؤون "
فولتيـــر
اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة السعيد ابراهيم الفقي مشاهدة المشاركة
ويقول المتنبي أيضا: لا أعلم شاعرا جاهليا ولا إسلاميا إلا وقد احتذى واقتفى، واجتذب واجتلب.
أنا أرى أن الأمور نسبية في هذا الأمر
فقد تكون توارد أفكار - اذا اعتبرنا حسن النية
ولكن !
هناك أصولا لنقد النصوص
مثل علم النقد النصي
بحث طيب
أشكرك أستاذة سميرة رعبوب
أنتي مجتهدة
فلك
تحية تربوية حضارية
أستاذنا المبدع والفاضل / السعيد ابراهيم
أشكرك سيدي الكريم على مرورك الطيب وكلماتك المشجعة
وإضافتك التي أثرت الموضوع ..
لك صادق احترامي وتقديري
رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ
أشكرك على اختيار هذه الدراسة التي جاءت في وقتٍ مناسب، ليتم تناولها ومناقشتها هنا في منتديات واتا الحضارية، لما ينبني على نتائجها من أحكام على نصوص أدبية لا تخلو من تناص؛ فلا نحيف على أصحابها مستعجلين إطلاق حكم (السرقة الأدبية) لمجرد التعالق بينها ونصوص أخرى سابقة.
فالتناص في الأدب عموماً هو أحد أشكال التفاعل النصي وتداخله، وقد أقره الأدباء والنقاد قديماً وحديثاً، فهذه جوليا كريستيفا تعتبر التناص كمفهوم ومصطلح، مرتبطا "بالنص المولد الذي يهتم بالكيفية التي يتم بها توالد النصوص، وخلقها وفق عمل منبنٍ على بناءٍ سابق أو مسبق. ولهذا فإن النص الشعري بالنسبة إليها إنما ينتج ضمن حركة معقدة، ومركبة من إثبات النصوص الأخرى، ونفيها في آن"
وقديماً ذهب أحمد بن أبي طاهر(ت 385هـ)، إلى أن الكلام العربي: "ملتبس بعضه ببعض، وآخذ أواخره من أوائله، والمبتدع منه والمخترع قليل إذا تصفحته وامتحنته، والمحترس المتحفظ المطبوع بلاغة وشعرا من المتقدمين والمتأخرين، لا يسلم أن يكون كلامه آخذا من كلام غيره، وإن اجتهد في الاحتراس، وتخلل طريق الكلام، وباعد في المعنى، وأقرب في اللفظ، وأفلت من شباك التداخل. فكيف يكون ذلك مع المتكلف المتصنع والمتعمد القاصد (...) ومن ظن أن كلامه لا يلتبس بكلام غيره فقد كذب ظنه، وفضحه امتحانه".
وحتى لا يكون الكلام في مستوى التنظير فحسب، نحيل إلى دراسة الأديب والناقد المغربي محمد داني، وهي بعنوان: (التناص في شعر محمد علي الرباوي)، نشرها في منتدى مطر، على الرابط التالي:
http://matarmatar.net/vb/t16762/
والشاعر المغربي محمد علي الرباوي يحمل درجة دكتوراه الدولة في الأدب العربي، تخصص علم الإيقاع الشعري، ولمزيد حول سيرته الذاتية وإنتاجه الأدبي أرجو زيارة الرابط التالي:
http://www.diwanalarab.com/spip.php?article13903
في الدراسة المشار إليها، نجد شعر محمد علي الرباوي حافلا بالتناصات المتعددة ، والمتنوعة:
ففيه تناص مع القرآن الكريم،
وفيه تناص مع الحديث النبوي الشريف،
وفيه تناص مع التراث القديم.
ويخلص الباحث في دراسته إلى أن محمد علي الرباوي واع بأهمية التناص في القول الشعري...فهو يريد منه أغراضا فنية وجمالية بالدرجة الأولى.. يمكن إجمالها في:
- تقوية البناء الشعري.
- خلق حوار تناصي في شعره.
- خلق نوع من الإيحائية داخل نصوصه الشعرية.
- مد النص الشعري بجماليات نصية جديدة، وإضفاء حياة زائدة داخله.
- خلق تقاطعات داخل النص.
- خلق نوع من التفاعل ما بين النص والمتلقي.
- إتاحة فضاءات تأويلية خصبة، وأكثر اتساعا.
- تعطي للنص الشعري خاصياته الفنية.
وبناء عليه، وفيما يتعلق بسؤالك المطروح في نهاية الدراسة؛ فأرى أن وصف (السرقة) هو أقرب ما يكون إلى (استنساخ) النص الأصلي، وانتحاله. أما التعانق، والتعالق، والإشارة، والإحالة، والتضمين، وتلبس الكلام في الكلام؛ فلا يعتبر سرقةً، وإنما هو نوع من التفاعل النصي والدلالي.
وتقبلوا فائق تقديري واحترامي.
بدوري أشكرك على هذا الموضوع الهام وضرورة وضعه على طاولة البحث والنقد والتمحيص.. وفيه أود أن أضيف إلى ما قاله الأخوة قبلي: إن المسألة مسألة التناص لا يمكن اعتبارها سرقات أو تقليداً ليس فيه جديداً.. بل الدقة تفرض علينا اعتباره تطويراً للنص السابق لا يخلو النص الجديد معه من حداثة في الصور والمعاني وأدوات التعبير وتقنياته.. ولنا في محاكاة أحمد شوقي لقصيدة البوصيري: "نهج البردة" خير دليل فالقاريء للقصيدتين يدرك الفوارق بينهما في كل ما ذكرنا.. ففي قصيدة شوقي صور جديدة ولغة ومعانٍ لم يتطرق إليها سلفه وهي مرتبطة بالعصر الذي قيلت فيه وفيها الكثير من المعاني التي لم تكن مطروحة زمن البوصيري بكل ما فيها من فنون وبلاغة وتعبير عن التحديات الموجودة في العصر الذي عاشه شوقي..
ومثال على ذلك، فإن إرادة الشعوب لم تكن أمراً مطروحاً في زمن أبي تمام إذ قال:
السيف أصدق إنباء من الكتب.... في حده الحد بين الجد واللعب
فهل أكون أنا سارقاً إذ حاكيته في قصيدتي إرحل لبغداد فقلت:
مهلاً علينا أبا تمام بان لنا.... إرادة الشعب فوق السيف والكتب
وهل أكون سارقاً عندما قلت له:
هنا المعالي على الشلال من دمنا .... ننالها لا على جسر من التعب
رداً على قوله:
بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها.... تنال إلا على جسر من التعب
هل الفكرة هي نفسها؟ وكذلك الصورة والإيحاء والدلالات في كلا النصين؟
حقيقة يجب أن يعرفها طلا بنا وهي ما أشار إليه البلاغيون العرب من أن النص يدخل إلى المتلقي ويمتزج بما عنده من معاناة وأفكار وأحاسيس ومستوى.. فيخرج من عنده نصاً آخر.. ليس هو هو.
وحقيقة أخرى يجب أن نغرسها في أذهاننا وهي أنه: " ليس كل ماهو فرنجي برنجي" أي جيد، كما نقول نحن في بلاد الشام.
ومن يقرأ نظريات البلاغيين والفلاسفة العرب في الشعر ونقده : ( الخيال والتخييل والمحاكاة والتلقي ..) يعرف كم سرق هذا الغرب منا وأخذ.. غير أنه طور ولا يزال. في حين أنستنا البرامج والمناهج التي صاغها لنا المستعمرون الدرر والجواهر في تراثنا وحضارتنا وتاريخنا..
إذا كان غالبا ما ينتقل "المنهج " أو"المصطلح" النقدي من ثقافة إلى أخرى مشوبا بالاضطراب، فإن مفهوم التناصية (Inter****ualité). قد عرف التباسا في بيئته الأصلية (الغرب) نتيجة للتطورات وللتعديلات التي كانت تلحقه، كما توزع بين عديد من المجالات التي تداولته. و إضافة إلى هذه الصعوبات، هناك مشكل ترجمة المصطلح، ففي اللغة الفرنسية نقلت لفظة Inter****ualité)) إلى العربية تحت مصطلحات كثيرة، من أبرزها (التداخل النصي).(1) وقد آثرنا الإبقاء على مصطلح (التناصية) في ترجمته إلى (Inter****ualité) نظرا لشيوعه داخل الأوساط النقدية العربية، كما أن مادة "نص"(2) في اللغة العربية تحمل معنى التنضيد، واختزاله في نوع واحد فقط من أنواع المتعاليات النصية (Inter****ualité). لذلك يأتي اختيارنا لهذا المصطلح لكوننا نجانب تعميق التباس المفهوم ومقابلته باستعمال مصطلحات أخرى، وسنبقي على تداول مصطلح التناصية باعتباره المنظم للعلاقات النصية، تحويلا و محاكاة وتضمينا وسرقة وتحريرا ...الخ.
كما سيكون تعاملنا مع مستويات الحضور المؤسس للتناصية كما طرح مع الأوائل، وسنعمل على إبراز مستويات الحضور المرسخ بشكل أعم مما طرحته "كريستيفيا J.Kristiva"، إذ سنعتمد على ما طرحه "جنيتG.Genette" في كتابه التطريسات (Palimpsestes) حول المتعاليات النصية" لكونه طور آراءها المطورة عن أفكار "م.باختين M.Bakhtine" حول الحوارية في صياغة مفاهيمها حول التناصية.
أ- التناص في النقد العربي القديم
لقد كان العرب من السباقين إلى معالجة مفهوم التناصية تحت مسمى السرقات الأدبية، وانتقل الموضوع من مبحث في النقد إلى مبحث في البلاغة. وخلال بداية القرن الأخير،لم يكن في وسع النقد العربي تجاوز المقولات التقليدية في النقد حول السرقة الأدبية، إذ ظلت الاتهامات متبادلة بين النقاد والمبدعون.
حينما أطلق مصطلح (سرقة) في النقد العربي القديم على ظاهرة انتقال المعاني من نص إلى آخر، لم يكن ذلك يعد قدحا في الظاهرة، بدليل أن هناك تمييز بين سرقة ممدوحة وأخرى مذمومة، وفي هذا السياق يقول ابن رشيق عن السرقات" باب متسع جدا، لا يقدر أحد من الشعراء أن يدعي السلامة منه، وبه أشياء غامضة إلا على البصير الحاذق بالصناعة، وأخرى فاضحة لا تخفى إلا على الجاهل المغفل".(3) فأهمية رأي "ابن رشيق" تكمن في كونه يعتبر موضوع السرقة متسعا، لأن هناك صعوبة بادية في حصر ما هو سالف من النصوص المتواجدة داخل النص المنتج(اللاحق) سواء كتنصيص أو اقتباس أو استعارة أو صدى، كما يرى انه لا يمكن لأي شاعر أن يدعي السلامة منه، فمن الضروري أن يستند الشاعر على نصوص سابقيه من أجل بناء قصيدته، وهذه النصوص السابقة المتسللة إلى نص الشاعر تتفاوت في درجة التعرف عليها من قارئ إلى آخر، لذلك نجد الناقد العربي القديم قد حصر السرقة في المعاني دون "الألفاظ ليست محظورة على أحد"،(4) وبذلك خص المعاني المتداولة بمصطلح (الاتفاق). من هنا كان اهتمامه منصبا على استخراج معاني الغير من القصيدة والتي يصعب الكشف عنها، فرأى أن ذلك من مهمته، بينما المعاني المتداولة (تشبيهات العامة-الأمثال) فهي معروفة عند العامة يسهل تبينها، لهذا تخرج عن كونها سرقة.
أما السرقات عند "ابن رشيق" هي تلك التي تكون من جنس أدبي إلى آخر (شعر/ نثر). فيقول " أجل السرقات نظم النثر، وحل الشعر".(5) كما أن هناك فرع آخر من العلاقات النصية، وهو التضمين، الذي يخرج عن باب السرقات عند "ابن رشيق"، الذي يعني" قصدك إلى البيت من الشعر أو القسيم فتأتي به في آخر شعرك أو وسطه كالمتمثل".(6)
ومن النقاد الذين يميزون بين السرقة والاحتذاء هناك عبد القاهر الجرجاني إذ ينكر على النقاد "وصمهم الشاعر بالسرقة ما دام محتذيا، وذلك لأنه يفرق بين الاحتذاء والسرقة".(7) ورغم ما ذكرت من التفاتات نقدية متميزة عند نقادنا القدامى، فإنه يمكن أن نخرج بالملاحظات التالية:
استحكام النظرة التجزيئية: حيث لم يتعامل الناقد العربي القديم مع القصيدة في شموليتها من أولها إلى آخرها، بل البحث هده السرقات بشكل جزئي،أي على مستوى البيت أو البيتين فحسب.
استحكام النظرة المعيارية: ودلك بجعل مقاربتهم لمسألة السرقات من زاوية معيارية لا من زاوية وصفية.
بروز النزعة المتعالية: لقد كان ينظر إلى الناقد العربي القديم بأنه خزان من المحفوظات، وهذه المقدرة تمكنه من رد المعاني إلى أصولها، وهي عملية كانت تعلي من شأن الناقد وتجعله فوق كل شاعر، وتجعله يمارس الرقابة على كل منتج شعري.
تحامل بعض النقاد العرب القدامى على بعض الشعراء: إن تعالي الناقد العربي القديم على الشاعر العربي، وشعوره بأهمية المكانة التي يحتلها، خولت له التحامل على بعض الشعراء لأسباب أو لأخرى، مثال ذلك تحامل الحاتمي على المتنبي.
عموما إذا كان للعرب القدامى تصورهم للتناصية كسرقة أدبية، وان اختلفوا في توصيف هذه السرقات والبحث عن مسوغات أدبية وفنية لها، فان للغرب تصوره الخاص به وفق مرجعياته الفكرية والتاريخية.
ب- التصور التقليدي لمفهوم التناصية.
يقوم هذا التصور على إرجاع ظاهرة التناصية إلى مفاهيم لا ترقى إلى مستوى العلمية، كونها ترد إلى قضايا ظاهرية وعلاقات بسيطة وسببيات لا تقوم على منطقية مقبولة، هكذا نجد "L’aurent Jenny" يعتبر بعض هذه الدراسات ناقصة ولا ترقى إلى مستوى العلم، حيث تكتفي بمقاربة اجتماعية أو نفسية أو تاريخية لظاهرة التناصية " كل واحد له طريقته في البحث عن قانون لترتيب تاريخ التناصية، داخل الظروف النفسية والاجتماعية وليس في أشكاله"،(8) ويضرب مثالا على ذلك بما قام به "هـ. بلوم Bloom. H" و"مكليهان Maklehan".
يرى "هـ. بلوم H.Bloom" في جمعه بين الشخصيات والموروث اصطراعا بين" العبقرية السابقة والطموح الحالي، جائزتها أو ثمنها البقاء أو الانضواء في السنة"( ). فالسنة والمعيار وما يحتويه من أسماء كبيرة لها روائعها المعروفة،" متمظهرا كوسواس تأثير يكزن ويشوه كل كتابة جديدة تطمح إلى الخلود".(10) وفي كتابه ( الشعر والكبت1976)ظهر "بلوم Bloom"أكثر وضوحا: فثمة وعي بالعلاقة بين الأحفاد و الآباء، وثمة انجراف وتحريف. لهذا يقول"إن أي شاعر، وحتى هومر لو عرفنا بسابقيه، هو في موقف الاثنين من بعد.... فانه بالضرورة لاحق. ولهذا في أحسن الأحوال يسعى للانتقاء من بين آثار لغة الشعر عبر الكبح: أي أن يكتب بعض من هذه بينما يبقى على اخرى".(11) من هنا يقترب "بلوم Bloom" من فكرة لا عبقرية خارج الموروث ليذهب إلى القول بان " حتى الشاعر الأقوى ينبغي أن يتخذ مكانه وموقفه داخل اللغة الأدبية. أما إذا وقف خارجها فانه لا يقدر عندئذ على كتابة الشعر، لان الشعر يحيا دائما في ظل الشعر".(12)
لذلك ينشغل "بلومBloom" بحدي العلاقة بين الكبار ، سابقين ولاحقين، أباء وأحفاد، داخل الموروث بصفته المتصلة داخل اللغة الأدبية. من ثم يحتدم الصراع في نظره داخل"حلبت الموروث الشعري" ثم يجزم بان" التناصية هي أرشيف العائلة" عندما يبقى الشاعر"تماما داخل السنة المتوارثة للشعراء الكبار"(13)
يرد الأول ظاهرة التناصية إلى بعد نفسي بحيث يتأثر كل شاعر بالذي سبقه، مما يدفعه إلى إحداث شاعريته وفق سابقيه، ويرجع هذه الفرضية إلى قضية في تطور الأدب "إن كل شاعر يتلقى"وسواس تأثير" حقيقي ومعقد من أوديب، وهذا ما يدفعه إلى تغيير الأشكال التي هو حساس أمامها إلى صور متعددة".(14) إن هذا التصور دفع" لوران جيني L’aurent Jenny"إلى أن يصف موقف"بلوم"بالهش والفظيع" إن نظرية بلوم تخلط بشكل فضيع بين النظرية الشكلانية ونظرية المنابع".(15)
أما "مكليهان Maklehan" فيرجع مسالة التناصية إلى تطور وسائل الاتصال السمعية والبصرية كالمذياع والتلفزيون والسينما والصحافة، وليس إلى الأشكال التاريخية للظاهرة؛ فالذاكرة الأدبية عنده قوية و فعالة، تختزل هذه التطورات لتولد أشكالها الجديدة. غير أن "لوران جيني L'aurent Jenny" يعتبر هذا الموقف غير كامل وناضج، لكونه يقصي البعد الإيديولوجي للتناصية" إن نظرة "مكليهانMaklehan" تقوم على آلية بسيطة مقلصة، وفي نفس الوقت، تفرغ التناصية من كل دلالة أيديولوجية"(16).