تنعى كل التعاريف السابقة إلى أن تصب في مفهوم واحد للمصطلح، من خلاله يمكن لأي تعريف أن يكون عطف بيان للآخر، فسواء كان المصطلح تناصا أم حوارا، تداخلا أم تعالي أم تماهي أم نظير نصي، فهو تقاطع لنصوص اختمرت في الشبكة الذهنية للمبدع، فهذه الاختراقات تتم بصفة لا شعورية تكون جلية أو خفية يستقرئها القارئ النموذجي، الذي يستطيع أن يكتشف ما وراء السطور، وهذا الذي سماه مايكل ريفاتير "بالقارئ الخارق وسماه نقاد آخرون القاريء المطلع أو القارئ الكفء"[7]، فالقارئ الذي توكل له مهمة البحث بين ثنايا السطّور يختلف عن القراء العاديين، فهو يقبل على النص بمعرفة مسبقة، التي تكسبه القيم التأويلية التي تظهر من خلال روافد النص، وذلك بربطه بالنصوص الأخرى، ومعرفة جينية الفكرة التي يكون المبدع بصدد التعريف بها، في طريقة يتفاعل بها مع الماضي والحاضر والمستقبل.
وتاليا تعتبر إشكالية موت المؤلف كانت فكرة لميلاد التناص إلى درجة كبيرة فالاستغناء عنه والاكتفاء بما وراء السطور يجعل مهمته تنتهي بمجرد الانتهاء من هذا النص: "فهو يقدم إلي نص، هذا النص يضجرني، لكأنه يثغثغ، وثغثغه النص، لا تعدو كونها لا رغوة اللغة التي تتشكل تحت مجرد الحاجة إلى الكتابة، ونحن هنا لسنا في الانحراف بل في الطلب، إن الكاتب ليتخذ حين يكتب نصه لغة الرضيع، لغة آمرة آلية، خالية من العواطف كأنها دفق من الطقطقات (هذه الصويتات اللّبنّية التي وضعها اليسوعي المدهش، فان جينيكن (بين الكتابة واللغة)، إنها حركات مص غير ذي الموضوع، حركة حالة فمية غير متمايزة، مقطوعة الصلة بالحلة الفمية التي تنتج لذائد فن الطبخ ولذائد اللغة"[8].
وفي هذا دلالة واضحة أن محتوى النص ليس ملك مبدعه، وإنما هو امتصاص لنصوص سابقة يكون فيها صاحب النص غائبًا، فيخلق التفاعل النصي بإقامة علاقة مع نصوص سابقة، وشبهها بدفق من الطقطقات تحدث نتيجة الرغبة في الكتابة، تتفاعل فيها بنيات نصية سابقة مع بنية النص المدروس ترصده العملية النقدية، من خلال وضع خارطة النص المدروس، التي يظهر فيها نسوج النصوص السابقة وبصماتها.
تبقى فكرة الحوارية التي تجسدت عند باختين، مساهمة في إحلال مصطلح التناص 1967 على يد جوليا كريستيفا، "التي اعتمدت في دراستها لهذا المصطلح على مجمل دراسات باختين في الرواية، حيث أقامته على بناء الباختيني حول مفهوم الحوارية، وخصصت جهدها لتعميقه وفحصه، فانبثق منه كثير من المصطلحات الإجرائية الفرعية المتنوعة، وقد عدت كريستيفا رواية جيهان دوسانتري، الرواية الوحيدة من كتابات دي لاسال التي تكون نسخا وتجميعا أو مرسلات سفر أو رسائل مواساة، وهي حكايات تبنى كخطاب تاريخي أو فسيفساء لا متجانسة من النصوص"[9].
شارك ميخائيل باخثين (1895-1975) بصورة فعالة في بلورة مفهوم التناص، لكن جهوده لم تظهر إلا في بداية الستينات رغم بذور الإيديولوجية التي كانت تسيطر على هذا المفهوم، والدعوة إلى الماركسية بين ثنايا السطور، التي تدعو إلى تبني فكرة الجماعة وإلغاء الصوت المفرد وإدماج أصوات الجماعة، من خلال إضفاء الطابع الجماعي للغة. ويشير محمد داود إلى مساهمة جوليا كريستسفا بقوله: "وإذا كانت جوليا كريستسفا قد أغفلت في بحثها كتاب باختين التأسيسي في اللسانيات، وإلى كيفية تأصيل مفهوم الحوار، فإن ذلك لم يمنعها من الإحاطة بكيفية ومغزى توظيف الكلمة كمفهوم في بنية الحوار، وتاليا أسست مفهومًا إجرائيًّا جديدا انطلاقا من كتابات هذا المنظّر، هو التناص، الذي يتبناه، فيما بعد تودروف وغيره من المنظرين"[10].
فمفهوم الحوارية التي جاء بها باختين التي تدعو إلى حوارية اللغة، وأن الكلمة طاقة منفتحة وفعالة، ولا يمكن أن تكون مبنية من العدمية، بل تنشأ نتيجة التفاعل اللفظي بين الكلمات، فميله إلى إعطاء اللغة السمة الاجتماعية، يبقى التوجه الماركسي (1929)، "فحسب ما أكده محمد داود عن مفهوم الحوارية عند ميخائيل باختين بدا بشكل واضح في كتابه (مسائل شعرية دوستوفسكي) إلى بحثه في (الخطاب الروائي) حيث تشكلت عنصر البنية الروائية عن طريق الحوار "وهو خالق الرواية المتعددة الأصوات"[11]، والبعد اللغوي للكلمة وتقاطعها مع كلمات أخرى.
صفوة القول لا يمثل النص وعي المؤلف فقط بل هو تبادل لعدة أشكال من الوعي الإنساني، وتاليا يدخل أصوات عدة أبطال لبنائه، بحيث تدمج الرواية المتعددة الأصوات من خلال دراسة شعرية دوستويفسكي في علاقة الفضاء النصي وتقاطعه مع نصوص أخرى، وهنا تغيب الرواية التقليدية للنقد القديم القائلة بأن النص وحيد الصوت، بحيث ينتقل المؤلف من صاحب النص إلى منصت لأصوات سنفونيات العالم، ويقف محاورا نصوصا أخرى حتى لا يعطي مبرر العدمية التي لا يمكن أن ينبني عليها النقد الحواري، الذي يرصد فيها صوت المؤلف والقارئ والمجتمع.
سعى ميخائيل باختين إلى البحث عن الأصوات التي تنبعث من البنية السردية للرواية، من خلال بعض النصوص الإغريقية والرومانية القديمة، "فكان أقرب تعريف أو تحديد لحالة التناص هو ذلك الذي يقدمه ناقد روسي متعدد الانتماءات، واكتسب شعبية متأخرة كتفكيكي متقدم وهو ميخائيل باختين."[12]، بحيث كان له الفضل في التنظير النقدي الذي اغترفت منه البلغارية (جوليا كريستيفا ( كما اعتمد عليها الناقد الفرنسي رولان بارث من خلال كتابه (لذة النص)، وأيضا الناقد الفرنسي جيرار جينيت من خلال كتابه "بالمبسيست (Palimpsestes)، الذي حدد أنماط التعالق النصي إلى خمسة أنواع في إطار يتداخل فيه النص مع نصوص أخرى، بشكل ضمني أو مباشر يظهر في الاقتباسات، ولا يمكن أن يصل إليه إلا القارئ النموذجي وهذا لاستخراج طاقاته الدلالية المتوالدة.
التناص في النقد العربي القديم
شكل مفهوم التناص محط الاهتمام في العالم العربي مما خلق إشكالات عديدة ظهرت مع بداية الثمانينيات، وحقق انتشارا تمثل في الدراسات النظرية والتطبيقية، لكنه أفرز التساؤل من خلال الرؤى المتعددة حول هذا المصطلح ورغبة في التأسيس له فراح البعض يبحث في النقد القديم في مفاهيم تتصل بالتناص، لتضع جوابا لعدة أسئلة أفرزها النقد العربي الحديث، فدمج الحديث عنه في السرقات والمعارضة والمناقضة والتضمين والاقتباس والتداول.
أحمد أمين
البحوث التي قدمت من طرف العديد من النّقاد الغربيين ممن احتضنوا مفهوم التناص، كجوليا كريستيفا ورولان بارث وتدروف يجعلنا نميل إلى تجذير هذا المصطلح، لما خلقه من تقارب نقدي مع النقد العربي القديم، لأن كلمة التناص قد لا نجد لها وجود في الفكر النقدي القديم، لكن هي انصهار لعدة مباحث نقدية قديمة. ويرى أحمد أمين أن "النقد الأدبي ككل علم ناشئ عن ملكات خاصة تنمو بالتربية والتمرين، فلو سئلت عن ناشئ يريد أن يعد نفسه ليكون ناقدا أي طريق يسلك؟ أقول أنه يجب عليه أولا أن يكثر من قراءة الأدب ويتفهم ويحاكي جيده، كالذي روى أن ناشئا عربيا سأل أستاذه كيف يشدو في الأدب؟ فنصحه أن يحفظ ديوان الحماسة ثم يجتهد أن يجعل شعره نثرا بليغا، فلما فرغ من ذلك طلب منه الإعادة، ثم أمره أن ينساها، والظاهر أن الشيخ نصح بذلك لأن الناشئ إذا نساها نسي مادتها وبقيت أنماطها في ذهنه يستمد منها عند حضور ما يناسبها"[13].
تنفتح بتأويلنا لسياق هذا النص إجابات لإرهاصات التناص، فجملة بقيت أنماطها في ذهنه ما يناسبها، هنا تقودنا إلى أن مفهوم التناص يتقارب مع ما أدلى به ناقدنا الكبير إلى درجة ما، كما أشار عبد المالك مرتاص إلى فكرة الحفظ الجيد التي تتبلور في مقدمة ابن خلدون ،"فالتناص وهو يعبر عن الاستمرارية الجينية للنص يكشف أن الإبداع نص واحد أزلي مستمر"تعبر الإنجازات المتتالية عن تمظهراته التي تتناسب طرديا والمواقف التي أملتها فقط، فإذا تغيرت هذه الإقتضاءات الخارجية، تغير شكل النص ليناسبها، ويناسب حدة التوترات التي تسكنها"[14].
فالقاعدة التي يرتكز عليها التناص في المفهوم الغربي، لها أنماط تأسيسية في الفكر النقدي العربي القديم، وتؤدي إلى الاقتراب والتقاطع مع هذا المصطلح الجديد في أبواب نقدية عربية قديمة،كما جاء في كتاب تلخيص المفتاح في المعاني والبيان والبديع للخطيب القزويني في فكرة الاقتباس والتضمين والعقد والحل والتلميح، وعند ابن رشيق في كتاب (العمدة)، من خلال باب السرقات، وابن خلدون من فصله الذي سماه (في صناعة الشعر وتعلمه)، في إطار الحفظ الجيد، وأبي هلال العسكري في كتابه (الصناعتين) في الفصل الأول من الباب السادس في حسن الأخذ، أو وقع الحافر على الحافر، وظهر أيضا عند عبد القاهر الجر جاني في كتابه أسرار البلاغة الذي استدل حديث في وجه الاتفاق في الغرض على العموم والاتفاق في وجه الدلالة الغرض، لينتفي وجود سرقة على الإطلاق إلا في حالة تكون فيها نسخا.