وإذا رجعنا إلى مضمون كتاب التنبيه كما جاء في مخطوطاته، التي تيسّر لي الحصول على خمسة منها، قرأت منها مخطوط مكتبة السليمانية التركية برقم 966- من مكتبة يكّي جامع، ويتألف من 238 ورقة، كل ورقة من صفحتين طبعاً، وستكون الإشارة إليه في كل ما سأورده، نجده قد وجّه اهتمامه بشكل رئيس وطاغٍ إلى الظواهر الصوتية والصرفية والنحوية، وإن كانت الأبنية الصرفية ووجوه الإعراب هي الغالبة على البحث والتحليل في هذا المصنف، في أسلوب يجمع بين جانبي التنظير والتطبيق، مع مزج بين الدرسين الصرفي والنحوي في أحيان كثيرة؛ ولغاية منهجية أرى تقسيم المشكلات أو المسائل التي تناولها إلى الآتي:
أولاً: المسائل الصوتية: وهي أقل الجوانب التي التفت إليها، وهو الذي نعرف عنه أنه من أكثر أئمة اللغة عناية بالقيمة التعبيرية للحرف العربي، ومن أكثر المتحمسين لفكرة الصلة بين الصوت والدلالة فقد فتح لحضور المعنى أو الإحساس في الحرف العربي عدة أبواب في كتابه الخصائص؛ نظراً لما يحمله في نظره من شحنة دلالية. ويبدو أن هذه النظرة إلى هذه العلاقة بين المعنى أو الفكر وبين الصوت لم تستوفِ حقها في ذهن ابن جني إلا في أثناء تأليف كتاب الخصائص الذي تأخر في تصنيفه كما يشير في كتاب التنبيه في (68-أ) حين يقول في نهاية شرحه لإحدى المسائل "فاعرف ذلك أصلاً من أصول فقه العربية، وسنذكر هذا وغيره فيما أجمعناه من إنشاء كتاب نذكر فيه فقه أصول الكلام في هذه اللغة على طريق أصول الكلام والفقه، بعون الله "، ولا أظنّه يقصد كتاباً آخر غير كتاب الخصائص.
ومما تكلم فيه من الظواهر الصوتية في العربية الإتباع في الورقة (60-أ)، والتخفيف في المماثلة (الإبدال الصوتي) في الورقة (61- ب)، وعن الإشباع في الورقة (80-أ)، وكذلك في الورقة (124-أ).
ومن المواضع التي يتضافر فيها الصوت مع الدلالة في رأي ابن جني، ويوجِّه الصوتُ الكلمةَ نحو مقصودٍ معيَّن ما ذكره في الورقة (87- ب) في بيت من حماسية الفند الزّمّاني:
يا طعنةً ما شيخٍ
كبيرٍ يَفَنٍ بالي
حيث قال:" يَفَن ضعيف وهو قريب من لفظ الأَفن ومعناه، وذلك أن الأفن العيب… والضعف ضرب من ضروب العيب، غير أن العيب أغلظ أمراً من ضعف الشيخ… فلما كان العيب أقبح في الحقيقة من الهرم؛ اختاروا له أقوى الحرفين أعني الهمزة؛ ألا تراها أقوى من الياء، فبين الحرفين من الصوت ما بين العيبين من القبح"، فهل هناك توظيف للصوت في أداء المعنى وتوجيهه أقوى من هذا؟! ويضرب أمثلة كثيرة لمثل هذه الظاهرة الصوتية من شفافية الأصوات العربية وطاقتها التعبيرية التي تجعل لها هذا الحضور القوي والتَّأثير الحيوي في نقل الفكر والإحساس. ويجب التَّنويه هنا أن ابن جني لا يفتعل هذه الدلالات الرمزية للأصوات، ولا يقسرها قسراً من خلال بحثه عن الفروق الدلالية التي تظهرها هذه الأصوات في الاستعمال اللغوي وعلى أرض الواقع، ولم يفصل الأصوات في تحليله عن سياقها في بنيتها الصرفية.
ثانياً: القضايا الصرفية: إذ كانت الصيغ الصرفية وأصولها الاشتقاقية هي الشغل الشاغل لابن جني في كتابه "التنبيه" وأستطيع أن أقول، وأنا مطمئن، إنه لم تكد تندّ عنه مسألة في أبواب التصريف، وغلب على معالجته التحليل الشكلي للبنى الصرفيّة وقد تأتي الإشارة إلى المعنى عَرَضاً، ويمكنني تبويب المسائل الصّرفية التي تناولها كالآتي:
أ- اهتمامه بالأصول الاشتقاقية للبنى الصرفية: ومن أمثلته الواضحة قوله في بيان أصل كلمة شيبان في بيت الحماسية:( من ورقة 2-أ):
لو كنتُ من مازنٍ لم تستبح إبلي
بنو اللقيطة من ذُهْل بن شيبانا
"إن الشيبان ظاهره أنه فَعْلان من شاب يشيب، وقد يحتمل أن يكون غير هذا وهو أن تجعله شاب يشوب؛ أي خلط، فإن قلت لو كان منه لكان شَوْبان كحَوْران وخَوْلان! فالجواب أنه يمكن أن يكون فَيْعلان منه كهيَّبان وتَيَّحان؛ وأصله على هذا: شَيْوبان، فلما اجتمع الواو والياء على هذه الصورة قلبت الواوُ ياءً وأُدغمت فيها الياء فصارت شيَّباناً ثم إنَّ العين حذفت تخفيفاً كحذفهم إياها من هيّن وميّت فبقيت شيبان، ومثله قولهم من كلام العرب ريحان وريح رَيْدانة، قال ابن ميّادة:
أهاجك المنزلُ والمَحْضَرُ
أوردت به رَيْدانةٌ صَرْصَرُ
وينتقل بعد ذلك إلى تحليل رَيْدانة وبيان أصلها ووزنها ويأتي بشاهد من شعر ذي الرمة فيه مثال آخر هو قياديد ومفرده قيدود وأصله قيَّدود ووزنه فَيْعَلول، ثم يستشهد للأخيرة بمثال آخر نقله عن المبرد الذي أتى له بشاهد في المقتضب 1/125 وهو كلمة كينونة وأصلها كَيْوونة التي تصير كيَّنونة ثم ينقل عن سيبويه وأبي علي كلمة دَيْمومة وجعلها دياميم على وزن فَيْعول وفياعيل، وهكذا يتدرج بنا في التعليل والتحليل والتقريب وضرب الأمثلة اعتماداً على السماع والقياس دون ملل حتى آخر الصفحة أ من الورقة 5 التي ينهيها بقوله:"وهذا وجيه ما، ولكن الأجود الأقوى ما قد قدّمناه من كونه فعلان من الشيب فاعرفه".
ونهجه التدريجي هذا يبدؤه بما انتهت إليه البنية الصرفية ثم يُسْلِمُك فيه المثال إلى مثال آخر وينتقل بك من تعليل إلى تعليل ومن قياس إلى آخر ومن سماع إلى آخر، محتجاً لوجهة نظره بالشواهد وتأييدها بأقوال العلماء السابقين له والمعاصرين؛ ولا مانع لديه أن يعرض لمسائل أخرى في ثنايا بحثه لدعم وجهة نظره؛ كتعرضه مثلاً في هذه المسألة لتشبيه التصغير (التحقير) بجمع التكسير في حدوث التغييرات فيهما (انظر الورقة 4-ص أ).
ب- اهتمامه بالتفرقة بين الصيغ الاشتقاقية المتشابهة بالمثال أو الوزن وترجيح المقصود من الصيغة التي تحتمل أكثر من وجه بالقرينة والبرهان والدليل كقوله في بيت الحماسية الذي جاء (في ورقة 57- أ):
لكان لي مُضْطَرَبٌ واسعٌ
في الأرض ذات الطولِ والعَرْضِ
"المضطرب ها هنا لا يخلو من أن يكون مكاناً أو مصدراً؛ ووصفه بالسَّعة يجتذبه إلى معنى المكان؛ فإذا كان كذلك لم تتعلق به" في "من موضعين: أحدهما: إن المكان لا يعمل إنما ذاك المصدر. والآخر: أنه لو يعمل في غير هذا الموضع لما جاز أن يعمل هنا من قِبَل أنه قد وصف بواسع، وإذا وُصِف بَعُدَ عن شَبَه الفعل، لاختصاصه بالوصف". وهكذا: رجَّح أن تكون صيغةُ مضطرب اسمَ مكان وليس مصدراً من خلال دورها النحوي، ويكون بذلك قد استعان بالوظيفة النحوية لخدمة الدرس الصرفي.
وأحياناً يذكر الخلاف في نوع الصيغة بين العلماء ثم يبدأ بترجيح أحد الآراء بما يمتلكه من زاد لغوي يوظفه في التمييز والترجيح كالذي أورده في بيت الحماسية (الورقة 15- ب).
وفارسٍ في غمار الموت منغمسٍ
إذا تألَّى على مكروهةٍ صَدَقا
فقد ذكر خلاف سيبويه والأخفش في صيغة "مكروهة" فقال: "مكروهة تحتمل خلاف الرجلين سيبويه وأبي الحسن؛ فمذهب صاحب الكتاب أنه وصف لموصوف محذوف… ومذهب أبي الحسن أنه مصدر جاء على مفعول… وكان تأنيث المكروهة يشهد لقول صاحب الكتاب، وذلك أن تأنيث الصفة أَشيع وأسير من تأنيث المصدر…".
ج- عنايته بحلول الصيغ محل غيرها في المعنى والاستدلال على ذلك بالنقل، أي باستخدام الشواهد في مثل بيت الحماسية (في ورقة 12- ب).
فلا تحسبي أني تخشَّعت بعدكُمْ
لشيءٍ ولا أنَّي من الموت أَفْرَق
حيث يقول (في ورقة 13- ص أ):" تخشَّعت بمعنى خشعت، وقد جاء تفعّل في معنى فَعَل، نحو قول الله تعالى:"(الجبارالمتكبِّر)(23- الحشر)، أي الكبير، ولا يكون المتكبِّر هنا كالمتعاطي للشيء نحو: تقيَّس… إذا انتسب إلى قيس، ونحوه: تشجَّع وتصبَّر، تعالى الله عن ذلك. لكن المتكبِّر ها هنا بمعنى الكبير البتة، وعليه بيت الكتاب:
ولا يَشْعُرُ الرُّمحُ الأصمُّ كعوبُه
بثروة رَهْطِ الأَبْلجِ المُتَظَلِّم
د- وقد كان للبناء الشكلي للصيغ نصيب وافر في معالجات ابن جني الصرفية كاهتمامه بالحرف الزائد أو الأصلي في الألفاظ كتأصيله نون برهان (في ورقة 8-أ). وعنايته بذكر أوزان الألفاظ نحو وزن يبدون، إذا كان للإناث فوزنه يَفْعُلْن، وإذا وجِّه للرجال فوزنه يفعلون (ورقة 103- ص أ). كذلك اعتنى بالإبدال والإعلال خاصة قلب الواو همزة كأحد في وَحَد (72- ب)، وأوائل في أواول (50- أ).
هـ- أما تخصيصه الحديث عن معاني الصيغ فلم يكن ليفته كذلك؛ كحديثه عن صيغة تِفعال مثلاً وأنها للكثرة كما في قوله ( في ورقة 32- ب): "التِّفعال يأتي للكثرة نحو التِّرماء والتِّلعاب" (والترماء من المراماة بالنبل). كذلك التفت إلى ما تؤديه المورفيمات المقيَّدة (دوالّ النسبة) من معانٍ في البنى الصرفية كمعاني تاء التأنيث في جموع التكسير (في 73- ب، و74- أ) فقد تأتي للنسب نحو الأشاعِثَة والمهالِبَة، والتأنيث نحو الصياقلة والملائكة، كذلك تكلم عن معنى القِلَّة في الواو والنون والألف والتاء في الجمعين السالمين (في الورقتين 92- ب، 93- أ).
وهناك موضوعات تصريفية متفرِّقة كتصغير الترخيم في مثل زهير تصغير أزهر (في الورقات 92- أ، و29—ب، و30- أ، و 64- أ)، كذلك اهتمامه باللغات الواردة في الكلمة الواحدة نحو عَلُ ( في 17- ب)، وعلوان وعنوان (في 104- ب) ونحو ذو الطائية (221- أ) ولغات أف (158- أ)، واهتمامه بالجموع كفواعل جمع فاعلة (في 41- أ) وهنات وهنوات جمع هنة (في 66-أ).
ثالثاً: القضايا النحوية: كذلك أستطيع أن أقول هنا إنه قد طرق أغلب الأبواب النحوية في شقي النحو الواسعين: الإعراب وبناء الجملة فحَفِل بمسائل النحو العربي التي لم يكن يتخذها قضايا مُسَلَّمة بل كان يناقش ويدلي برأيه فيها، ويمكننا تقسيم الموضوعات التي طرقها بناء على ما تقدَّم إلى: