2- الاشتقاق:- وهو "نزع لفظ من لفظ – ولو مجازاً- إذا اتفقا في المعنى والحروف الأصلية وترتيبها، ليدل بالفرع على معنى أصله؛ بزيادة مفيدة غالباً، لأجلها اختلفا في غير الحروف الأصلية، أو في شكل الحروف الأصلية على التحقيق أو التقدير". ومن المتعارف عليه أن الاشتقاق أبرز خصائص العربية التي تتميز بها عن غيرها من اللغات. وقد كان له أثره البارز في اختيار جل ألفاظ اللغة العربية وأكثر مصطلحاتها. ومن الأمثلة على استخدام هذه المنهجية في بناء المصطلح؛ ما نجده من إشارة الزجاجي إلى بناء مصطلح (النحو) في (باب ذكر العلة في تسمية هذا النوع من العلم نحواً)، حيث يذكر أن زياداً ابن أبيه وضع كتاباً فيه جمل العربية ثم قال لهم: انحوا هذا النحو، أي اقصدوه" .
ونظراً لأن علوم العربية كانت ذات طابع عربي قليلة التأثر بغيرها، وأن الأمة كانت تعيش أوج ازدهارها؛ فقد كانت هاتان الوسيلتان هما الأكثر استخداماً، على الرغم من شيوع منهجيات أخرى، كالاقتراض والنحت بصورة قليلة نسبيًّا.
وقد سلك العلماء تحت إطار هاتين المنهجيتين سبلاً متعددة في اختيار الألفاظ الدالة على المفاهيم التي يسعون للتعبير عنها. وأهم هذه السبل:-
أولاً: التخصيص: ويقصد به تخصيص لفظ من الألفاظ اللغوية العامة للدلالة على مفهوم محدد، له ارتباط بصورة معينة مع الدلالة اللغوية الأولى لهذا اللفظ، ليصبح بذلك مصطلحاً ذا دلالة خاصة، وتتضح هذه المنهجية في عدد وافر من المصطلحات، من مثل مصطلح (التعجب)، إذ كان التعجب يعني الاندهاش مما يرد عليك لقلة اعتياده، ثم انتقلت هذه اللفظة لتخصص لمصطلحٍ نحوي يدل على أسلوب من أساليب العربية في التعبير عن دهشة الإنسان واستهجانه أمراً ما.
ومن الأمثلة على ذلك مصطلح (الندبة) الذي كان يعني بكاء الميت وتعديد محاسنه، يروي ابن سيده في مخصصه قول أبي زيد:" ندبت الميت أندبه ندباً بكيت عليه وأندبته، والاسم الندبة". ثم انتقلت هذه اللفظة لتصبح اصطلاحاً، وخصصت للتعبير عن أسلوب نداء الميت وفق شروط محددة، وما قيل في هذين المصطلحين يمكن أن يصدق في مصطلحات أخرى، نحو البناء، والنكرة، والمعرفة، والمنادى، والاستغاثة، والبدل، والإضافة، والعطف، وغيرها.
ثانياً:- التركيب الإضافي: الذي يكون فيه المضاف أحد متعلقات المضاف إليه؛ من مثل (علامات الاسم). فالعلامات هي إحدى المتعلقات التي تتصل بالاسم وتحدده. وكذا الحال بالنسبة لـ(تنوين الاسم)، و(علامات الفعل)، و(علامة الحرف)، وما شابهها. أو يكون المضاف إليه محدداً للمضاف نحو ضمير الغائب؛ إذ إن المضاف إليه هنا وهو الغائب يحدد المضاف (الضمير)، ويميزه من غيره من الضمائر، كضمير الشأن، وضمير المخاطب، وضمير المتكلم، وكذا الحال بالنسبة لمصطلحات أخرى (كنون النسوة)، و(تنوين التنكير)، و(تنوين الترنم)، و(حروف العطف) وما يماثلها.
ثالثاً:- تحديد المصطلح وفقاً للموقع الذي تحتله اللفظة، من مثل مصطلح (المبتدأ) الذي يشير إلى الموقع الذي يمثله الاسم المسند إليه في الجملة الاسميَّة، وكذلك لام الابتداء، وما يماثلها.
رابعاً:- تحديد المصطلح من خلال الوظيفة النحوية التي يؤديها، نحو (ما النافية)؛ إذ يشير المصطلح إلى ما تؤديه (ما) من وظيفة دلالية في التركيب الذي ترد فيه. ويشير مصطلح (همزة النقل) إلى الهمزة التي تسبق الفعل، وتنقله من حال اللزوم إلى حال التعدي، ومن التعدي لمفعول واحد إلى التعدي لمفعولين وهكذا. ويصدق هذا الأمر على عدد من المصطلحات، نحو: لا النافية للجنس، ولام التوكيد، وأدوات نصب المضارع، وحروف التخصيص، ولام الجحود، وفعلي المدح والذم، وما يماثلها.
خامساً:- الضمائم:- ويقصد بها هنا اختيار عنصر من العناصر المتشابهة في سلوكها أماً لباب من الأبواب، وإلحاق أمثاله به: نحو كان وأخواتها، وكاد وأخواتها، وإن وأخواتها. فقد اختيرت كان مثلاً أما للباب، ثم ألحقت بها الألفاظ التي تشبهها في باب واحد.
سادساً:- وصف اللفظ:- وذلك بعدد يجمع ما يشترك في صفة واحدة، ونجد ذلك في مصطلح الأسماء الخمسة، والأفعال الخمسة.
سابعاً:- الإلحاق:- ويقصد به إلحاق مصطلح بآخر لوجه من وجوه الشبه بينهما. ويكون ذلك بأن يتخذ مصطلح ما أساساً في القياس، ثم يحمل عليه ما يماثله في حكم من الأحكام؛ نحو المحمول على المثنى، والفعل المضارع، والصفة المشبهة. يقول المبرد في حمل جمع المذكر السالم على المثنى:"فإن جمعت الاسم على حد التثنية ألحقته في الرفع واواً ونوناً، أما الواو فعلامة الرفع، وأما النون فبدل من الحركة والتنوين اللذين كانا في الواحد، ويكون فيه في الجر والنصب ياء مكان الواو، ويستوي الجر والنصب في هذا الجمع، كما استويا في التثنية؛ لأن هذا الجمع على حد التثنية وهو الجمع الصحيح.
ثامناً: تحديد المصطلح بوصفه: وذلك بأن يوصف المصطلح بالصفة التي يتميز بها عن غيره؛ من مثل: الإخبار التام، والإخبار الناقص، والفعل المعتل، والفعل الناقص، والتوكيد اللفظي، والتوكيد المعنوي وما يماثلها.
تاسعاً:- الجمع بين الوظيفة والصيغة: وذلك بأن يشترك أمران في تحديد المصطلح؛ هما الوزن الصرفي، والوظيفة التي يؤديها هذا البناء، نحو مصطلح أفعل التفضيل؛ إذ يشير الجزء الأول من التركيب إلى الوزن أو الصيغة التي تأتي عليها الألفاظ التي تحمل القيمة التفضيلية بين شيء وآخر، ويشير الجزء الثاني (التفضيل) إلى الوظيفة الدلالية التي تقدمها هذه الصيغة.
ولا يعني ذلك ان ما ورد ذكره في واحدة من السبل المتقدمة يقصر النظر إلى المصطلحات وفقها، بل ربما تداخلت في صياغة المصطلح الواحد أكثر من نظرة واحدة، وربما اجتمع على صياغته الأخذ بأكثر من سبيل، وربما عوملت الأصناف المتشابهة بطرق مختلفة. ويكفي أن ننظر إلى تقسيم الأفعال لنلحظ هذا الأمر؛ إذ إن تقسيمها إلى ماض ومضارع وأمر لا يجري ضمن نسق واحد، فالماضي يشير إلى الزمن، والمضارع يشير إلى ما يشبه الاسم فيه وهو قبول الإعراب، والأمر يشير إلى المعنى المتحصل من استخدامه. وهكذا نجد أن كل واحد من أنواع الفعل الثلاثة تم اختياره وفق منهجية مختلفة عن تلك التي اختير بها الفعل الآخر.
ثانياً:- مصطلحاتنا في العصر الحاضر.
المصطلحات في العصر الحديث لها شأن آخر غير شأنها في العصور الماضية لأسباب عدة؛ أبرزها اختلاف الظروف المحيطة بصياغة المصطلح، وانتقال العمل المصطلحي من حال الارتجال إلى حال التنظير والدراسة، ووضع الأطر التي تخضع لها المصطلحات، وتحديد الروابط بين اللفظ والمفهوم. وثمة أمر آخر يواجه علومنا العربية؛ لا يقل أثره عما سبق، وهو أن جل العلوم الحديثة في العربية وافدة، فأصبحت العربية متلقية لما ينتجه الآخرون، بدلاً من أن تكون رافدة له. ولذا ظهرت مشكلات عدة مصاحبة لوضع المصطلحات العربية، وأصبحت القضية قضية حضارة، لا قضية مصطلحات فقط. فتعالت الأصوات منادية بما تراه مناسباً في التعامل مع هذا السيل الجارف من المصطلحات الوافدة.
- آراء العلماء في وسائل نقل المصطلحات الأجنبية إلى العربية:_
تعددت الآراء في النظر إلى هذه القضية، وكتبت في ذلك الأبحاث والمقالات منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي وبدايات القرن العشرين، حين ظهر عدد من العلماء؛ من مثل الشدياق، واليازجي، والكرملي، وجرجي زيدان، ويعقوب صروف. وأخذ كل واحد يقدم من الحجج ما يعزز موقفه ويؤيد رأيه.
فيذهب يعقوب صروف إلى عدم الرضا عن ترجمة بعض الأسماء التي لا مرادف لها عندنا، ويتساءل عن الفائدة من ترك كلمة إفرنجية شائعة بيننا، والتفتيش عن كلمة قديمة حوشية؛ يحتمل أن لا تؤدي معنى اللفظة الإفرنجية ولو بعد المط" ثم يخلص إلى القول " والأحسن أن ندع الترجمة والتعريب في كل علم إلى الذين يعلمونه ويعملون به. واللغة لا تقوم بما فيها من الأسماء بل بما فيها من الحروف والتصاريف، فالتركية بقيت تركية، مع أنَّ نصف الأسماء والأفعال عربي".
ومع الإقرار بضرورة أن يكون للعلماء والعاملين في العلوم المختلفة دور في اختيار مصطلحاتها؛ فإن الشق الآخر من رأي صروف يحتاج إلى توقف، ذلك أن الأسماء لا تقل أهمية عن الحروف والتصاريف، ولا مجال لمقارنة العربية باللغات الأخرى؛ نظراً لما تمتلكه العربية من خصوصية تتميز فيها عن غيرها.
ويتجاوز الأمر ذلك عند جرجي زيدان، حين ينظر إلى الألفاظ القديمة بوصفها قيوداً، بقوله: " آن لنا أن نخلص أقلامنا من قيود الجاهلية، ونخرجها من سجن البداوة، وإلا فلا نستطيع البقاء في هذا الوسط الجديد. فلا ينبغي لنا احتقار كل ما لم ينطق به أهل البادية منذ بضعة عشر قرناً؛ لأن لغة البوادي والخيام لا تصلح للمدن والقصور، إلا إذا ألبسناها لباس المدن".
من الواضح ما في هذه الدعوة من تجن؛ فلا يعيب اللغة قدمها وحداثتها، ولكن الاعتماد في كل ذلك على مدى قدرة الألفاظ المختارة على حمل المفهوم الذي خصِّصَ لها.
في مقابل ما تقدم نجد أنيس سلوم يذهب إلى أن في أوضاع اللغة" ما يتسع لأن يشتق منها ألفاظ لما شئنا من المعاني؛ لأنها قابلة للاتساع إلى ما يفي بالمطالب العصرية. وإذا جاز للغربيين وضع أسماء جديدة لم تكن في عهد أسلافهم، وأن يحيلوا الكلمات التي يقتبسونها من اليونانية واللاتينية إلى صيغ تناسب قواعد لغاتهم، مع اشتقاقها من أصل واحد، وتقاربها في الألفاظ والمعاني، فلماذا لا يجوز لنا أن نحذو حذوهم فنضع أسماء لتلك المسميات، أو نحيلها إلى صيغ تناسب قواعد لغتنا، مع ما بينها وبين تلك اللغات من شدة التباين، ومع ما هي عليه من كثرة الاشتقاقات، وقبول الاتساع بطرق عديدة". ويذهب بعد ذلك إلى إمكانية سد الخلل الذي نراه في لغتنا إذا بذل العلماء جهدهم في كشف أسرارها وسلكوا سبيل القدماء في اختيار الألفاظ المناسبة للمفاهيم.
ويتعرض مارون غصن لهذه القضية داعياً إلى تطوير اللغة العربية باستخدام اللواصق، فيقول:" وما المانع أيضاً من إدخال أشد اللواصق لزوماً للغة العربية من مثل (ANTI) و( AUTO)، واللاحقتين (METRE) و (GRAFE). وما المانع أيضاً من اقتباس لواصق(AFFIXES) من لغات أجنبية؛ إذا صعب علينا إيجاد لواصق مقتضبة من جذور عربية. ويدعو إلى احتذاء ما صنعته الفرنج والأرمن؛ حين أخذوا اللواصق من اللاتينية واليونانية وأدخلوها في لغاتهم، فصارت لغاتهم قادرة على التعبير عن أدق المعاني.
ومثل هذا الرأي الذي يقدمه غصن لا يمكن الأخذ به، لما يمثله من مخالفة لنواميس اللغة العربية؛ فهي لغة اشتقاقية لا إلصاقية، وتمتلك من الصيغ الاشتقاقية ما يؤهلها لتوفير الألفاظ المناسبة لمختلف المفاهيم. كما أن هذه اللغة يمكن أن توفر من الصيغ ما يمكنها من حمل الدلالات التي تشير إليها السوابق واللواصق الأجنبية؛ فاللاحقة(er) يمكن التعبير عنها بصيغة(اسم الفاعل)، واللاحقة(ing) يمكن التعبير عنها بالمصدر وهكذا...
وثمة من يدعو إلى اللجوء إلى المصطلحات الأجنبية عندما لا تسعفنا اللغة العربية في اختيار لفظة مطاوعة للتصريف؛ يقول عارف أبو شقرا: فإذا اقتضتنا الحاجة إيجاد كلمة لآلة من الآلات، أو مرفق من المرافق، وحرصنا أن تكون الكلمة عربية الأصل، فإن لم تكن الكلمة العربية الجديدة مطاوعة، وكانت بلفظها الأجنبي أكثر مطاوعة كان إدخال الأجنبي المطاوع أفضل من العربي النابي العصي". وبعد أن يطلق أبو شقرا هذه الدعوة نجده يحترز من فتح الباب على مصراعيه للألفاظ الأعجمية فيقول: " إني لا أقول بأن تدخل الكلمات الأجنبية كيفما اتفق، بل إني من المتشددين في هذا الأمر، ولكني أرى أن نفتح الباب للكلمات التي تطاوع مقتضيات اللغة وتخضع لقواعدها.
ويذهب عباس حسن إلى قريب مما يدعو إليه شقرا، حين يدعو إلى تعريب ما تدعو إليه الحاجة القوية، وتجنب التعريب المطلق، بل قصر ذلك على تعريب الأعلام، وبعض المصطلحات، وأسماء الأجناس وأشباهها.
ويعقد عباس حسن مقارنة بين الجهود القديمة التي قامت في تعريب العلوم الأجنبية وبين ما تواجهه الأمة في العصر الحديث. ويذهب إلى أنه من الخطأ، بل الخطر أن نأخذ بأقوال العلماء القدماء في حياة تختلف عن حياتهم، وفي حاضر علمي لا يمت إلى الماضي إلا بأوهى صلاته، وأن القدماء لو واجهتهم الحضارة بهذا الزخم من المصطلحات لاجتهدوا أن يوفّقوا بين أحكامهم، وبين الحياة المحيطة بهم.