2- اللفظ: ويقصد به اللفظ الذي يتم اختياره لحمل دلالة المفهوم الطارئ وضعاً وترجمة. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه عند اختيار اللفظ (المصطلح) للإشارة إلى مفهوم محدد لا بد أن يتحقق في هذا اللفظ أمران:
1- ألا تجانب دلالة المصطلح اللفظية مفهومه العلمي، وهو ما يعبر عنه بالدقة العلمية.
2- ألا تجانب دلالة المصطلح الاصطلاحية دلالته اللغوية، وهو ما يعبر عنه بالدقة اللغوية؛ أي أن يؤدي المصطلح المفهوم العلمي المقصود، وأن يكون هذا المصطلح سليماً من الناحية اللغوية مبنى ومعنى .
من جهة أخرى فإنه لا يشترط في اللفظ الذي نختاره للدلالة على مفهوم ما أن يستوعب كل صفات المفهوم، بل يمكن اختيار اللفظ لأدنى ترابط بين هذا اللفظ والمفهوم الذي يحمله. وقد رأينا قديماً أن العلماء كانوا يقسمون الموضوع الواحد إلى أجزائه وربما اختلفت نظرتهم في اختيار اللفظ المناسب لكلِّ جزء من هذه الأجزاء على نحو ما نجده في تقسيم الأفعال؛ إذ نجدها تنقسم إلى ماض ومضارع وأمر بدلاً من تقسيمها إلى ماض وحاضر ومستقبل مثلاً، فقد لجأ واضع المصطلح إلى اختيار اللفظ الأول باعتبار دلالته الزمنية وترك هذه الدلالة في القسم الثاني لينظر إليه باعتبار مشابهته للاسم في قبوله للإعراب، ثم ترك هذه الدلالة مرة ثالثة لينظر إلى القسم الثالث باعتبار المعنى المتحصل منه فيطلق عليه لفظ (فعل الأمر).
ومع هذا لا بد أن يمتلك اللفظ الذي نختاره أسباب بقائه فلا يتناقض في أحد وجوهه مع المفهوم الذي خُصِّصَ لحمله، ولا بد أن يكون مستساغاً لدى الفئة المستخدمة لهذا اللفظ، وألاَّ يخرج على الإطار العام الذي تسير وفقه الألفاظ الأخرى التي تنتمي إلى مجال الموضوع الذي يدخل فيه.
ومما يعطي اللفظ قوة؛ سهولته وصدوره عن مؤسسة، أو فرد له شأنه في العلم الذي يوضع فيه. ويدخل في اختيار اللفظ أمور أخرى؛ نحو مدى إيجازه، فربما يبدأ اللفظ بصورة تركيب، ثم يبدأ بالتضاؤل والتحول ليصل إلى كلمة أو تركيب من كلمتين، وقد رأينا مثل هذا الصنيع في بدايات العمل اللغوي العربي إذ وجدنا عدداً من الألفاظ عند سيبويه بصورة تركيب ثم بدأت تتقلص إلى أن وصلت إلى الصورة التي نراها اليوم.
3. الحد أو التعريف
جاء في معنى الحد في معجم العين:" فصل ما بين كل شيئين حد بينهما، ومنتهى كل شيء حده… وحدود الله هي الأشياء التي بيّنها، وأمر أن لا يتعدى فيها" وعرّفه السكاكي بقوله:"الحد عبارة عن تعريف الشيء بأجزائه، أو بلوازمه، أو بما يتركب منهما، تعريفاً جامعاً مانعاً، ونعني بالجامع كونه متناولاً لجميع أفراده؛ إن كانت له أفراد، وبالمانع كونه أبيًّا دخول غيره فيه. فإن كان ذلك الشيء حقيقة من الحقائق مثل حقيقة الحيوان والإنسان والفرس، وقع تعريفاً للحقيقة، وإن لم يكن؛ مثل: العنقاء، وقع تفصيلاً للفظ الدال عليه بالإجمال. وكثيراً ما نغير العبارة، فنقول: الحد هو وصف الشيء وصفاً مساوياً، ونعني بالمساواة، أن ليس فيه زيادة تخرج فرداً من أفراد الموصوف، ولا نقصان يدخل فيه غيره" .
وقد كثر في العصر الحديث استخدام لفظة "التعريف" في مقابل لفظة الحد، مع أنهما اسمان لمسمى واحد. وقُدّم له عدة تعريفات في الكتب، والمعاجم، والموسوعات المتخصصة. فيعرّفه عبد الرحمن بدوي بقوله:" التعريف Definition)) ويسمى أيضاً في كتب المنطق العربية القديمة: القول الشارح، هو مجموع الصفات التي تكوّن مفهوم الشيء مميزاً عما عداه، وهو إذن والشيء المعرَّف سواء، إذ هما تعبيران؛ أحدهما موجز، والآخر مفصل عن شيء واحد بالذات" .
والتعريف عند هيلموت فيلبر صيغة لفظية تصف مفهوماً ما، بوساطة مفاهيم أخرى ذات علاقة مميزة عن غيره من المفاهيم التي تقع في مجاله وتحدد موقعه من المنظومة المفاهيمية.
ثمة أمور ينبغي توافرها في التعريف المصطلحي؛ أبرزها:
1. تحديد المجال المعرفي للمصطلح.
2. تحديد علاقة المصطلح بالمصطلحات الأخرى المتعلقة به.
3. تعريف المصطلح مفهوميًّا.
4. الانطلاق من المفهوم لتحديد المصطلح، وليس من المعنى العام، أي البدء بتعيين المفهوم لتسمية مصطلح ما.
من هنا يتضح أنه لا بد عند التعامل مع المصطلحات من التفريق بين التعريف المصطلحي والتعريف اللغوي العام، وتقديم الأول (التعريف المصطلحي)؛ لما يتسم به من دقّةٍ وإيجاز.
أما وسائل تقديم التعريف؛ فإننا نجد أن علماءنا القدماء اختاروا أكثر من وسيلة لتقديمه بها فإما أن يقوموا بوصفه بالخصائص التي يتميز بها؛ كأن نعرّف الفاعل مثلاً بقولنا: هو الاسم المسند إليه فعل، على طريقة فَعَلَ أو شبهه وحكمه الرفع. وإما بذكر عناصره، وأقسامه، وعمله، نحو تقديم ابن عقيل للحروف الناسخة بقوله:"وهي ستة أحرف: إنّ، وأنّ، وكأن، ولكن، وليت، ولعل".
ثم يقول:" وهذه الحروف تعمل عكس عمل كان فتنصب الاسم وترفع الخبر". وقول سيبويه:"الكلم اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل". وربما عرفت المصطلحات بالتمثيل؛ نحو قول سيبويه في تعريف الاسم:"الاسم رجل وفرس وحائط" .
ولم تخرج طرق التعريفات الحديثة عن الأساليب القديمة، بل ربما قلصت من الطرق القديمة. فها هو فيلبر يشير إلى وسيلتين فقط للتعريف وهما:
1- التعريف بتخصيص دلالة المفهوم، ويتضمن هذا النوع من التعريف تقديم المفهوم بمجموعة المواصفات الخاصة به. وهذه الوسيلة تظهر في تعريف سيبويه للفعل بقوله:" أما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء، وبنيت لما مضى، ولما يكون ولم يقع، وما هو كائن لم ينقطع " .
2- التعريف بذكر عناصر المفهوم. ويتضمن هذا النوع من التعريف تقديم المفهوم بذكر عناصره، وفروعه التي يتكون منها. وهذه الوسيلة استخدمها سيبويه أيضاً بقوله: (الكلم: اسم، وفعل، وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل) .
وسائل بناء المصطلح في العربية:
تقدم بيان أهمية المصطلح في التواصل بين العلماء والباحثين، وضرورة إيجاد لفظ موجز يشير إلى مفهوم محدد، ويتعارف مستعملوه على دلالته بالتعريف الذي يقدم به. وهنا ربما كان من المجدي ذكر وسائل القدماء في بناء المصطلح العربي قبل الولوج إلى الحال في العصر الحاضر.
أولاً:- بناء المصطلحات في التراث العربي:
تعددت مناهج القدماء في تقديم مصطلحاتهم، فربما قدموها بصورة تعريف، ثم يبدأ هذا التعريف بالتقلص إلى أن يستقر للمفهوم لفظ موجز دال عليه. وليس هذا موضع تركيزنا؛ إذ ليس الغرض من البحث النظر في الصورة التي قدم عليها المصطلح موجزاً أم مطولاً، لفظاً مختصراً، أم مفهوماً، أم تعريفاً. ولكننا نود الإشارة إلى المنهجيات التي اتبعوها في اختيار الألفاظ الدالة على هذه المفاهيم. وأبرز هذه المنهجيات:-
1- النقل:- أو ما يمكن أن يسمى (المجاز). وقد أشار عبد القاهر الجرجاني إلى دلالة هذا المصطلح بقوله:" كل كلمة جزت بها ما وقعت له في وضع الواضع إلى ما لم توضع له؛ من غير أن تستأنف فيها وضعاً لملاحظة بين ما تجوز بها إليه، وبين أصلها الذي وضعت له في وضع واضعها فهي مجاز".
وقد شاعت هذه المنهجية في اختيار المصطلحات المناسبة لحمل ما يستجد من مفاهيم؛ على نحو ما نجده في تقديم ابن جني لمصطلح البناء، ومصطلح النحو، ومصطلح الفقه، ومصطلحات أخرى. فهو يقول في تقديم مصطلح البناء مثلاً:" هو لزوم آخر الكلمة ضرباً واحداً من السكون أو الحركة لا لشيء أحدث ذلك من العوامل. وكأنهم إنما سموه بناء لأنه لما لزم ضرباً واحداً فلم يتغير تغير الإعراب، سمي بناء من حيث كان البناء لازماً موضعه، لا يزول من مكان إلى غيره، وليس كذلك سائر الآلات المنقولة المبتذلة كالخيمة والمظلة ونحو ذلك. وعلى أنه أوقع على هذا الضرب من المستعملات المزالة من مكان إلى مكان لفظ البناء، تشبيهاً لذلك من حيث كان مسكوناً وحاجزاً، ومظلاً بالبناء من الآجر والطين والجص".