على أن عصر النحو العبري الحق لم يبدأ إلا في أوائل القرن الحادي عشر الميلادي في الأندلس، التي يعود إليها غالبية المؤلفات النحوية العبرية لذلك العهد؛ كما أن هذه المؤلفات جمعيها، في إسبانيا وفي غيرها من البلدان، كتبت بالعربية. كما اكتملت في هذه الفترة، التي تمتد حتى حوالي منتصف القرن الثاني عشر، الدراسات النحوية التي شملت عبرية التوراة بجوانبها المختلفة كافة. ومن أول الأسماء التي لمعت في هذا العصر اسم يهودا بن حيوج، الذي عاش في مدينة فاس في أواخر القرن العاشر الميلادي وأوائل الحادي عشر.
كان النحو العبري قبل ابن حيوج يتصف بالإغراق في التكهن، مع الإقلال من النظر في اللغة ذاتها لاستنباط قوانينها وقواعدها، ويعد ابن حيوج أول نحاة العبرية الذين أقاموا نحوهم على أسس علمية، مما حدا بإبراهام بن عزرا، من نحاة القرن الثاني عشر، أن يلقب ابن حيوج بإمام النحاة. ولا شك أن أهم أعمال ابن حيوج هو كشفه عن الأصل الثلاثي للألفاظ العبرية في كتابين، هما: "كتاب الأفعال ذوات اللين" و"كتاب الأفعال ذوات المثلين"، تحدث في الأول منهما عن الأفعال التي يكون أحد حروفها الأصلية حرف علة، وهي الفعل الناقص والأجوف والمثال؛ وبحث في كتابه الثاني في الأفعال المضعفة، ورد هذه وتلك، كما ردّ غيرها من الأفعال والألفاظ العبرية، إلى أصل ثلاثي. ومرة أخرى نجد المصادر تُجمع أن ذلك ما كان ليتم لولا مؤلفات النحاة العرب، الذين عرفوا الأصل الثلاثي للألفاظ العربية، وأصبح من المسلم به عندهم، منذ الخليل في القرن الثامن الميلادي، أي قبل مؤلفات ابن حيوج بنحو ثلاثة قرون. والغريب في الأمر أنه بالرغم من هذا الاكتشاف المتأخر للأصل الثلاثي فإن ابن حيوج واجه موجة عنيفة من الاعتراض والاحتجاج على نظرياته، كان أبرز أبطالها دوناش بن الأبرد. وبقيت نظرية الأصل الثلاثي للألفاظ العبرية مجهولة لدى اليهود خارج الأندلس، إلى أن جاء الوقت الذي ترجمت فيه كتب الأندلسيين إلى اللغة العبرية بعد ذلك بنحو قرنين من الزمان. ورغم المعارضين فقد شاعت أعمال ابن حيوج بين نحاة اليهود، وأصبحت موضع درس عميق ونظر متفحص؛ وكتب بعضهم مدافعات عن آراء ابن حيوج، ودافع هو عن نفسه في أكثر من كتاب؛ ولعل أبرز نتائج هذه المعارك والمساجلات النحوية كان تمهيد الطريق أمام كتابة أول نحو عبري شامل، على يد النحوي اليهودي الشهير أبو الوليد مروان بن جناح، المولود في قرطبة في الثمانينيات من القرن العاشر الميلادي، فكان بذلك من معاصري ابن حيوج. وقد كان من أول مؤلفاته "كتاب المستلحق"، ألَّفه ليستدرك على ابن حيوج بعض ما فاته في مؤلفيه الآنفي الذكر، وليفنِّد بعضاً من نظريات ابن حيوج وآرائه. وقد أثار "كتاب المستلحق"، لابن جناح، موجة من التآليف لعدد من النحاة بين معترض ومؤيد؛ وقد كتبت هذه المؤلفات جميعها بالعربية، حتى أن واحداً من هذه الكتب استشهد بأبيات كثيرة من الشعر العربي. وأهم قضية دارت حولها هذه المساجلات الكثيرة كانت الاختلاف في أصل الألفاظ: أثلاثي هو أم ثنائي؟ كما أنها كانت عاملاً في إغناء النحو العبري، بتدقيق النظر في بعض موضوعاته، واستكمال أبوابه، والتعمق في دراسته.
ولا مراء في أن أعظم مؤلفات ابن جناح كان مؤلفه الموسوم "كتاب التنقيح" الذي يتألف من قسمين: "كتاب اللمع"، ويبحث في نحو العبرية القديمة، و"كتاب الأصول"، وهو معجم للغة التوراة. ويشكل الكتابان معاً أول دراسة شاملة متكاملة لعبرية التوراة، كما أنهما يعتبران، دون أدنى ريب، قمة الدراسات اللغوية العبرية في عصرهما؛ وقد كتب ابن جناح كتابه باللغة المعروفة بـ"العربية العبرية"، وهي نمط من اللغة العربية كان يكتبه يهود الأندلس العربية بالحروف العبرية.
أما عن الأثر العربي في هذا المؤلف فهو أوضح من أن يحتاج إلى بيان؛ ويبدو الأثر واضحاً جليًّا من مقدمة الكتاب حتى نهايته. إذ ينافح ابن جناح عن النحو في مقدمة كتابه، ويبين ضرورته، وأهميته للدين وفهمه ودراسته، بصورة تذكِّرنا بمقدمات كتب النحو العربي؛ كما يعلل ابن جناح تأليفه للكتاب بالعربية على أنه نابع من افتقار اللغة العبرية في ذلك العصر إلى المصطلحات النحوية اللازمة للتأليف في مثل هذا الموضوع. كما يتضح الأثر العربي أيضاً في الشرح المستفيض للأصل الثلاثي للألفاظ العبرية، الذي اقتبسه ابن جناح عن العرب دون أي شك، والذي من أجله وضع كتاب "الأصول". وبلغ الأثر العربي حدًّا جعل ابن جناح معه يلجأ إلى اللغة العربية يستمد منها الحجة والدليل، للتدليل على صحة آرائه والبرهنة عليها، لأن اللغة العربية، على حد قوله، هي أقرب اللغات إلى العبرية. ولعل خير ما يدلل على الأثر البعيد للنحو العربي في فكر ابن جناح هو تلك الثروة الكبيرة من مصطلحات النحو العربي التي استخدمها في "كتاب اللمع"، في معرض تأليفه للنحو العبري، ومن أمثلة ذلك: الاعتلال، والتصريف، والمجاز، والاشتقاق، وأقسام الكلام الثلاثة: الاسم والفعل والحرف، والفاعل، والمفعول به، والاسم بنوعيه: المفرد والمركب، والإضافة بضربيها: اللفظية والمعنوية، والتمييز، والمصدر؛ وغير ذلك كثير ازدحمت به صفحات كتاب اللمع. وبالنظر إلى ذلك كله فليس من الشطط ولا من المغالاة القول بأن كتاب اللمع هو كتاب نحو عربي، في لغته ومنهجيته ومصطلحاته وقواعده، بل حتى في أبوابه وتبويبه، سوى أن الأمثلة التي أوردها المؤلف على ذلك كله كانت من اللغة العبرية، لا من اللغة العربية.
وما قيل عن ابن جناح يقال في غيره من معاصريه من النحاة اليهود، ويكفي أن نسرد بعض المؤلفات في هذا العصر لنتصور المدى الذي تَشَبَّع به النحو العبري بالنحو العربي. فقد أَلَّف إسحق بن يشوش، في مدينة طليطلة، "كتاب التصريف"؛ ووضع موسى بن شموئيل جيقاتيلا القرطبي "كتاب التذكير والتأنيث"؛ في حين كان "كتاب حروف المعاني" من نصيب يهودا بن بلعم، الذي اشتهر في طليطلة، وأصبح من أعلام النحو العبري فيها، كما عرف بشغفه بالأدب العربي، شعره ونثره. ومن مؤلفات ابن بلعم أيضاً "كتاب الأفعال المشتقة من الأسماء"، و"كتاب التجنيس". وفي الربع الأخير من القرن الحادي عشر وضع إسحق بن بارون "كتاب الموازنة بين اللغة العبرانية واللغة العربية"، ولعل من أطرف المؤلفات في هذه الفترة المنظومة النحوية التي نظمها سليمان بن جبيرول شعراً بالعبرية، والتي تذكرنا بألفية ابن مالك الشهيرة. والذي توحي به هذه المؤلفات وأمثالها أن نحاة العبرانية لم يقلدوا المنهج العربي في التأليف النحوي وحسب، بل وكأني بهم كانوا كلما قرأوا مؤلفاً عربيًّا في اللغة والنحو بادروا إلى تقليده، وتطبيق أفكاره ونظرياته على لغتهم. ولا شك في أن التشابه الكبير بين اللغتين العربية والعبرية كان من العوامل المساعدة لهم في ذلك كثيراً، وإلا فكيف نفهم هذا التطابق بين أسماء عدد كبير من كتب النحو العبري ومؤلفات بعينها في النحو العربي؟ بل إن هناك من يذهب إلى أبعد من ذلك ليؤكد بأن بعض علماء المسلمين كانوا "يعينون اليهود على إنشاء نحو لغتهم.". فإن صح هذا الأمر، وليس فيه غرابة على أي حال، فإنه يفسر لنا هذه الظاهرة، ظاهرة التأثير والتأثر التي تكاد تكون أقرب إلى النقل المباشر، والتي لم يُعْرَف مثلها في تاريخ النحو، في أي مكان أو عصر آخر.
وهناك أمر آخر وأخير له دلالته على أهمية الأثر العربي في الدرس اللغوي العبري، وعمق هذا الأثر، وهو أن هذه النهضة اللغوية التي حققها يهود الأندلس إبان الحكم العربي لم يعرف لها مثيل بين اليهود في أقطار أوروبة المجاورة للأندلس، مثل إيطاليا وفرنسا وألمانيا، حتى في ذلك القسم الواقع تحت حكم الفرنجة من إسبانيا، حيث كانت تعيش أعداد كبيرة من اليهود. بل إن هذه الجاليات اليهودية الأوروبية لم تكد تعرف شيئاً من التأليف النحوي في اللغة العبرية، ولا تناهى إليها جانب من النظر اللغوي الذي قام في الأندلس، لجهلهم باللغة العربية التي كانت، كما رأينا، لغة التأليف عند النحاة اليهود جميعهم، إلى أن قيضت الظروف السياسية والتاريخ لبعض اليهود، من المهتمين بالنحو في الأندلس، القيام بترجمة أهم الأعمال الأندلسية في النحو العبري إلى العبرية في أغلب الأحيان، وإلى اللاتينية في بعضها الآخر.
نشأت الظروف التي أدت إلى انتشار نحاة الأندلس اليهود في أوروبة عقب ما يعرف بالفتنة البربرية (1009- 1012م) التي قضت على وحدة الأندلس، وأَدّت إلى قيام عصر ملوك الطوائف؛ ذلك العصر الذي اتسم بالتشتت والتفرق، وبالتنازع بين الممالك المختلفة، واستمر حتى عام 1492، بسقوط آخر هذه الممالك، وانتهاء الدولة العربية في الأندلس.
وقد أصاب اليهود، وحل بهم وبعلمائهم، ما أصاب المسلمين وحل بهم وبعلمائهم؛ فقد "قضت الفتنة البربرية على كثير من العلماء بالموت أو بالهجرة من الأندلس إلى خارجها"، كما "أصبحت حياة العالم أو الأديب في هذا العصر، من ناحيتها المعاشية، قائمة في الأكثر على التجوال المستمر، والاحتماء ببلاطات الأمراء". إذن فقد ارتحل بعض نحاة اليهود ليعيشوا بين أبناء جلدتهم في الأقطار الأوروبية المجاورة، وارتحل معهم نحوهم بكل سماته العربية، وأخذوا في نشره في الأقطار التي ارتحلوا إليها بالترجمة إلى العبرية أو اللاتينية حيناً، وبالتلخيص حيناً، وبالتأليف على غرار نحاة الأندلس بلغات غير العربية حيناً آخر. وهكذا يكون هذا العصر من عصور النحو العبرية امتداداً للأثر العربي وتوطيداً له، وقد خلا أو كاد من أية إضافة جديدة أو أصالة. ولعل أهم ما تميزت به هذه الفترة هو ترجمة المصطلحات النحوية العربية التي امتلأت بها كتب ابن حيوج وابن جناح، ووضع مقابلات عبرية لها، لا تزال هي المعتمدة في النحو العبري حتى يومنا هذا. كما أن كتب النحو واللغة التي ترجمت إلى العبرية في هذه الفترة ظلت منذ ذلك الحين وحتى الآن هي المثال الذي يُحتَذَي في تأليف كتب النحو العبري وتعليمها، وفي وضع المعاجم العبرية؛ كما أنها اختطت لليهود المنهج الذي يسيرون عليه في تناول قضايا النحو واللغة في العبرية. وبعبارة أخرى فإن الأثر العربي في النحو العبري ظل ثابتاً لم يتزحزح، وإن كان يبدو الآن أقلَّ وضوحاً لطول العهد به، ولما اعتراه من متغيرات وعوارض نجمت عن الترجمة، وعن اعتماد العبرية أساساً في التأليف، ولما قد يغيب عن نظر الناظر حين يتأمل في المصطلح النحوي العبري بعد أن لم يعد عربياً في لغته، وإن كان كذلك في أصوله الأولى.
ويطول بنا المقام إن نحن تتبعنا حركة الترجمة في هذا الصدد؛ لذلك سنكتفي باستعراض بعض الأمثلة نستدل بها على نوع الكتب المترجمة والمؤلفة، وما قد كان لها من أثر على الأجيال اللاحقة من مؤلفي كتب النحو العبري ودارسيها. مثالنا الأول هو إبراهام بن عزرا، ولد في مدينة طليطلة العربية الأندلسية في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، ودرس العلوم العربية والعبرية دراسة متمكنة، وقضى السنوات العشرين الأخيرة من حياته (1140-1160م) متجولاً في فرنسا وإيطاليا، وقد ألف في أثناء تجواله عدداً من كتب النحو بالعبرية؛ ولم تكن هذه الكتب في الحقيقة سوى تلخيصات ومختصرات لكتب ابن حيوج وابن جناح وغيرهما من نحاة الأندلس. كذلك قام نحوي آخر هو سليمان بن برحون بتأليف كتاب في النحو في إيطاليا، لم يكن سوى ترجمة أمينة لأفكار ابن حيوج وابن جناح إلى الدرجة التي ظن بعضهم معها أن ذلك الكتاب كان ترجمة لمؤلفاتهما. أما الترجمة فقد انصب معظمها على كتب ابن حيوج وابن جناح أيضاً، فترجمت أعمالهما أكثر من مرة في الأقطار الأوروبية المختلفة، وكان أول من ترجم المؤلفات النحوية العبرية، الموضوعة بالعربية، إلى اللغة العبرية هو الكاهن موسى جيقاتيلا. وقام إبراهام بن عزرا بالعمل نفسه في روما حوالي 1140م. وترجمت الكتب نفسها ثالثاً ورابعاً في أماكن أخرى من أوروبا، كما ترجمت بعض كتب ابن بلعم في أواخر القرن الثاني عشر.
أما عن التأليف في النحو العبري في العصر الحديث، سواء ما قام بتأليفه منها نحاة يهود، أم ما وضعه مستشرقون أوروبيون، فنكتفي بالاستشهاد في هذا المقام بما أوردته دائرة المعارف اليهودية في هذا الصدد، التي تشير إلى أن الإضافات والتجديدات التي أدخلت على النحو العبري الأندلسي كانت جزئية وبسيطة، ولذلك فإنها تمثل استمرارًا للنهج الأندلسي في التأليف والنظر النحوي، ولم يستطع المحدثون حتى الآن أن يرقوا بالنحو العبري إلى مرحلة يتخطون بها المرحلة التي وصل إليها على أيدي النحاة الأوائل في الأندلس.
هذا العرض الوجيز لنشأة النحو العبري وتطوره أغفل أسماء وتفاصيل كثيرة، لم نهملها لأنها تتناقض مع الفكرة الأساسية لهذه المقالة بل تجنباً للإطالة والتكرار، وهي جميعها إنما تؤيد بقوة السبب الذي دعانا في البداية إلى القول بضرورة التعرض إلى نشأة النحو العبري وتطوره عند التأريخ للنحو والنحاة في العربية، وإلى اعتباره جزءاً من التراث النحوي العربي؛ لأنه كُتب بالعربية وانبثق عن نحوها، وترعرع في كنفه، لا يغيِّر من تلك الحقيقة ولا يضيرها أن يكون نحواً جاءت أمثلتُه فحسبُ من العبرية، بينما جاء كل شيء آخر فيه من العربية.