عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي دور التخطيط اللغوي في خدمة اللغة العربية والنهوض بها

كُتب : [ 05-04-2016 - 07:09 AM ]


دور التخطيط اللغوي في خدمة اللغة العربية والنهوض بها
الأستاذ الدكتور فــواز عبد الحق الزبــون
عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية
جامعة آل البيت

تمهيد
الحمد لله والصلاة والسلام على النبي العربي الأمي الأمين وعلى آله وصحبه الكرام الطاهرين، اللهم اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

أهمية اللغة العربية:

اللغة العربية لغة القرآن الكريم المعجز، اختارها الله سبحانه وتعالى لتكون لغة للقرآن وما كان هذا الاختيار عبثيًّا ولا عشوائيًّا. فالعربية لغة مرنة صرفية اشتقاقية لها قوالب جاهزة على أوزان معينة كل وزن له شكل ومعنى، فمثلاً هناك وزن لغوي للمهن على وزن فِعاله، ووزن للصفة والاضطراب على وزن فعلان، ولاسم الآلة على وزن فاعول ومفعال، وغير ذلك من الأمثلة العديدة. وللتدليل على أهمية اللغة العربية اذكر دراستين أجريتا في الولايات المتحدة الأمريكية:

الدراسة الأولى: أجريت في كاليفورنيا في معهد تدريس الإنجليزية للأجانب، لمعرفة أسرع الطلبة لتعلم اللغة الإنجليزية وأن من بين العينة طلبة من البلاد العربية وأمريكا اللاتينية وأوروبا الغربية ومن اليابان والصين، وكان أسرع الطلبة لتعلم اللغة الإنجليزية العرب، وقد فسر هذا بسبب الذخيرة اللغوية العربية التي جعلت الطلبة العرب يتميزون على أقرانهم. ولقد وجد اللغويون سرًّا وراء هذا التميز حيث إن العربية في أنظمتها الصوتية والفوفولوجية والصرفية والنحوية والمعنوية والنصية خصائص غير متوفرة في كثير ضمن اللغات الأخرى، وليس في مجال للتفصيل في ذلك في هذا المؤتمر.

الدراسة الثانية: أجريت دراسة عن القوة الشفافية للقرآن الكريم في مدينة (بنماستي) بولاية فلوريدا الأمريكية في الثمانينيات من القرن الماضي. هدفت الدراسة إلى إثبات ما إذا كان للقرآن الكريم أي أثر على وظائف أعضاء الجسد وكذلك إلى قياس هذا الأثر – إن وجد – بالتغيرات الفسيولوجية الناتجة. وتألفت عينات الدراسة من أمريكيين متطوعين قسموا إلى ثلاث مجموعات: المجموعة الأولى: أُسمعوا قرآناً مرتلاً، والمجموعة الثانية: أُسمعوا عربية كالقرآن ولكن ليست بقرآن، والمجموعة الثالثة: أُسمعوا ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الإنجليزية. ولقد استعمل جهاز قياس ومعالجة التوتر المزود بالكمبيوتر الذي ابتكره وطوره المركز الطبي بجامعة بوسطن وشركة دافيكون في بوسطن، وبعد إجراء 210 تجربة على المتطوعين، أظهرت النتائج أن الذين أسمعوا القرآن المرتل كانت نسبة الشفاء 65%، وأن الذين أسمعوا عربية كالقرآن كانت نسبة الشفاء 35% وأن الذين أسمعوا ترجمة معاني القرآن باللغة الأجنبية كانت صفراً. ما يهمني في هذا البحث هو نتائج المجموعة الثانية وهي أن السماع للعربية له قوة شفائية لا بأس بها وهذا يعزى لخصائص هذه اللغة ولعظمتها. والخلاصة هنا أن اللغة التي تمكن متعلميها لأن يتميزوا عند تعلم اللغات الأجنبية، وأن اللغة التي لها قوة شفائية نفسية لهي لغة مهمة في بناء المجتمع وتنميته في كافة المناحي الاقتصادية والثقافية والسياسية والعلمية والاجتماعية.

التحديات التي تواجه اللغة العربية:

تواجه اللغة العربية التحديات التالية:

1- تنافس اللغات الأجنبية: بعد عصر العولمة أصبحت اللغة الإنجليزية اللغة الأولى التي تنافس العربية حتى بين مستخدميها وأهلها، حيث يقول روبرت كوبر: إن الإنجليزية شجرة عملاقة ضخمة تخنق كل الشجيرات الصغيرة التي تنمو بجانبها.

2- ظهور لهجات محلية محكية تستعمل للتداول اليومي.

3- ظهور لهجات هجين كتلك التي ظهرت في الخليج العربي بسبب وجود الخادمات والخدم، كلغة "طاش ما طاش" وهذه اللهجات خلطة من العاميات والعربية واللغات الأجنبية.

4- الاتجاهات السلبية نحو استعمال العربية الفصيحة في التخاطب اليومي وفي مختلف المجالات المختلفة.

5- التحدي العلمي: يزعم كثير من المتغربين أن العربية الفصيحة لا تصلح أن تكون لغة العلم والتكنولوجيا في عصر التفجر المعرفي وعصر الإنترنت القرية الكونية.

6- انصراف جيل الشباب إلى اللهجات الهجين واللهجات المحلية وعدم تفضيلهم للعربية الفصيحة.

7- عسر مناهج اللغة العربية في المدارس من حيث عدم ملاءمتها لأذواق النشء والطلبة وصعوبة النحو.

التخطيط اللغوي:

يعد التخطيط اللغوي فرعًا من علوم اللغويات الاجتماعية التي تعنى بدراسة علاقة اللغة بالمجتمع ومدى تأثر كل منهما بالآخر. ويعنى التخطيط اللغوي بدراسة المشكلات التي تواجه اللغة سواء أكانت مشكلات لغوية بحتة، كتوليد المفردات وتحديثها وبناء المصطلحات وتوحيدها، أم مشكلات غير لغوية ذات مساس باللغة واستعمالها.

يقول العالم هاوجن (Haugen, 1965:2009) إن أول من استعمل مصطلح التخطيط اللغوي هو العالم فنراخ (Weireich) عنواناً لندوة عقدت في جامعة كولمبيا عام 1957. والحقيقة أن أول من كتب بطريقة علمية في هذا العلم وألف فيه هو العالم هاوجن في مقالته الموسومة بـ: "تخطيط اللغة المعيارية في النرويج الحديث"، عام 1959م. ولقد عرف آنذاك هاوجن التخطيط اللغوي بأنه عملية تحضير الكتابة وتقنينها وتقعيد اللغة وبناء المعاجم ليستدل ويهتدي بها الكتاب والأفراد في مجتمع غير متجانس لغويًّا.
بدأ هذا العلم يظهر إلى حيز الوجود في مطلع الخمسينيات من هذا القرن، وكان أحد الأهداف الرئيسة لهذا العلم هو إبراز دور اللغة في بناء الدول بعد مراحل الاستعمار التي تعاقبت على دول العالم الثالث كما ظهر في أعمال فشمان، وفيرجسون وداس جوبتا عام 1968، تحت عنوان: "المشكلات اللغوية في الدول النامية" (Fishman, Ferguson and Das Gupta, eds. (1968) ******** Problems of Developing Nations).

كان اهتمام التخطيط اللغوي منصبًّا على معالجة المشكلات اللغوية التي نجمت عن طمس الهوية اللغوية والقومية لبعض الدول المستعمرة، حيث حلت بعض اللغات العالمية كالإنجليزية والفرنسية محل اللغات القومية، والوطنية، والمحلية. وخير مثال على ذلك ما حدث في دول إفريقية وآسية فقد تم إقصاء هذه اللغات عن أداء الوظائف المرتقبة منها. لذا كان تركيز التخطيط اللغوي على العمل الجاد والمنظم نحو إيجاد حلول مدروسة لتلك المشكلات اللغوية حسب حجمها ونوعيتها، ثم اتجهت الجهود بعـد ذلك في السبعينيات إلى مأسسة (Constitutionalized) التخطيط حيث قامت مؤسسات على مستوى دولي ووطني ومحلي لتشرف على عملية التخطيط اللغوي، كرسم السياسات اللغوية، والخطط اللازمة لتنمية اللغات وتطويرها، واختيار لغات واسعة الانتشار للتجارة والعلاقات الدولية. وبدأ ذلك الاهتمام واضحًا في كتاب روبن ويرنود عام 1971م بعنوان: "هل يمكن تخطيط اللغة"؟(Rubin & Jernudd, eds. (1971) Can ******** Be Planned?)

ولقد كان الإثبات هو الجواب وذلك من خلال المقالات التي تضمنها الكتاب. ومما يجب ذكره أن علم التخطيط اللغوي هو نتاج تضافر جهود علماء الاجتماع، والتربية، والإنسان، والاقتصاد، واللغة، والسياسة، فهو علم يقوم على نظام تكاملي (Interdisciplinary) تشترك فيه جل العلوم الإنسانية، لأنه يتعامل مع اللغة، واللغة إرث الجميع وليست ملكاً لأحد، وهكذا فلا بدّ من تضافر علوم شتى وتعاونها لإنجاح مهمات المخطط اللغوي.
ومن الجدير ذكره أن ظهور علم التخطيط اللغوي قد تزامن مع تقدم العلوم الاجتماعية والاقتصادية، مما أدى إلى تأثر علماء التخطيط اللغوي بتلك العلوم وخصوصاً تلك التي تبحث طرق تطوير دول العالم النامية وتحديثها اقتصاديًّا، واجتماعيًّا، وتربويًّا، وثقافيًّا، وعلميًّا، ولغويًّا. وهكذا نرى أن هذا التزامن أدى إلى تأثر علم التخطيط اللغوي بمعطيات العلوم المعرفية المتعددة كالاجتماع، والاقتصاد، والسياسة، والتربية، والنفس واللغويات. وليس من الغريب أن نرى هذا التكامل بين العلوم لأن مدارها هو الإنسان، وهذا الإنسان لا يستغني عن لغة يعبر بها عن أفكاره، وحاجاته، وثقافته، وحضارته. وما هدف التخطيط اللغوي إلا حل المشكلات اللغوية وغير اللغوية التي تعترض الإنسان بوصفه فرداً، والشعوب والدول بوصفها مجموعات بشرية تتفاعل بعضها مع بعض. إن الارتباط الحيوي والعضوي بين الإنسان واللغة هو الذي أعطى دراسة اللغة ومشكلاتها الأهمية القصوى الخاصة بها أو المتعلقة بمستخدميها. ومن الجدير ذكره أن الدراسات المتعلقة بالمشكلات اللغوية وحلولها في مختلف البلدان قد أفرزت أدباً جمًّا وقدمت أطراً نظرية تجعل من التخطيط اللغوي علماً له أصوله وتطبيقاته وفوائده الجمة. ولقد فصل موشي ناهير (Moshe Nahir) تطبيقات التخطيط اللغوي فيما يلي:
1- التنقية اللغوية: (******** Purification)
وتهدف جهود المخططين اللغويين في هذا المضمار إلى تنقية اللغة من الغرائب والشوائب والدخيل، ومثال ذلك ما حدث للغة الفرنسية عن طريق ما قام به مجمع اللغة الفرنسية، حيث كان الهدف هو المحافظة على هوية الشعب الفرنسي ووطنيته (Frenchness). ولتحقيق ذلك قام المجمع بتأليف المعاجم والمصطلحات لمراعاة السلامة اللغوية. وحتى تتم الفائدة قام المجمع الفرنسي بتعميم نتاجاته على المدارس والجامعات، وتم إلزامها بتنفيذ قراراته. وبعد أن فرغ المجمع من هذه المهمة، اتجه إلى تطوير المفردات والمصطلحات، وتحديثهما، وتوليدهما حتى تواكبا ركب التفجر المعرفي.
2- إحياء اللغات الميتة أو المهجورة: (******** Revival)
ومثال ذلك ما حدث للغة العبرية في الكيان الصهيوني عن طريق إنشاء مجلس لغوي تطور فيما بعد إلى مجمع لغوي أخذ على عاتقه إحياء لغة مهجورة لقرون طويلة توحد أشتات اليهود غير المتجانسين لغويًّا، ولقد تم ذلك عن طريق تدريس العبرية من خلال العبرية نفسها حيث استعملت نصوص ميسرة ومفردات مفسرة، وبعد شيوع استعمال العبرية. اتجهت أنظار المجمعيين إلى تقييس اللغة العبرية (Standardization) وتأطيرهـا (Condification) وتحديثها (Modernization)، حيث تم انبعاثها من جديد بعد قرون من الترك والهجران.
3- الإصلاح اللغوي: (******** Reform)
ومثال ذلك ما حدث للغة التركية، فلقد كانت تكتب بحروف عربية، ثم اتخذ مصطفى كمال أتاتورك عام 1927م قراراً بتتريك اللغة التركية عن طريق نقل حروفها إلى اللاتينية وتنفيذاً لهذا القرار تم إنشاء مجلس لغوي يتولى إنجاز هذه المهمة، وتم تنقية اللغة التركية جزئيًّا من اللغة العربية والفارسية، وذلك من خلال تأليف المعاجم، وتوليد المفردات، وتطويرها، وبناء المصطلحات وذلك بالتعاون بين وزارة الإعلام، والمدارس، والجامعات التركية لاستيعاب نشر ما تم تتريكه وتمثله.
4- التقييس اللغوي: (******** Standardization)
ومثال ذلك ما حصل في زنجبار في شرق إفريقية، عندما تبنت زنجبار اللغة السواحلية لغة وطنية من بين العديد من اللهجات المنتشرة هناك. ولتحقيق هذا الهدف تم إنشاء جمعية لغوية عامة، من أجل اختيار لهجة شائعة تحتل مكانة مقبولة في نفوس مستعمليها لتصبح لغة المدرسة، ولإنجاز هذا الهدف تم تأليف المعاجم وتأطير القواعد السواحلية شرق إفريقية.

5- تحديث المفردات وتطويرها: (Lexical Modernization)
ومثال ذلك ما حدث في سويسرا للغة السويدية، حيث تم إنشاء مركز المصطلحات الفنية من أجل تنسيق المصطلحات المحدثة، وتوحيد بنائها ونشرها، وتعميم استعمالها.

هذا ويرى الباحث أن هناك هدفاً سادساً للتخطيط اللغوي لم يذكره المشتغلون بهذا العلم، ألا وهو إحلال اللغات القومية محل اللغات الأجنبية ذات الانتشار الواسع في الجامعات الوطنية. ولعل التجارب التي قامت بها بعض دول العالم كاليابان، والصين، وفرنسا، وروسيا، وفيتنام، وإسرائيل، وسورية، من الأدلة الدامغة على إمكانية القيام بهذه المهمة المصيرية، وعلى ارتباط اللغة بحركات التقدم العلمي والحضاري.


رد مع اقتباس