الكاتب: أ.د . محمد بن هادي المباركي:
أورد الجاحظ في "البيان والتَّبيين" أنَّ الباهليَّ سأل أعرابياً: "ما بال المراثي أجود أشعاركم؟ فقال الأعرابي: لأنَّنا نقولها وأكبادنا تحترق". وصور بعضهم الرِّثاء بأنَّه "حزنٌ، وبكاءٌ، ولوعةٌ، وتفجُّعٌ" وسمَّاه بعضهم "جراحات القلوب". ومن أكثر ألوانه عاطفة وتأثيراً رثاء الأبناء؛ لأنَّه فقدٌ لا يُدانيه فقد، قال ابن عبد ربِّه في "العقد الفريد": "موت الولد صدعٌ في الكبد لا يُجبر إلى آخر الأمد"، وقد اختصَّت بعض المصنَّفات بالحديث عن فقد الأولاد، ومنها: "سلوة الحزين في موت البنين "لابن أبي حجلة، و "الجلد عند فقد الولد" للإمام السُّيوطي، و"ارتياح الأكباد بأرباح فقد الأولاد" لشمس الدِّين السَّخاوي.
قال ابن عبد ربِّه في فقد ابنه:
ولـي كـبـدٌ مـشـطــورةٌ فـي يَدِ الأسى
فتحت الثَّرى شطرٌ وفوق الثَّرى شَطْرُ
وتعدُّ"رائيَّة" أبي الحسن التِّهامي في مقدِّمة هذا اللون من الرِّثاء حيث بدأها بمقدِّمة حكميَّة تتصل بالموت والحياة ونظرته إلى ما يدور من الأحداث، يقول:
حُـكـمُ الـمَـنِـيَّـةِ في البَرِيَّـةِ جاري مـا هَـذِهِ الـدُّنـيـا بِـدار قَرارِ
طُبِعَت عَلى كدرٍ، وَأَنـتَ تُـريدُها صَفـواً مِـنَ الأَقذاءِ وَالأَكدارِ
وَمُــكَـلِّـف الأَيـامِ ضِـدَّ طِـبـاعِـهـا مُـتَـطَّلِّبٌ في الماءِ جَذوة نارِ
فَـالعَـيشُ نـَومٌ وَالـمَـنِـيَّـةُ يَـقِـظَـةٌ وَالمَـرءُ بَينَهُما خَيالٌ ساري
فـاِقـضـوا مـآرِبـكـم عجَـالاً إِنَّـمـا أَعـمـارُكُـم سِفـرٌ مِنَ الأَسفارِ
لقد درج القدماء كأبي تمَّام وغيره أن يفتتحوا المرثِّيَّة بالتَّوجُّع على الميِّت وتشخيص الفاجعة وبيان عظمها كرائيَّة أبي تمَّام في رثاء محمد بن حميد الطُّوسي:
كَذَا فَلْيَجِلّ الخَطْبُ وليفدح الأمرُ
فَـلَـيـسَ لِعَيْـن لـم يفض ماؤها عُذْرُ
تُــوفِّــيَّــت الآمـالُ بـعـد مـحـمـدٍ
وأصبحَ في شُغْـلٍ عن السَّفَرِ السَّفْرُ
لكنَّ أبا الحسن التِّهامي انطلق في مرثيَّته المؤثِّرة من الحكمة التي تنظر إلى الأمور بمنظار يتلاءم وطبيعة الحياة وسنن الكون التي لا ينجو منها أحد، وهو ما عمَّق الرُّؤية في إظهار صورة التَّفجُّع، وتجسيد الألم الذي حلَّ بوجدانِّه، يقول:
أَبـكـيـهِ ثُــمَّ أَقــولُ مُـعــتَــذِراً لَــهُ وُفِّــقــتَ حـيـنَ تَـرَكـــتَ أَلْأَمَ دارِ
جــاوَرتُ أَعـدائي، وَجـاوَرَ رَبَّـهُ شَـتّـان بَـيـنَ جِــوارِهِ وَجِـــواري
أَشكو بُعـادك لي، وَأَنت بَمَوضِعٍ لولا الرَدى لَسَمِعـتَ فيهِ سِـراري
أَخْـفِـي مِـنَ البُرَحاءِ ناراً مِثلَ مـا يُـخـفـى مِـنَ النارِ الـزِّنادَ الـواري
وَأُخَفِّضُ الزَفرات وَهيَ صَواعِــدٌ وَأُكَـفـكِــفُ الـعَـبَـراتِ وَهيَ جَـوارِ
لقد قدَّم الشَّاعر التِّهامي تجربته الشِّعريَّة في حُلَّة قشيبة من الخيال التَّصويري البديع، والعاطفة الجيَّاشة المتَّقدة، واللغة التي تعانق الوجدان من أقرب طريق .
ومن العجيب أنَّ التِّهامي لم ينظم في غرض الهجاء، ولمَّا سئل عن ذلك؟ قال : "لا أُسَطِّر بيدي مَثَالِبَ النَّاسِ ومَعَايِبِهم "، وقد أُعجب به المؤرِّخ الأندلسي ابن بسَّام في مصنَّفِه " الذَّخيرة في محاسن أهل الجزيرة " فقال عنه:" كان متميِّزَ الإحسان، ذَرِبَ اللسان، مُخَلىً بينه وبين ضروب البيان، يدلُّ شعرهُ على مكانته وعُلُوِّ مَرْتبته".