وفيما يلي صورة تقريبية " لجهاز النطق عند الإنسان:
[IMG]
[/IMG]
القاف وصفتا الجهر والهمس
هنالك خلاف بين اللغويين العرب القدماء، والمعاصرين في وصف القاف من حيث الجهر والهمس.
فالقدماء يذهبون إلى أنها مجهورة، والمحدثون يذهبون إلى أنها مهموسة، تنطق دون اهتزاز للوترين الصوتيين، وقد أشار الباحثون إلى عدة احتمالات لتخريج هذا التباين منها.
احتمال أن اللغويين القدماء أخطأوا في وصف القاف، ذلك لأنهم كانوا يعتمدون في وصف الأصوات اللغوية على التجربة باللسان والأذن، لا على المعامل والأجهزة، ويعلق المستشرق " شاده " Shaade على تقسيم سيبويه للمخارج ووصفها بقوله : نشاهد غاية التفصيل مثلا في تقسيمه للأسنان، وقد قسمها إلى الثنايا والرباعيات والأنياب والأضراس، ويخالف هذا التدقيق معاملته للحلق، فإن سيبويه، وإن قسمه إلى أقصى الحلق، وأوسط الحلق، وأدنى الحلق، لم يكن يعرف الحنجرة، ولا أجزاءها كالمزمار والأوتار الصوتية، وسبب هذا الاختلاف واضح، فإن الأسنان مكشوفة للرؤية، وأما الحنجرة وأجزاؤها وعملها، فتقتضي ملاحظتها التشريح، وما أظن سيبويه يجترئ عليه، … أو إلى بعض الآلات الفنّية، كمنظار الحنجرة، أو الأشعة المجهولة، ولم تكن مثل هذه الآلات بين يديه، وكفى بذلك عذرا يعتذر به عن سيبويه لعدم معرفته بالحنجرة وعملها، وإن ثبت أن الخلل المذكور في مدارك سيبويه منعه من أن يفهم بعض المسائل الصوتية، حق الفهم".
من الممكن أن هناك تطورا ما طرأ على القاف فحولها من مجهورة إلى مهموسة.
قد يكون هناك صوتان للقاف القديمة.
الأولى: هي القاف الانفجارية اللهوية المهموسة.
والثانية: هي القاف الأقصى حنكية المجهورة، وهي تشبه الجيم القاهرية في نطقها، ويرمز لها بالرمز(g).
وقد رأي اللغويون أن يصفوا واحدة منهما، هي الأصلية في نظرهم.
أما عن الاحتمال الأول، فلا أرى ذلك، وذلك لما أثبته اللغويون القدماء، من دقة بالغة، في وصف الصوامت بشكل عام، بل تجاوز ذلك إلى وصف الحركات، فالحركة الطويلة تساوي حركتين قصيرتين، وغيره، وبحثوا غير ذلك من المسائل مما يشير إلى استبعاد مثل هذا الاحتمال.
أما عن احتمال وجود صوتين للقاف في عصور الاحتجاج اللغوي، فإن هذا يذكر بتعدد الصور التي تنطبق عليها القاف، وبخاصة أنه يمكن تأصيل بعض هذه الصور:
بعض صور نطق القاف
قلب القاف همزة
تقلب القاف همزة في كثير من مدن الأقطار العربية، فهم يقولون مثلا:"الأفز"، بدلا من القفز.
ويرى بعض الباحثين أن هذه ظاهرة طارئة، ليس لها جذور تاريخية، ويرى باحثون آخرون، يسيرون على هدي المنهج التاريخي المقارن، أن هذه الظاهرة، قديمة في اللغات السامية، فالقاف تحولت في "الفينيقية" في بعض الأحيان إلى همزة، ثم سقطت، كما سقطت الهمزات الأصلية في الفنيقية.
وقد أوردت المعاجم العربية مجموعة من الألفاظ رويت مرة بالقاف، وأخرى بالهمزة، مع حمل الدلالة ذاتها، من ذلك.
" القوم زهاق مائة، وزهاء مائة "، بمعنى " قريب من ذلك".
ويقال: " زنق على عياله، وزنأ عليهم، إذا ضيق عليهم فقرا أو بخلاً " .
ويقال: تأبض وتقبض، بمعنى: شد رجليه.
وروى أبو عمر الشيباني: " الفشق: انتشار النفس من الحرص، ويقال: " تفشأ الشيء: أي انتشر ".
بيد أن تأصيل هذا القلب يمثل صعيداً لهجيًّا لا يرقى إلى مستوى المعيار، ومن ثم لا يعني التهاون في استعماله في العصر الحديث، وذلك لأن الجذور التاريخية لهذه الظاهرة تؤدي إلى لبس في الدلالة، فالقاف والهمزة (ألوفونان) في الكلمتين، ومن ثم فإن دلالتهما واحدة، أما بعض الإبدال في اللهجات الدراجة، فإنه يترتب عليه اختلاف كبير في الدلالة بين أصحاب لهجتين متباينتين بخاصة، وقد يحدث ذلك على صعيد اللهجة الواحدة، نحو: إبدال القاف همزة في كلمة "قلم وألم". إضافة إلى أن الإبدال أدى إلى ما يشبه ردة الفعل عند بعض الحريصين على التحدث بالفصحى، مما جعلهم يبدلون الهمزة الأصلية " قافا" أحيانا، كما في مثل " مقروض" بدلا من "مأروض" بمعنى قصير، لاصق بالأرض، وهي نوع من القياس على الخطأ توهماً (Hyperkorrecktform)، إضافة إلى أن هذا الإبدال في اللهجات الدراجة، يشير إلى ثنائية واضحة تفصل بين العامية والفصحى، ثنائية لا تكتفي بالتحلل من خصائص الترابط النحوي، بل تتعدى ذلك إلى نطق الأصوات.
تنطق القاف غينا، كما يشيع على ألسنة أهل السودان، فنجدهم يقولون: "الديمغرافية، علاغة، اغتصادي، يغدر " وهم يقصدون: " الديمقراطية، علاقة، اقتصادي، يقدر " وكذلك الحال في بعض لهجات قرى فلسطين (طولكرم، نابلس).
وقد قالت العرب قديما: الغَمَزُ من الناس والقَمَزُ: الرُّذال، ومن لا خير فيه، ومن ذلك قولهم: غلغل في الأرض، يغلغل غلغة وغلغالا، وقلقل يقلقل وقلقالا: إذا ذهب في الأرض، بمعنى سار في الأرض بخفة وسرعة.
تنطق القاف كافا أي " القاف اللهوية قد صارت كافا حنكية… أي بتقدم المخرج إلى الأمام.. من ذلك قولهم: " كلب Kalb في قلب، وكال في قال، وركبة في رقبة "، وذلك في بعض قرى فلسطين وسوريا وشمال الجزائر، وهي ظاهرة قديمة أيضاً فقد قالت العرب قديماً دقمة يَدْقُمُه، ودكمه يدكمه دكماً، إذا دفع في صدره.
وقيل: إمْتَقَّ الفصيل ما في ضرْغ أمِّه يَمْتقُّه امتقاقاً، ويمكتُهُ امتكاكاً، إذا شربه أجمع، وقرأ بعض الأعراب قوله تعالى: " فأما اليتيم فلا تكهر" وقد نسبت القراءة إلى بعض قبيلة بني أسد، وهي قراءة شاذة.
تنطق القاف جيما، كما يشيع في دول الخليج، كأن يقول بعضهم الجبلة بدلا من " القبلة ". وهي لهجة قديمة أمثلتها، الجص والقص " وليس الجص بعربي، وهو من كلام العجم، ولغة أهل الحجاز في الجص والقص " والجص وهو الطلاء يطلى به الحائط وغيره.
النطق بالقاف كالجيم القاهرية، ويرمز له برمز(g)، وهذا منتشر في كثير من الأرياف في الأقطار العربية، ولهذه الصورة جذور ضاربة في القدم، فقد قيل إن قبيلة تميم كانت تنطق القاف صوتاً شديداً مجهوراً، في حين أن الحجازيين كانوا ينطقونها صوتاً مهموساً، وهذا ينسجم مع بداوة تميم من حيث ميلها للأصوات المجهورة، ومع حضارة الحجاز وميلهم للنطق بالأصوات المهموسة، بل إن شيوع هذا النطق جعل بعض الباحثين يميلون:"على سبيل الاحتمال والترجيح إلى أن القاف كانت فعلاً حرفاً مجهوراً في العربية القديمة، ويمكن ان يكون نطقه مهموساً في العربية الفصحى اليوم ناتجاً عن كونه أصبح مهموساً في اللهجات الحضرية المدنية، لأن أغلبية المثقفين اليوم هم من أصل مدني" .
وقد وصف ابن خلدون نطق القاف في عصره، بأنه صوت بين القاف والكاف، فلعله قريب من صوت (g)، وإن لم يكن هو، وهو ما نسمعه إلى يومنا هذا من بعض القبائل العربية في اليمن، ومن بعض القرى في فلسطين مثل (عجّور)، ويذكر أن فقهاء آل البيت، وهم الشيعة، كانوا ينسبون هذا النطق للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه رأي يحتاج إلى دليل كما يذكر ابن خلدون.
وقد أدى هذا التأصيل التاريخي لصورة النطق هذه، إلى اعتقاد بعض الباحثين، أن اللغويين القدماء قصدوها بالوصف، وأهملوا وصف صوت القاف المهموسة، وبذلك يستقيم ترتيبهم لها بعد "الغين" " والخاء " ويستقيم وصفهم لها بالجهر، ويمكن بذلك عدها نظيراً لصوت الكاف في الموضع والانفجار، وتختلف معه في كونه صوتاً مجهوراً، وصوت الكاف مهموس.
وبذلك ينتهي الخلاف الحاصل بين وصف القدماء والمعاصرين، بيد أنه يمكن طرح التساؤلات الآتية التي تعترض هذا التصور.
1. لماذا عدّ اللغويون القدماء صوت الـ (g) هو الفصيح، ولِمَ لم يشيروا إلى الصوت المهموس البتة، في حين أن سيبويه مثلاً أشار إلى الأصوات الضعيفة، ومنها الضاد الضعيفة، وقد كان من باب أولى أن ينبه إلى وجود القاف المهموسه؟
2. إن كانت القراءة بصوت الـ (g)، هي الفصيحة، فلم لم تتواتر قراءة القرآن الكريم بها؟.
مع العلم بأن القراءات القرآنية جاءت بصوت الكاف مثلاً مكان القاف، فقد قرأ ابن مسعود والشعبي (قشطت) بالقاف، بينما قرأ بقية القراء (كشطت) بالكاف، ونسبت القراءة إلى قبيلة تميم.
ويرى بعض الباحثين أن قريشاً كانت تنطق بالقاف خالصة ومن هنا نجد أن ابن دريد كتب البيت القائل
ولا أقول لقدْرِ القوم قد نضجتْ
ولا أقول لباب الدار معقول
بالقاف تضييعاً لفوارق اللهجات.
وهناك رواية أخرى للبيت في الجمهرة بالكاف، وقيل إنها دالة على لهجة تميم، أي النطق بصوت(g) الذي يشبه الكاف الفارسية. وقد عربت في بعض الكلمات بالجيم في مثل (الكَدْكَد- الجدَجْدَ)، ومعناها " وما استوى من الأرض وأصْحَر".
يقول ابن دريد: "فأما بنو تميم، فإنهم يلحقون القاف بالكاف، فتغلظ جدًّا فيقولون؛ الكَوْم، يريدون: القوم، فتكون القاف بين الكاف والقاف وهذه لغة معروفة في بني تميم". وعلى ذلك جاءت روايته للبيت السابق.
ولا أكول لكدر الكوم كد نضجت
ولا أكول لباب الدار مكفول
وفي هذه الحالة يمكن تخريج القراءة القرآنية السابقة(كُشِطَتْ) بأنها إشارة إلى صوت ألـ (g) وقد جاءت هذه القراءة بلغة تميم، ويمكن تخريج كتابة ابن دريد للبيت السابق بالكاف على أنه تعبير عن نطق قبيلة تميم، مما يجدر ذكره أن كلاً من القاف والكاف، لا تأخذ شكلا نطقيًّا ثابتًا لدى القراء، فقد تقترب إحداهما من الأخرى.
وبتتبع صوت القاف في الساميات نجد أنه صوت انفجاري مهموس، فهو ينطق برفع مؤخرة اللسان والتصاقها باللهاة لكي ينحبس الهواء عند نقطة هذا الالتصاق، ثم يزول هذا السد فجأة مع عدم حدوث اهتزاز للأوتار الصوتية.
والصوت موجود في العبرية في مثل qol بمعنى " قول " وفي الآرامية "qala – قالا "، وفي الحبشية: qal، قال، بمعنى صوت، وهو يقابل في العربية: (قول)، وفي الآشورية، kulu – قول، بمعنى صراخ ".
وبملاحظة الصور التي نطقت عليها القاف، نجد أنها لا تخرج عن انتقال بمخرجها إلى الأمام قليلاً، كما هو في نطقها جيماً قاهرية أو كافاً، أو إلى انتقال به نحو العمق، كما هي الحال في نطقها همزة.
وربما كانت القاف الموصوفة كالصورة التي تشيع على ألسنة بعض أهل الجزيرة من أهل اليمن، وتتمثل هذه الطريقة بأن " ينطق هذا الصوت بصورة انفجارية لا احتكاك فيها، مجهورة، ومخرجه من مخرج الكاف التي تتشكل في نقطة التقاء مؤخر اللسان بأول اللهاة، من جهة منتصف سقف الحلق ومخرج القاف المعاصرة في الفصحى التي تتشكل في نقطة التقاء مؤخر اللسان (بآخر اللهاة مما يلي الحنجرة) .
أهم خصائص القاف الصوتية:
المماثلة Assimilation: المماثلة نوع من التأثر والتأثير الذي يحدث بين الأصوات الصامتة المتشابهة في الملامح والصفات، ورد في لسان العرب في معنى " مثل " يساوي " ضارع " أو شابه، والمضارعة للشيء: أن يضارعه، كان مثله أو شبهه.
ومن المماثلة تأثر القاف بالكاف، لتقاربهما في المخرج " فالقاف مع الكاف كقولك: الحَقْ كَلدِة، الإدغام من حروف اللسان حسن، وإنما أدغمت لقرب المخرجين، وأنهما من حروف اللسان وهما متفقان في الشدة" وعلى هذا أجمع القرَّاء على إدغام قوله تعالى : " ألم نخلقكم " ويمكن تحليل هذه الظاهرة فنولوجياً بـ: