عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 04-29-2016 - 06:49 AM ]


1. أسس بناء المنهج
إن الأدوار التي تلعبها اللغة العربية في عصر العولمة والتحديات التي تواجهها فيه هي الأدوار والتحديات المتعددة الأبعاد. لذلك فلا بد أن يكون المنهج المتبع لتعليم هذه اللغة وتعلمها مصممًا تصميمًا كاملًا ومبنيًّا بناءً شاملًا على عدة أسس أهمها ما يلي:
1.1. الأسس النفسية
تتعلق هذه الأسس بالجوانب النفسية التي لها أثر كبير في تعليم اللغة العربية وتعلمها للأجانب ومن ثم يجب مراعاتها في عملية بناء المنهج من جانب ويجب من معالجتها في تطبيق المنهج من جانب آخر. وثمة جوانب كثيرة تنضوي على هذه الأسس نذكر أهمها وأشدها ضرورة في عملية بناء منهج تعليم اللغة العربية وتعلمها في عصر العولمة، وهي:
- الدافعية:
وهي قوة نفسية دافعة تلعب دورًا بالغ الأهمية أثناء عملية التعليم والتعلم لدرجة أن يصدق أن أي طالب أجنبي لن يستطيع أن يتعلم اللغة العربية ما لم تكن لديه الدوافع أو الرغبة في تعلمها، ذلك لأنَّ الدوافع هي التي تدفعه إلى بذل ما لديه من طاقة عقلية وجسمية من أجل إتقانها.[5] والدافعية نوعان هما الدوافع الوسيلية (Instrumental motivations) والدوافع التكاملية (Integrative motivations). إن الدوافع الوسيلية تدفع الأجانب إلى تعلم اللغة العربية من أجل قضاء حاجات قصيرة المدى، مثل الحصول على الوظيفة الشاغرة، أو التمتع بالسياحة، أو الاستجابة لمتطلبات مقرر دراسي معين أو الحصول على درجة علمية أو اكتساب المهارة للاتصال بالكتابة المعينة، أو الاستجابة لشعائر دينية يلزمهم أداؤها بهذه اللغة. أما الدوافع التكاملية فهي التي تستحث الأجانب على تعلم اللغة العربية من أجل تحقيق أهداف أهمها: الاتصال بمتحدثي اللغة العربية وممارسة لغتهم وفهم ثقافتهم وتقاليدهم.[6] وهناك نوع آخر من الدافعية وهي الدافعية الانتمائية[7]، وهي ما يستحث الأجانب على تعلم اللغة العربية من أجل الانتماء إلى المجتمع العربي والاندماج فيه.
والجدير بالتأكيد هنا أن هذه الأنواع من الدافعية ليست أساسًا من أسس بناء المنهج فقط وإنما يجب أن تكون هدفًا من أهدافه أيضا بمعنى أن المنهج المصمم لتعليم اللغة العربية يجب أن يسعى إلى تقوية هذه الدافعيات - خاصة الدافعية التكاملية- وتوطيدها في صدور متعلمي هذه اللغة العربية. ذلك لأن من أبرز المشكلات التي يتعرض لها متعلمو اللغة العربية الأجانب هي قلة الدافعية وانعدامها نتيجة اتجاهاتهم السلبية لهذه اللغة واعتبارهم إياها بأنها لا تلبي متطلبات حياتهم في عصر العولمة.
وعملية توطيد الدافعية يمكن أن تتم من خلال المعلم أثناء عملية التعليم والتعلم وذلك عن طريق –على سبيل المثال لا الحصر- إفهام الطلاب أن تعلم اللغة العربية سوف يساعدهم على تحسين مستواهم وأوضاعهم من خلال العمل في المجالات التي تطلب إجادة اللغة العربية.[8] وتحقيقًا لذلك يجب أن تكون المواد التعليمية وطريقة تدريسها وضعت ووظفت بطريقة تثير وتوطد دافعية إيجابية لدى الطلاب لإيجاد اللغة العربية.
- الاتجاهات
يمكن تعريف الاتجاهات (Attitudes) بأنها هي حالات استعداد عقلي وعصبي نُظِّمَت عن طريق التجارب الشخصية وتعمل على توجيه استجابة الفرد لكل الأشياء والمواقف التي تعلق بهذا الاستعداد.[9] وفي مجال تعليم اللغة العربية قد تكون الاتجاهات إيجابية ومن ثَمَّ تلعب دورًا إيجابيًّا في عملية تعليم اللغة العربية وتعلمها، وقد تكون سلبية ومن ثم تلعب في أغلب الأحيان دورًا سلبيًّا في تعليم هذه اللغة وتعلمها.
واتجاهات الأجانب نحو اللغة العربية وتعليمها وتعلمها –شأن دوافعهم لذلك- يمكن وصفها بصفة عامة سلبية. ذلك لأن العولمة التي تأتي من خلال سيطرة اللغة الغربية وهيمنة الثقافات الغربية قد جعلت أبناء المسلمين يرون أن هذه الثقافة المهيمنة وتلك اللغة المسيطرة هي الخيار الوحيد الذي يمكنهم من عيشة هذا العصر بصورة أفضل، وهذا يكرس لديهم اتجاهات إيجابية نحو لغات هذه الثقافة وتكرس في المقابل اتجاهات سلبية نحو لغات الثقافات غيرها بما فيها اللغة العربية والثقافة الإسلامية حيث يعتبرون بأنها لا تلعب دورًا يذكر في فوز منافسات الحياة في العصر الحاضر.
لذلك فلا بد في عملية بناء منهج اللغة العربية من مراعاة هذه الجانب النفسي لتكون ليس أساسًا من أسس هذه العملية فقط، وإنما أيضًا هدفًا من أهدافها. لذا يجب أن تتكون بنية المنهج من عناصر تستطيع أن تكرس اتجاهات إيجابية لدى الأجانب تجاه اللغة العربية وتعليمها وتعلمها. ويمكن أن يتم ذلك من خلال إدماج في محتوى المنهج ما يبرز صورًا تستحق التقدير وتثير الاهتمام من اللغة العربية وثقافتها.
2.1. الأسس اللغوية
تتعلق هذه الأسس بالجوانب اللغوية التي يجب أن يتمحور حولها بناء منهج تعليم اللغة العربية. وهذه الجوانب كثيرة ولعل أهمها دورًا لإنجاح تعليم اللغة العربية في عصر العولمة ما يلي:
- الجانب الاتصالي
إن كون اللغة وسيلة للاتصال أوضح من أن يناقش. فاللغة يستخدمها الإنسان للتعبير عن أفكاره وأغراضه تحقيقًا للاتصال. بل إن اللغة تتكون نتيجة لوجود رغبة الإنسان كمخلوق اجتماعي في قضاء حاجاته للاتصال.
ويعني هذه الطبيعة الاتصالية للغة في مجال تعليم اللغة العربية أن يتكون المنهج مما يمكن الطلاب من التواصل بهذه اللغة بشتى أشكال الاتصال في مواقف مختلفة.
والتركيز على هذا الجانب الاتصالي في وضع منهج تعليم اللغة العربية ضروري لسببين: أولا، أن هناك دراسات دلت على أن المنهج الذى يفصل تعلم اللغة وتعليمها من طبيعتها الاجتماعية (طبيعة اتصالية) لن يحقق نتائج مرضية.[10] وثانيا، أن هناك اتجاهات سلبية عامة لدى الأجانب في تعليمهم وتعلمهم اللغة العربية وهي أن يتعلموا هذه اللغة ليست لأغراض اتصالية وإنما لأغراض دينية وهي تعليم العربية وتعلمها كوسيلة لفهم النصوص الدينية. ويترتب على ذلك تدني القدرة اللغوية الاتصالية لدى الأجانب على استخدام اللغة العربية اللغة مما يؤدي إلى قلة استخدامها اتصاليًّا في الدول الأجنبية خاصة في الوقت الذي نجح مجال تعليم اللغات الأجنبية الأخرى وفي مقدمتها الإنجليزية في تنمية المهارات الاتصالية بين متعلميها.
إن تعلم اللغة العربية من أجل الأهداف الدينية ليس عيبًا بكل التأكيد إلا أن التركيز البالغ عليه يحرم المتعلمين الأجانب من إجادة اللغة العربية بصورة كاملة وشاملة وذلك لانحصار اهتمامهم على النحو والترجمة واستهانتهم بمهارات استخدام اللغة مثل مهارة الكلام والكتابة بوصفهما وظيفتين اتصاليتين أساسيتين أساسية للغة العربية. إلى جانب ذلك إن تعليم اللغة العربية وتعلمها على مثل هذا الاتجاه لا يتماشى مع وظائف مستجدة للغة العربية في عصر العولمة بوصفها لغة أجنبية التي لا ينحصر استخدامها على المجال الديني فقط، وإنما قد توسع استخدامها لتكون لغة اتصالية في كل مجالات الحياة مثل المجالات الأكاديمية، والسياسية، والثقافية، والدبلوماسية، والسياحية، والصحافية، وغيرها من المجالات.
لذا فالتركيز على هذا الجانب الاتصالي في تعليم اللغة العربية –مرة أخرى- ضرورية للغاية. وتحقيقًا لهذا يجب أن يكون محتوى المنهج مشتملًا على المواد الاتصالية للغة العربية بشتى ألوانها. وهذا المحتوى يجب أن يكون تقديمه على المستوى التعليمي من خلال الطرائق، والأساليب، والوسائل التي تتبنى مدخلًا اتصاليًّا، وكل ذلك يتم في ضوء ما يعرف بعملية "تعليم اللغة اتصاليًّا"، وهي عملية جعل الكفاية الاتصالية ((communicative competence هدفًا رئيسًا من تعليم اللغة تعلمها [11]
- الجانب الثقافي
تقوم بين اللغة والثقافة علاقة وطيدة ترجع إلى عدة أسباب أهمها: أولاً، أن اللغة تربط بين الثقافة وأبنائها.[12] فالطفل يكتسب ملامح ثقافة بيئته من خلال اللغة. وثانيـًا، أن اللغة تنقل الثقافة إلى خارج حدودها،[13] واللغة لا تكسب الثقافة لأبنائها فقط بل تنقلها من شعب إلى شعب ومن جيل إلى آخر. وهذا يعني أن تعليم أية لغة وتعلمها لا بد أن يتم في إطار ثقافتها، وإلا فلن ينجح.
ولكنه من الأسف الشديد أن هذا الجانب الثقافي هو أكثر ما يهمل في مجال تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها وذلك نتيجة رؤية أحادية الجانب بأن الثقافة الإسلامية التي يتم في إطارها تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها هي الثقافة الإسلامية السائدة في الدول العربية فقط دون غيرها من ثقافات الشعوب الإسلامية في الدول الأجنبية. وهذا يخالف تمام المخالفة مفهوم الثقافة الإسلامية التي تعني المعتقدات والمفاهيم والمبادئ والقيم وأنماط السلوك التي يقرها الدين الإسلامي متمثلًا في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ومن ثم فإنَّ هذه الثقافة تقتصر على المجتمعات الإسلامية بغض النظر عن المكان والزمان".[14] كما يخالف طبيعة اللغة العربية التي ترتبط بثقافة الناطقين بها بصفة خاصة، وبثقافة الناطقين بغيرها من الشعوب الإسلامية بصفة عامة ارتباطًا عضويًّا يصعب معه أن يحدث الانفصال بينهما.[15]
وينتج من ذلك عدة أمور لعل أوضحها وأخطرها انحصار مواد تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها على الموضوعات حول الثقافة العربية الإسلامية، مما يجعل هذه المواد غريبة إلى حد كبير بالنسبة للناطقين بغير العربية وتجعلهم يشعرون بأن اللغة العربية لا تخدم احتياجات للاتصال بهذه اللغة في إطار بيئتهم وثقافتهم المحلية.
لذلك فلا بد من مراعاة هذا الجانب الثقافي في بناء منهج تعليم اللغة العربية خاصة في اختيار محتواه وتنظيمه لكي تقدر هذه اللغة بما تحمله من القيم الثقافية الإسلامية على مواجهة تحديات العولمة. لأن تعليم اللغة وتعلمها في هذا العصر يعني تعليم وتعلم ثقافتها وانتشار اللغة يعني انتشار ثقافتها. فليس علينا أبناء هذه اللغة في مواجهة هيمنة الإنجليزية والثقافة الغربية إلا تحبيب هذه اللغة القرآنية إلى أبناء المسلمين وغرس قيم ثقافتها الإسلامية في صدورهم لكي يستطيعوا مواجهة تيار العولمة بهويتهم الخاصة وهي الهوية اللغوية العربية والثقافية الإسلامية.
- الجانب التكنولوجي
إن تعليم اللغات الأجنبية في ضوء اتجاه العولمة يتآزر مع التطورات التكنولوجية. وذلك على أساس الفرضية أن التطورات التكنولوجية تأتي دائما لتلبية احتياجات الإنسان، فاللغة بوصفها حاجة من حاجات الإنسان الأساسية لا بد أن تواكب كل تطور من هذه التطورات التكنولوجية. فالاتصال اللغوي في شتى أشكالها يتم اليوم مستعينًا بكل أنواع الآلات التكنولوجية الحديثة. وكذلك في مجال تعليم اللغة حيث أصبحت عملية تعليم اللغة وتعلمها توظف كل أنواع التكنولوجية مما يجعلها أكثر فعالية.
ومن الأسف أن مجال تعليم اللغة العربية لم يستفد بصورة مرضية من هذا التطورات التكنولوجية. بل إن الاستفادة من التكنولوجية لم تكن مما يراعي في عملية بناء المنهج بحيث تنبني العملية على عدة أسس لم تكن الأسس التكنولوجية منها. ومما يترتب على ذلك تخلى عملية تعليم اللغة العربية وتعلمها من الاستعانة بالوسائل التكنولوجية الذي يؤدي بدوره إلى شيئين: عدم فعالية عملية التعليم والتعلم ذاتها من جانب، وتدني مهارة الطلاب على استخدام التكنولوجية في التواصلي اللغوي من جانب آخر. ذلك إلى جانب أن هذه المشكلة تؤثر سلبيًّا على أداء المعلمين حيث أشارت العديد من الدراسات أن أغلبية المعلمين لا يجيدون استخدام الوسائل التكنولوجية التعليمية، وإن أجادوها لا يرغبون في الاستفادة منها في عملية تعليمية. هذا كله على حساب اللغة العربية نظرًا لأن العولمة اللغوية في هذا العصر تتماشى مع العولمة التكنولوجية مما يعني أن اللغة التي لا تواكب التطورات التكنولوجية ستكون معزولة من ديناميكيات عصر العولمة.
لذلك فمن الضرورة بمكان الاهتمام باستخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة في تعليم اللغة العربية وتعلمها لكي تزيد العملية نفسها فعالية ولكي يتدرب الطلاب الاتصال اللغوي مستخدمين الوسائل التكنولوجية الحديثة. وتحقيقا لذلك فلا بد من توفير كل أنواع الوسائل التكنولوجية التعليمية في مراكز تعليم اللغة العربية وتدريب المعلمين على استخدام هذه الوسائل في عملية التعليم.

رد مع اقتباس