عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 6 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 04-28-2016 - 12:25 PM ]


ولا يقتصر الأمر على فواتح السور، فهناك ألفاظ أخرى تعدد تفسيرها لغموضها، وقاد ذلك إلى تعدد في التحليل النحوي. قال تعالى:[ وَأَصْبَحَ الَّذِيِنَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ باْلأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يشاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ] . اختلف في تفسير " ويكأن "، وقاد ذلك إلى تعدد في التحليل النحوي فقد ذهب الخليل إلى أنها كلمتان هما " وي " اسم فعل يراد به التندّم، و " كأن " الداخلة على الجملة الاسمية، و" الله " اسم " كأن ". وعن يونس (ت182هـ) أن الأصل " ويلك "، حذفت اللام، والكاف في موضع جرِّ بالإضافة، وهي كلمة يراد بها التحزّن، و " أنّ " وصلتها على إسقاط الجار، وهنالك فعل مضمر، والأصل: ويلك أعجبُ لأنّ الله، وعن الأخفش (ت210هـ) أنّ الأصل:"ويك" " أنّ" ، و " ويك " اسم فعل والكاف حرف خطاب، والأصل: ويك أعلم أنّ الله. وعن أبي زيد الأنصاري (ت215هـ) أن " ويكأنّ " كلمة واحدة معناها " ألم ترَ أنّ ". وهناك أوجه أخرى فسّرت بها هذه الكلمة نكتفي بما عرضنا، ومن ثم نلاحظ أن هذا التعدد نتج بسبب غموض معنى اللفظ.

يتبين لنا مما تقدّم أن معطيات السياق الغائبة والحاضرة وظاهرة الغموض تعد من أهم الأسباب التي تجعل الكلام يحتمل غير معنى، وأن تعدد الفهم الذي يحدث نتيجة لهذه الأسباب يقود إلى تعدد في التحليل النحوي، وذلك لأن العناصر النحوية ما هي إلا معان جزئية، تسهم مع عناصر أخرى في تشكل المعنى الدلالي العام فتؤثر وتتأثر.

رابعاً- الاجتهاد:

مرّت بنا أسباب ثلاثة لظاهرة التعدد، هي الخروج على القاعدة، وطبيعة اللغة، والمعنى. وهناك سبب رابع أغنى الظاهرة هو الاجتهاد، وهذا الاجتهاد قد يولد أوجهاً جديدة في القضايا التي تحتمل التعدد من خلال الأسباب المذكورة، فيغني الظاهرة بما لم يكن من قبل إضافة إلى ما كان سابقاً. وقد يكون ما أُضيف قويّاً، فيلغي ما تقدّم أو يضعّف ويرجّح، أو يكون لا يختلف عما قبله من حيث القوّة والضعف، فيبقي وجهاً من الأوجه التي تحتملها الظّاهرة، أو يكون ضعيفاً نابعاً من اجتهاد قاصر، فيبدو مستغرباً مستهجناً حتى يتلاشى بالنسيان. وقد يولّد الاجتهاد وجهاً فيما لا يحتمل التعدد، فيضيف وجهاً صحيحاً يلغي آخر خاطئاً تقدّمه، أو يحدث خلاف ذلك، فيكون الاجتهاد قاصراً خاطئاً غايته حبّ الإضافة فيما لا يحتمل التعدد، فيموت الوجه الذي أُضيف مع الأيام، ويبقى ما تقدّمه.

ويبدو أنّ معظم القضايا التي تحتمل التعدد وتقبل الإضافة بالاجتهاد هي تلك التي خرجت على القاعدة، أو التي أدّى إليها التعدد في فهم المعنى، ويلحظ المتتبع أنه بعدما انتهى جمع المادّة وأسّست الأصول وجرّدت معظم القواعد بدأ النحاة يعيدون النّظر في قضايا النحو وشواهده، ولا شك أنّ كلاًّ منهم ينطلق في أثناء ذلك من زادٍ معرفي وانتماء مدرسي يختلف عنه عند غيره، إضافة إلى حبّ التميّز الذي تغذّيه أمور عديدة، فكان أن وقفوا عند كثيرٍ من الشواهد التي خرجت على القاعدة وتحتمل التعدد، فولّدوا أوجهاً جديدة تجيز ما سبقها من أوجه أو ترفضه، فتشعب بذلك التعدد في القضية الواحدة، وكثرت الأسس المعتمدة، وطال الحوار والجدل بالتعليل والأخذ والرّد وغيره. ومن ذلك مثلاً ما جرى في تحليل " ما " من " بئسما " الذي خرج على قاعدة الإسناد، كما في قوله تعالى:[ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِه أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بمَا أَنزَلَ اللَّهُ بغياً أنْ يُنزّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاُء مِنْ عِبَاده] . عن سيبويه أنّها معرفة تامة في موضع رفع فاعل "بئس "، والتأويل: بئس الشيء. عن الكسائي أنها معرفة ناقصة موصولة في موضع رفع فاعل، والتأويل: بئس الذي اشتروا به أنفسهم أن يكفروا. وعنه أيضاً أنها مصدرية، فتكون وصلتها في موضع رفع. وعنه أيضاً أنّ " ما " في موضع نصب على التمييز، وثَمّ "ما " أخرى محذوفة موصولة هي المخصوص بالذم، أي بئس شيئاً الذي اشتروا به أنفسهم، وجملة " اشتروا " صلة لـ " ما " المحذوفة لا موضع لها، فاعل بئس مضمر تقديره " هو " يفسّره ما بعده. ويتشعب التعدد بالاجتهاد، فعن الفرّاء أنّ " ما " مع " بئس " ركّبت فصارت كلمة واحدة، وبذلك لا موضع لها من الإعراب. ثم يضيف الأخفش رأياً جديداً، إذ يروى عنه أنّ " ما " نكرة ناقصة في موضع نصب على التمييز، والجملة بعدها صفة لها، وفاعل " بئس " مضمر مفسّر بـ " ما "، والتقدير: بئس هو شيئاً اشتروا به أنفسهم، و " أن يكفروا " هو المخصوص بالذم. ثم تُضعَّف بعض الأوجه المذكورة وتولّد أخرى لم تكن من قبل، فقد ذُكر عن ابن عطيّة أنّه ضعّف الوجه المنسوب إلى الكسائي الذي يقول: إن " ما " مصدرية، والتقدير" بئس اشتراؤهم، وذلك لأنّ " بئس " لا تدخل على اسم معين يتعرف بالإضافة إلى ضمير. ثم يضيف أبو حيان أن الكسائي في هذا الوجه قد يريد أن " ما " وصلتها المخصوص بالذم والفاعل مضمر، أي بئس اشتراءٌ اشتراؤهم، ولكنه إذا قصد ذلك فلا يجوز أيضاً، لأنّ الضمير في " به " سيعود على " ما "، و" ما " المصدرية لا يعود عليها ضمير، لأنها حرف على مذهب الجمهور، ومن ثم يرفض هذا الوجه. ويضيف أبو حيان بحسب الوجه الذي قاله الأخفش، أنه يجوز في جملة "اشتروا" أن تكون صفة للمخصوص بالذّم المحذوف، والتقدير: بئس شيئاً شيءٌ اشتروا به أنفسهم. وهكذا يحدث التوليد في المسألة التي خرجت على القاعدة، وتحتمل التعدّد.

وإذا كان الدارس يولّد ويشقق في مسائل وشواهده منطلقاً من ثقافته النحوية فإن الأمر مختلف في تناول العناصر التركيبية التي تؤثر في تحليلها معطيات السياق، من خلال فهم المعنى وانعكاسه على التحليل النحوي، لأن عملية التحليل عند كلّ نحوي تكون حصيلةً لتفاعل عنصرين، الرصيد النحوي، وفهم المعنى الذي تشير إليه معطيات السياق، وهذا التفاعل نسبيٌّ يختلف من إنسان إلى آخر، وبذلك، تتكاثر الأوجه في المسألة الواحدة مع الزمن حتى تبلغ شأواً بعيداً. من ذلك مثلاً ما قيل في تحليل الكاف في " كما " في قوله تعالى:[ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ ومِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ. أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقَّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرزْقٌ كَريمٌ. كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بالْحَقِّ وَإنَّ فَريقاً مِنَ الْمُؤْمِنينَ لَكَارِهُونَ. يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ] . اختُلف في فهم معنى الكاف وتحليلها نحوياً، فعن الكسائي أنّ التأويل: " كما أخرجك ربُّك من بيتك على كراهة من فريقٍ منهم كذلك يجادلونك في قتال كفّار مكّة "، وبذلك تكون الكاف في موضع رفع، مبتدأ، على تقدير كاف أخرى في موضع الخبر، أو يكون الكسائي أراد بتمثيل العبارة وتقدير " كذلك " تفسير المعنى وتوضيحه، فيريد أنها في موضع نصب صفة لمصدر مقدَّر. وعن الفرّاء أن ما تقدم في الآية الأولى يقتضي أن يكون أصل العبارة: امضِ لأمرك في الغنائم، ونفِّل من شئت وإن كرهوا كما أخرجك…، وبذلك تكون الكاف في موضع نصب، حالاً. ثم يعقب ابن عطيّة فيما يروى عنه على هذين الرأيين بكلام يستحسنهما. وعن أبي عبيدة أن الكاف بمعنى واو القسم، و "ما " بمعنى الذي، والمراد بها لفظ الجلالة، فتكون في موضع جرّ بالكاف، وجواب القسم جملة " يجادلونك "، والتقدير: والله الذي أخرجك من بيتك يجادلونك في الحقّ. غير أن بعض النحاة استهجن هذا الرأي، لأن الكاف لا تأتي للقسم. ويعلّق أبو حيان بأنّ أبا عبيدة ضعيفٌ في النحو. وعن الأخفش أن الكاف صفة لـ " حقّاً "، والتأويل: هم المؤمنون حقّاً كما أخرجك ربُّك. ويروى عن ابن عطيّة أنه لا تناسق في هذا التحليل. وعن الزّجّاج أنّ الكاف صفة لمصدر مقدّر، والأصل: الأنفال ثابتةٌ لله ثباتاً كما أخرجك ربُّك. وذهب الزمخشري إلى قريبٍ من ذلك، فرأى أن الكاف صفة مصدر لفعل مقدّر في قوله تعالى: " الأنفال لله والرسول "، والتأويل: "الأنفال استقرّت لله والرسول وثبتت مع كراهتهم ثباتاً مثل ثبات إخراج ربك إياك من بيتك وهم كارهون "، ورأى الزمخشري أيضاً أنه يجوز أن تكون الكاف في موضع رفع، خبراً لمبتدأ محذوف، والتقدير: هذه الحالُ كحالِ إخراجك، أي أن حالهم في كراهة ما رأيت من تنفيل القراءة مثل حالهم في كراهة خروجهم للحرب. وهناك من رأى أن الكاف بمعنى "إذ" و "ما" زائدة، والتقدير: اذكر إذ أخرجك ربُّك. ويضعف هذا أبو حيان، فيرى أنه لم يثبت أن الكاف تكون بمعنى " إذ " في لسان العرب، ولم يثبت زيادتها ههنا. وهناك من ذهب إلى أن الكاف بمعنى " على " و " ما " موصولة بمعنى الذي، والتأويل: امضِ على الذي أخرجك ربّك من بيتك. ويضعفه أبو حيان بالاستخدام والقاعدة، فيرى أنه لم يثبت مجيء الكاف بمعنى " على "، ولا يجوز حذف العائد على الموصول في مثل هذا التركيب. وبعضهم يرى أن أصل الكلام، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين، كما أخرجكم في الطاعة خيرٌ لكم، كما كان إخراجك خيراً لهم. ولعل الكاف في هذا التأويل تكون في موضع المبتدأ، والخبر محذوف. وهناك من رأى أن أصل الكلام: كما أخرجك ربُّك فاتقوا الله، وكأنه جعل الكاف في موضع المبتدأ، خبره جملة " اتقوا " المقترنة بالفاء. ويضعفه ابن عطية فيما يروى عنه لانعدام الدليل السياقي الذي يسمح بهذا الفهم. وبعضهم رأى أن الكاف في موضع رفع صفة لمحذوف، وأصل الكلام: لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم هذا وعدٌ حقٌ كما أخرجك.

ويرى أبو حيان أن هذا الوجه ضعيف، لأن المقدر لو صُرّح به لم يلتئم التشبيه ولم يحسن. وهناك أيضاً من رأى أن الكاف في موضع رفع، صفة لخبر مقدّر، والمعنى: وأصلحوا ذات بينكم ذلكم خيرٌ لكم كما أخرجك ربُّك . ولم يرق لأبي حيان هذا الوجه لكثرة التقدير، وطول الفصل بين "أصلحوا" وبين " كما أخرجك ". وبعضهم رأى أن المعنى يقتضي أن تكون الكاف في موضع رفع، صفة لخبرٍ مقدّر، على أن التأويل: قسمتك للغنائم حقٌّ كما كان خروجك حقاًّ. ويرى بعضهم أنّ المعنى يقتضي التشبيه بين إخراجين، أي إخراج ربك إياك من بيتك، وهو مكّة، وأنت كاره لخروجك، وكانت عاقبته الخير والنصر كإخراج ربك إياك من المدينة، وبعض المؤمنين كاره يكون عقب ذلك الظفر والنصر. وبذلك تكون الكاف في موضع الرفع، خبراً لمبتدأ محذوف. وذهب بعضهم إلى أنّ الكاف للتشبيه على سبيل المجاز، كقول القائل لعبده: كما وجهتك إلى أعدائي فاستضعفوك، وسألت مدداً، فأمددتك وقويتك وأزحت عللهم فخذهم الآن، فعاقبهم بكذا. ثم يخلص صاحب هذا الرأي إلى أنّ الكاف متعلقة بـ " اضربوا " التي تقدم ذكرها، ويضعفه أبو حيان لطول الفصل، ثم يضيف مضعفاً ما سبق في أوجه وذاهباً مذهباً جديداً: ومن دفع إلى حوك الكلام وتقلب في إنشاء أفانينه، وزاول الفصاحة والبلاغة لم يستحسن شيئاً من هذه الأقوال، وإن كان بعض قائلها له إمامة في علم النحو ورسوخ قدم، لكنه لم يحتط بلفظ الكلام ولم يكن في طبعه صوغه أحسن صوغ، ولا التصرف في النظر فيه من حيث الفصاحة، وبه يظهر الإعجاز. وقبل تسطير هذه الأقوال هنا وقعت على جملة منها، فلم يرق لخاطري منها شيء، فرأيت في النوم أنني أمشي في رصيف، ومعي رجلٌ أباحثه في قوله تعالى:"كما أخرجك ربك من بيتك بالحق"، فقلت له: ما مرّ بي شيء مشكل مثل هذا، ولعل ثم محذوفاً يصح به المعنى، وما وقفت فيه لأحد من المفسرين على شيء طائل، ثم قلت له: ظهر لي الساعة تخرجه، وأنّ ذلك المحذوف هو " نصرك ". واستحسنت أنا وذلك الرجل هذا التخريج، ثم انتبهت من النوم، وأنا أذكره، والتقدير، فكأنه قيل :" كما أخرجك ربك من بيتك بالحق " أي بسبب إظهار دين الله، وإعزاز شريعته، وقد كرهوا خروجك تهيباً للقتال وخوفاً من الموت، إذ كان أمر النبي صلى الله عليه وسلم لخروجهم بغتةً، ولم يكونوا مستعدين للخروج، وجادلوك في الحقّ بعد وضوحه نصرك الله وأمدك بملائكته. ودل على هذا المحذوف الكلام الذي بعده، وهو قوله تعالى: [ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُم أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ] . ويظهر أنّ الكاف في هذا التخرج المنامي ليست لمحصن التشبيه، بل فيها معنى التعليل، وقد نص النحويون على أنه قد يحدث فيها معنى التعليل…ومن الكلام الشائع على هذا المعنى: كما تطيع الله يدخلك الجنة، أي لأجل طاعتك الله يدخلك الجنة، فكأن المعنى: إن خرجت لإعزاز دين الله، وقتل أعدائه، نصرك الله، وأمدّك بالملائكة…" ونلاحظ أنّ ما ذهب إليه أبو حيان ليس بأقوى من كثيرٍ مما تقدم، لأن معطيات السياق المعتمدة، وكثرة التقدير، وكيفية التركيب الذي يقود إليه هذا الفهم تجعله ليس بأقوى من كثير مما تقدم. وبذلك يبدو أن الاجتهاد في مثل ذلك يغني ما يحتمل التعدد بأوجه كثيرة، تفوق ما يحدث فيما يخرج على القاعدة، لأن معطيات التحليل التي ينطلق منها النحوي أوسع، فهي حصيلة لثقافته النحوية وفهمه للمعنى، ولعل ما تقدم في تحليل " كما " خير دليل على ذلك.

وقد يتناول الاجتهاد بعض المسائل التي تحتمل التعدد، فيصحّح وجهاً خاطئاً تقدمه، أو يكون ما تقدمه صحيحاً ثابتاً، ولكن حبّ الإضافة يقود إلى وجهة نظر جديدة لم تكن من قبل، فيبقى بذلك الرأي المتقدم ويندثر الاجتهاد، لأن الظاهرة لا تحتمل التعدد. ومن النوع الأول تحليل جملة " يهديني " من قوله تعالى:[ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ] . ذهب بعضهم إلى أن جملة " يهديني " في موضع نصب، حال من الضمير المستتر في " ذاهب "، كما تقول: سأذهب مهدياً. غير أنه تحليل خاطئ لوجود قرينه تمنع ذلك، وهي السين التي تقتضي الاستئناف، لذلك يصحّحه ابن هشام، ويجعل الجملة استئنافية، لأنّ الجملة الحالية لا تصدَّر بدليل استقبال.

أما النوع الثاني من الاجتهاد فيما لا يحتمل التعدد فخير مثال عليه ما قاله أبو البقاء العكبري في " أيّ " الاستفهام من قوله تعالى: [ وَسَيَعْلمُ الَّذيِنَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنْقِلَبُونَ] فـ " أي " في الآية الكريمة اسم استفهام في موضع المفعول المطلق المقدّم على فعله " ينقلب "، وقُدّم، لأنه اسم استفهام، والاستفهام له الصّدارة. غير أن أبا البقاء لم يرَ ذلك، إذ يروى عنه أنّ "أيَّ : اسم استفهام، وهي صفة لمصدر مقدّر، أي ينقلبون انقلاباً أيّ منقلب. وما ذهب إليه غير صحيح لأن " أيَّ " إذا كانت استفهامية لا يوصف بها، فتلك التي يوصف بها قسمٌ برأسه، تختلف من حيث الموقع والوظيفة عن الاستفهامية والشرطية والموصولة. ومن ثم يندثر هذا الاجتهاد وأمثاله، ويبقى الرأي الأوّل الذي يقال فيما لا يحتمل التعدد.

وبذلك نلاحظ أن الاجتهاد النحوي يكون سبباً رابعاً من أسباب التعدد، فيولّد أوجهاً فيما يحتمل تغني الظاهرة بالتشعب والتفريع، ويولد أخرى فيما لا يحتمل يصحح من خلالها خطأ سبقه، وحين يكون خاطئاً يهمل وينسى.

ونخلص مما تقدم إلى أن الأسباب التي أدت إلى التعدّد تتمثل بالخروج على القاعدة، وبطبيعة اللغة، وبالمعنى، وبالاجتهاد.

وفي أثناء الوقوف عند القاعدة وما خرج عليها تبين لنا مفهوم القاعدة، وأنواعها المتفق عليه المبني على المطرد والمختلف فيه المبني على ما لم يطرد، وأن الشواهد التي خرجت على القاعدة بعضها مطرد، وبعضها الآخر غير مطرد، ويتمثل بأساليب وردت عن العرب، أو عن بعضهم، أو في القرآن الكريم وقراءاته، أو الشعر والأمثال، وأن هذه التي لم تطرد، قد يتشعب التعدد فيها، بسبب كثرة من يحللها، وتنوع القواعد التي يمكن توجيه مثل هذه الشواهد في ضوئها، وبالتأويل أو من دونه.

أما ما تمثله طبيعة اللغة فقد توصلنا إلى أنه الذي يخفي غموضاً أو قلقاً في بعض المسائل، فيقبل التعدد من غير أن يخرج على القاعدة، أو أن تؤثر فيه المعطيات السياقية.ويظهر بتجليات مختلفة، من أهمها: صلاحية الموقع الذي يشغله اللفظ لغير وجه، وتعدد معاني المبنى، أو يعود إلى قضايا تتعلق بجمع اللغة، أو يكون حصيلةً لغموض جزئي في معاني بعض العناصر، أو لصلاحية شبه الجملة للتعليق بغير عنصر، أو لتعدد المعنى المعجمي، أو لصلاحية اللفظ للإفراد والتركيب، أو لعدم معرفة أصل اللفظ.

وعندما وقفنا عند قضايا المعنى التي تقود إلى التعدد تبين لنا أن هذا التعدد قد نجده عند المفسر الواحد، فيكون نتيجة لمعطيات سياقية، ربما كانت غائبة أحياناً، كبعض عناصر المقام، أو الأداء، وربما كانت حاضرة، وهي جملة المعطيات السياقية التي تقود إلى تشكل المعنى.

رد مع اقتباس