عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 5 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 04-28-2016 - 12:24 PM ]


وقد يؤدي النص الأدبي من خلال معطيات سياقه إلى أن يجعل الكلام يحتمل أوجهاً عديدة، والمراد بالنص في هذا البحث النسيج اللغوي المدوّن والمؤلّف من سلسلة من الجمل المترابطة المنظمة التي تشكل وحدات ذات دلالات خاصة بها، تتضافر هذه الوحدات لتشكل كلاماً يؤدي هدفاً ما، وهذا الكلام هو النص.

ويطالعنا النص الأدبي من خلال معطيات السياق بغموض شفاف يجعل المعنى في بعض العبارات أحياناً يحتمل أوجهاً عديدة، وقد ينعكس هذا الأمر على التحليل النحوي ليجعل الأوجه متعددة أيضاً. قال تعالى:[ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤمِنَاتِ فَمِمَّا مَلَكَتْ أيَمانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤمِنَاتِ] . يحتمل التركيب " طولاً أن ينكح " في ظل السياق معاني عديدة تتجلى في التحليل النحوي، فقد رأى بعضهم أن المعنى: ومن لم يستطيع منكم وصلةً إلى أن ينكح، فقدر " إلى " قبل المصدر المؤول. وهناك من رأى أن " طولاً " بمعنى "مهراً "، أي مهراً كائناً لأن ينكح المحصنات، فقدر لام الجر قبل المصدر المؤول، ليجعله في موضع الصفة لـ " طولاً " وهناك من رأى أن المصدر المؤول في موضع المفعول لأجله، فقدر لام الجر بناءً على هذا الفهم، والمعنى: طولاً لأجل نكاح المحصنات. وذهب بعضهم إلى أن "طولاً " مصدر " طال "، فيقول": طلتُ الشيء إذا نلته. والمعنى: ومن لم يستطيع منكم أن ينال نكاح المحصنات، وبذلك يكون المصدر المؤول من " أن " وصلتها في موضع المفعول به لـ " طولاً ". وذهب بعضهم إلى أن " طولاً " بمعنى "قدرة"، والنكاح قدرة أيضاً، وبذلك يكون المصدر المؤول في موضع البدل من المفعول به " طولاً "، لأنهما يدلان على شيء واحد، وهو القدرة. وأجاز بعضهم أن يكون المصدر المؤول في موضع المفعول به للفعل "يستطع "، و "طولاً " إما مفعول لأجله على حذف مضاف، أي ومن لم يستطيع منكم نكاح المحصنات لعدم طول، وإما مفعول مطلق، والعامل فيه الفعل " يستطع "، لأن فيه معنى فعل المصدر " طولاً ". وبذلك يتبين لنا أن هذا الفهم للدلالات الجزئية في الآية الكريمة الذي اقتضاه المستوى الأدبي قاد إلى تعدد في التحليل النحوي.

ولا شك أن النحاة والمفسرين ينطلقون في تحليلهم النص من أمور معقدة، فردية ومكتسبة كالذوق الأدبي والمخزون الثقافي والنحوي، فتؤثر هذه الأمور في التعدد.

إذا كان المتلقي يتميز من سواه بذوقه الأدبي فإن التعدد الذي يسمح به النص الأدبي قد ينبع من هذه الخصوصية التي تتفاوت وتختلف من إنسان إلى آخر. قال تعالى:[ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُوِرِهِمْ وتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُون] . ذهب الزمخشري إلى أن الأبلغ في أسلوب الشرط الذي يبدأ بـ " لما " أن يكون محذوف الجواب لما في ذلك من الوجازة وأداء المراد، و " كأنه قيل: فلما أضاءت ما حوله خمدت فبقوا خابطين في ظلام، متحيرين متحسرين على فوت الضوء، خائبين بعد الكدح في إحياء النار ". وبين الزمخشري موقع جملة " ذهب الله بنورهم " على هذا الوجه، فيرى أنها تحتمل الاستئناف، وكأنهما بمثابة التفسير لمن يسأل ما بالهم قد أشبهت حالهم حال هذا المستوقد؟ كما تحتمل البدل من الجملة المقدرة على سبيل البيان. على حين ذهب أبو حيان إلى أن جملة " ذهب الله بنورهم " هي الجواب، وهو الذي يتبادر إلى الذهن، لأن ذهاب الله بنورهم مترتب على الإضاءة، ورأى أن تقدير الزمخشري ذهاب عما يتبادر إلى الذهن إلى أمرٍ متكلف لا دليل عليه.

ويتأثر معنى النص بثقافة المفسر، ولا سيما الذي يهتم بقضايا التركيب النحوية، فإن هذه الأخيرة تعد جملة من الأنماط التركيبية التي يحفظها، والتي يستحضرها في أثناء فهم المعنى إذا اقتضى الأمر، بصفتها قواعد يقاس عليها، ومنها المطرد والقليل والنادر والشاذ والذي لا يجوز إلا في ضرورة ونحو ذلك، فإنه عندما يتشكّل في ذهنه معنىً ما ذو مساس بالجانب التركيبي يحاكمه في ضوء معطيات السياق وهذه الأنماط، فيقيس على المطرد من هذه الأنماط ما أمكن، وإذا لم يستطع فإنه يتدرج فيما يحاول القياس عليه، وبذلك بحسب ما يقتضيه المعنى وما تسمح به معطيات السياق، وهذه أمورٌ نسبية تختلف باختلاف الناس، ومن ثم يتأثر التعدد بالتشعب والتفريع والاختلاف والرفض والتضعيف والترجيح والجواز وغيره، من ذلك التعدد الذي حدث في " إذ " من قوله تعالى: [ وَإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الحقَّ بِكَلِمِتهِِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُون. إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَاب لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلفٍٍ من ِالْمَلاَئِكَةِ مُرْدفِينَ. وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلاَّ بُشْرَى وَلِتطْمِئَنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. إِذْ يُغَشِّيكُمُ الُّنعَاس أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاء مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ اْلأَقْدَامَ] . اختلف المفسرون في معنى "إذ" وتحليلها نحوياً في "إذ يغشيكم "، فعن الطبري(ت310هـ) أن العامل فيها الفعل " تطمئن " " من " ولتطمئن به قلوبكم ". وذكر الزمخشري أنه يجوز فيها أن تكون بدلاً ثانياً من " إذ يعدكم" ، أو منصوبة بـ " النصر " من " وما النصر إلا من عند الله "، أو منصوبة بمعنى الفعل الذي تتضمنه شبه الجملة في " من عند الله "، أو بالفعل "جعل" من " ما جعله الله " أو بإضمار" اذكر ". ثم يأتي ابن عطية فيما يروى عنه، فيضعف رأي الطبري، ويوافق الزمخشري في جواز البدلية من " إذ يعدكم"، ثم يضيف أنه لو جعل العامل في " إذ " شيئاً قرنها بما قبلها لكان الأولى في ذلك أن يعمل في "إذ" حكيم، لأن إلقاء النعاس عليهم وجعله أمنة حكمة من الله عز وجل. ويرى أبو البقاء العكبري (ت616هـ) رأياً قريباً من هذا الذي ذكره ابن عطية، إذ يُروى عنه أنه يجوز أن يكون " إذ " ظرفاً لما دل عليه " عزيز حكيم. ثم يأتي أبو حيان فيروي بعض هذه الأوجه من غير موقف، ويقف عند بعضها الآخر مضعفاً بأسس مختلفة تتعلق بالقاعدة وأقوال النحاة أحياناً، وبالمعنى أحياناً أخرى، ثم يرجح وجه البدلية، الذي بدأ به الزمخشري. وبذلك يتبين لنا أن النص الأدبي جعل جملة من الاحتمالات تصلح في فهم "إذ" وتحليلها نحويّاً، وأن الدارسين اختلفوا وفرعوا في التحليل بحسب تكوين كلٍّ منهم وثقافته، وما بدا له من معطيات سياقية.

وربما تعدد فهم المعنى الذي ينعكس على التحليل النحوي بوجه آخر يختلف عما مرّ، وهو أن يكون في كلامٍ ما غموض ولا يعرف المراد منه، فيقود هذا إلى تعدّد في الفهم ينبني عليه تعدّد في التحليل النّحوي. وقد يكون هذا الأمر من غير قصدٍ من صاحب الكلام، كما في عبارات النحاة الغامضة، وقد يكون مقصوداً، كما في الحروف المقطعة وبعض الألفاظ الأخرى التي تطالعنا في القرآن الكريم.

ولعل أبرز حالات الغموض عند النّحاة تتجلى في كتاب سيبويه، إذ فيه نصوص تعاني من غموض في تحديد الحكم النحوي لما تتناول، ومن ثَمَّ يقود هذا الأمر إلى خلاف بين النحاة في فهم المراد، يتمثل بتعدد الأوجه لبعض القضايا في التحليل، قياساً على تعدد الفهم، من ذلك مثلاً حديث سيبويه عن العامل في البدل، واختلاف النحاة في فهمه، يقول سيبويه: " هذا بابٌ من الفعل يستعمل في الاسم، ثم يبدل مكان ذلك الاسم اسمٌ آخر فيعمل فيه، كما عمل في الأول، وذلك قولك: رأيتُ قومَك أكثرَهم…فهذا يجيء، على وجهين، على أنّه أراد رأيتُ أكثرَ قومك، لكنه ثنّى الاسم توكيداً…ويكون على الوجه الآخر…وهو أن يتكلم، فيقول: رأيت قومك. ثم يبدو له أن يبين ما الذي رأى منهم، فيقول: ثلثيهم أو ناساً منهم…". يشير ظاهر كلام سيبويه إلى أنّ العامل في البدل هو العامل في المبدل منه، وذلك بقوله: " فيعمل فيه كما عمل في الأوّل "، ثم يذكر في موطن آخر كلاماً يختلف عما رأينا، عندما يشرح البدل في نحو: رأيت زيداً إياه، فيقول: " واعلم أنّ هذا المضمر يجوز أن يكون بدلاً من المظهر…فأما البدل فمنفرد، كأنك قلت: زيداً رأيتُ أو رأيتُ زيداً ثم قلت: إياه رأيت…". ولعلّ ظاهر كلامه ههنا يدلّ على أنّ العامل مقدّر، لذلك نرى النّحاة يختلفون في تحديد العامل في البدل، فقد ذهب أبو حيان إلى أنّ أكثر النحاة فهموا من كلام سيبويه أنّ العامل في البدل مقدّر، وهو بلفظ الأوّل، وبناء عليه فالبدل من جملة ثانية، ويضيف أبو حيان مفسّراً قول سيبويه " فيعمل فيه": فأما قوله: "فيعمل فيه" فحلّ إشكاله أنّه لما كان العامل في البدل مقدّراً غير منطوق، وكان الظّاهر نائباً منابه في اللفظ نسب العمل إليه مجازاً…". وبعد أن يتبنى أبو حيان هذا الفهم يذكر أن بعض النحاة فهم من كلام سيبويه أنّ العامل في البدل هو العامل في المبدل منه، وليس على نيّة التكرار، ويبدو أنهم اعتمدوا ما يدل عليه ظاهر النص الأوّل، من خلال قول سيبويه " فيعمل فيه …".

ولا يقتصر الغموض في نصوص سيبويه على تحديد العامل، وإنما يتجاوز إلى قضايا الموقع الذي يشغله اللفظ في تركيب ما، فيؤدّي تعدّد الفهم لما يريده سيبويه إلى تعدّد في التحليل النحوي. ويقول سيبويه عندما يتحدّث عن التعليق عن العمل لفظاً:" هذا باب ما لا يعمل فيه ما قبله من الفعل الذي يتعدّى إلى المفعول ولا غيُرِه، لأنه كلام قد عمل بعضه في بعض، فلا يكون إلاّ مبتدأ لا يعمل فيه شيء قبله، لأنّ ألف الاستفهام تمنعه من ذلك، وهو قولك: قد علمتُ أعبدُ الله ثَمَّ أم زيد؟… وأما ترى أيُّ برقٍ ههنا؟ فهذا في موضع مفعول، كما أنك إذا قلت: عبدُ اللهِ هل رأيته، فهذا الكلام في موضع المبني على المبتدأ الذي عمل فيه فيرفعه. ومثلُ ذلك ليت شعري أعبدُ اللهِ ثّمَّ أم زيد؟ وليت شعري رأيته؟ فهذا في موضع خبر ليت، فإنما أدخلتَ هذه الأشياء على قولك: أزيدٌ ثَمَّ أم عمرو لما احتجت إليه من المعاني".

يحتمل كلام سيبويه في قوله: " ومثل ذلك ليت شعري أعبدُ اللهِ ثَمَّ أم زيد؟" أن هذا من باب التعليق أيضاً، وبذلك تكون الجملة الاسمية المصدرة بحرف استفهام في موضع مفعولي " شعري "، كما يحتمل قوله: " فهذا في موضع خبر ليت " مثالاً لما يقع موقع الخبر، فتكون شعري بمعني مشعوري، والجملة الاسمية المصدرة بأداة استفهام في موضع خبر " ليت ". ولعل فهم كلام سيبويه هو الذي دفع النحاة إلى التعدّد في تحليل مثل هذا التركيب، فقالوا: إنّ الجملة المصدرة بأداة استفهام في مثل هذا التركيب يجوز أن تكون في موضع مفعولي " شعري "، وشعري اسم " ليت "، والخبر محذوف، تقديره كون عام، كائن أو موجود، أو أن تكون " ليت " لاخبر لها، لأن المعنى: ليتني أشعر، ويجوز أن يكون " شعري " بمعنى " مشعوري "، والجملة الاسمية المصدّرة بأداة استفهام في موضع خبر ليت.

وقد يظهر الغموض عند سيبويه في اضطراب الدلالة الاصطلاحية التي يبتغيها، فيقود اختلاف فهم النحاة لتلك الدلالة إلى تعدد في التحليل النحوي. يقف سيبويه عند الواو من قوله تعالى:[ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ] . يقول سيبويه: " فإنّما وجّهوه على [أنّه] يغشى طائفةٌ منكم وطائفةٌ في هذه الحال، كأنه قال: إذ طائفة في هذه [الحال]، فإنما جعله وقتاً، ولم يرد أن يجعلها واو عطف، وإنما هي واو الابتداء". لم يوضّح سيبويه معنى الحالية للواو، فجاء تمثيله قلقاً يحتمل غير وجه، فقوله: " وطائفة في هذه الحال " تجعل دلالة الحالية محتملة، وقوله: " كأنه قال إذ طائفةٌ في هذه الحال، فإنما جعله وقتاً " يدل في ظاهره على أنها بمعنى " إذ " الظرفّية الزّمانّية، وقوله: " ولم يرد أن يجعلها واو عطف، وإنّما هي واو الابتداء "، يجعلها تحتمل الاستئناف، لتكون في بداية جملة، لذلك اختلف النحاة في الدلالة الاصطلاحية التي يبتغيها سيبويه لهذه الواو، ومن ثَّم تعددت الأوجه في تحليلها، فعن مكي أنّها واو الابتداء، ولعله يريد بها الواو الاستئنافية التي تتصدر كلاماً منقطعاً عمّا قبله. ثم أضاف أنه قيل في هذه الواو: إنها للحال، وقيل أيضاً: إنها بمعنى " إذ ". ولا يخفى أثر كلام سيبويه في هذه الأوجه، فإنّه يحتملها جمعياً. ويعقب ابن هشام بأن المراد من كلام سيبويه هو أنها واو الحال، وأن تقديرها بـ "إذ" لا يقصد به أنها بمعناها، فالحرف لا يرادف الاسم، وإنما يراد بهذا التقدير أنها وما بعدها قيد للفعل السابق، كما أنّ " إذ " كذلك، ومن ذهب إلى غير ذلك فإنه وقع في وهم . ونرى أن الأوجه التي تعددت في الواو قاد إليها كلام سيبويه، وما أضافه ابن هشام يدلّ على عمق نظره، ولكنه لا يلغي تعدّد الفهم، لاضطراب الدلالة الاصطلاحية كما تبيّن. ولعل ظاهرة الغموض التي رأيناها في الأمثلة السالفة لها أمثلة كثيرة في كتاب سيبويه.

ويواجها الغموض عند سيبويه بمظهر يختلف عما مرّ، فقد يتناول بعض القضايا بالشرح والتفسير، فيقع في بعض جمله غموض ما يقود إلى تعدد في تفسير كلامه وتحليله نحوياً. يقول سيبويه عندما يفسر ظاهرة التثنية في الأسماء :" واعلم أنّك إذا ثّنيتَ الواحد لحقته زيادتان، الأولى منهما حرفُ المدّ واللين، وهو حرف الإعراب غير متحرك ولا منون، يكون في الرفع ألفاً، ولم يكن واواً ليفصل بين التثنية والجمع الذي على حدّ التثنية، ويكون في الجرّ ياءً مفتوحاً ما قبلها، ولم يكسر ليفصَل بين التثنية والجمع الذي على حد التثنية، ويكون في النصب كذلك، ولم يجعلوا النصب ألفاً ليكون مثله في الجمع، وكان مع ذا أن يكون تابعاً لما الجرّ منه أولى، لأنّ الجرّ للاسم لا يجاوزه، والرفع قد ينتقل إلى الفعل، فكان هذا أغلب وأقوى ".

لا يتضح مراد سيبويه في قوله:" ولم يجعلوا النصب ألفاً ليكون مثله في الجمع "، ولعل الإشكال يكمن فيما يعود عليه الضمير من " مثله "، إذ يحتمل أن يكون مراد سيبويه: ولم يجعلوا النصب ألفاً للاسم المثنّى لئلا يكون مثل ذلك في الجمع، لأنّ الواو التي هي علامة الرفع في الجمع ستكون عندئذٍ علامةً للرفع والنصب. أو يكون مراده: ولم يجعلوا علامة النصب ألفاً للاسم المثنّى، وإنما جعلوها ياءً حملاً على الجرّ، لأنّه من خصوصيات الاسم بخلاف الرفع، فلم يحملوها عليه، ليكون مثل حمل النصب على الجر في الجمع. وإذا كان الاحتمال الثاني أقوى فإن هذا لا يلغي تعدد الفهم التحليل النحوي، وهو ما يطالعنا به أبو حيان، إذ يذكر أن التفسير الأوّل يقتضي تقدير " لا " النافية التي حذفها سيبويه، وهو يريد معناها، أمّا التفسير الثاني فلا يقتضي ذلك. ثم إن التعدد يحدث أيضاً في عود الضمير من " مثله " كما تبين لنا. إذن وقع التعدد بذلك في تحليل كلام سيبويه، وهو يفسر بعض الظواهر بالتعليل. ويبدو أنّ ظاهرة الغموض في عبارات النحاة بقيت شائعة بعد سيبويه، وهي في طبيعتها لا تخرج عما رأيناه ، فلا حاجة تدعو لأن نقف عند نماذج مشابهة.

وقد يحدث الغموض في فهم لفظ ما، فيقود ذلك إلى تعدد في معاني اللفظ المحتملة، ثم ينعكس على عمليّة التحليل النحوي، من ذلك مثلاً فواتح السّور، كما في قوله تعالى:[ آلم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِين] . تعدد تفسير " آلم " فبلغ شأواً بعيداً في الكثرة، وانعكس هذا الأمر على التحليل النحوي، فقيل بناء على بعض التفاسير: إن هذه الفواتح أسماء للسور بعدها، وهي بذلك تحتمل أن تكون في موضع رفع، مبتدأ محذوف الخبر، أو خبراً محذوف المبتدأ، وتحتمل أن تكون في موضع نصب، بإضمار فعل، كما تحتمل أن تكون في موضع جرِّ، على إضمار حرف القسم. وقيل بناء على بعض التفاسير: إن هذه الفواتح ليست أسماء للسور التي بعدها، وإنما هي كحروف المعجم، أوردت مفردة من غير عامل، فاقتضت أن تكون مستكنّة، كأسماء الأعداد التي ترد لمجرّد العدد، وبذلك لا محلّ لها من الإعراب. وهذا الذي عرضه أبو حيان في تعدد الأوجه لهذه الفواتح نبّه على أنّه مختصر، وأن النحاة توسّعوا وفصلوا، فتكلموا على ما يمكن إعرابه منها، وما لا يمكن، وعلى ما إذا أعرب فمنه ما يمنع من الصرف ومنه ما لا يمنع، وغير ذلك. ولا شك أن هذا التعدد في التحليل النحوي، هو حصيلة لغموض اللفظ الذي تعددت تفاسيره.

رد مع اقتباس