ولعلّ الأمر نفسه يؤدّي إليه غياب الأداء، أي الصورة الصوتّية التي يؤدّى بها الحدث الكلامي، إذ يقود هذا الأمر إلى تعدّد في فهم المعنى الذي ينعكس على عملية التحليل النحوي، ويتجلّى الأداء في ظاهرتين معروفتين، ظاهرة التنغيم وظاهرة الوصل والوقف.
يعرَّف التنغيم بأنه تنوع الأصوات الذي يحدثه اهتزاز الوترين الصوتيين، تنوعٌ يتراوح بين الارتفاع والانخفاض في أثناء النطق، وينظم علاقة الوحدات اللغوية المتتابعة في السياق ليشكل الإطار الصوتي الذي تقال به الجملة. وينقسم التنغيم إلى مرتفع ومستوٍ ومنخفض، ويبدو أن كل أسلوب نحوي يتفق مع نمط تنغيمي خاص به، فما يقتضيه أسلوب الاستفهام مثلاً يختلف عما يقتضيه أسلوب التوكيد، وكذلك في أسلوب النفي وأسلوب الندبة والتفجع وغيره . فالأساليب النحوية يقع كلٌّ منها في نمط تنغيمي خاص به.
ويظهر أن للتنغيم أثراً مهماً في تشكل المعنى الدّلالي والنحوي للعبارة، حتى إن المستمع يستطيع أن يفهم مراد المتحدث اعتماداً على التنغيم، وإن أهدر بعض القرائن المقالية، كأن يحذف أداة الاستفهام أو الصفة أو سوى ذلك .
وإذا كان التنغيم خاصاً باللغة المنطوقةفهناك أمثلة كثيرة مكتوبة، ويجيز رسمها الكتابي أن تؤدَّى بغير صورة صوتية، فيتوقف معناها الدلالي والنحوي على طبيعة أدائها، وبذلك تتعدد أوجه التحليل لهذه الأمثلة بتعدد أنماط الأداء التي تحتملها، ولعل من أبرز الأمثلة التي يتجلي فيها الأمر بوضوح تلك التي تحتمل الاستفهام والإخبار، فالتدرج التنغيمي الذي يقتضيه أسلوب الاستفهام يختلف عما يقتضيه أسلوب الإخبار، ومما جاء في ذلك بعض الأمثلة التي تحتمل تقدير همزة الاستفهام وعدمه. قال تعالى:[ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتكُونَ لِِمَنْ خَلْفَكَ آيةً] .
يتوقف معنى الآية الكريمة وتحليلها النحوي على طبيعة أدائها، إذ يحتمل أن يبدأ التدرج التنغيمي مرتفعاً، ثم يتدرج بين الانخفاض والارتفاع فيفيد بذلك معنى الاستفهام، ويحتمل أن يبدأ بنغمة مستوية فيفيد الإخبار، ولأن معطيات السياق تسمح بتعدد الأداء الغائب ذهب بعضهم إلى أن الأسلوب استفهام، وهناك همزة استفهام مقدرة، أي أفاليوم ننجيك …؟فافترض الاحتمال الأول، وذهب أبو حيان إلى أن الأسلوب إخبار، ولا حاجة لتقدير همزة استفهام ، فأخذ بالاحتمال الثاني من طبيعة الأداء. ومنه قول عمر بن أبي ربيعة.
ثُمَّ قَالُوا: تُحِبُّها، قُلْتُ: بَهْراً
عَدَدَ الرَّمْلِ والحَصَى والتُّرابِ
يتوقف معنى جملة " تحبها " على طبيعة الأداء، فقد يكون التدرج التنغيمي مرتفعاً، ثم يتراوح بين الارتفاع والانخفاض، فيفيد الاستفهام الذي يقتضي تقدير همزة في بداية الجملة، وقد يكون التدرج التنغيمي مستوياً فيفيد الإخبار.
ولا يحدث هذا الأمر في تقدير الهمزة أو عدم تقديرها فقط، وإنما يقع في أنماط تركيبية أخرى تحتمل الاستفهام والإخبار، من ذلك الجمل التي تتصدرها أدوات تحتمل مبانيها الاستفهام وغيره. ومن ذلك " ما "، كما في قوله تعالــى:[ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بأَهْلِكَ سُوءاً إلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] . تحتمل "ما " النفي، فيكون الأسلوب إخباراً مؤكداً بالحصر، وتحتمل الاستفهام لغير العاقل فيكون الأسلوب استفهاماً. ولا يخفى أن التدرج التنغيمي الذي يقتضيه الأسلوب الأول يختلف عما عليه الأسلوب الثاني الذي يقتضي تغيرات ملحوظة تتراوح بين الارتفاع والانخفاض بخلاف الأول.
وهناك مبان أخرى لأدوات تحتمل مبانيها الاستفهام وغيره، مثل الهمزة ، و"كم" و" ماذا " و" مَن "، تتوقف معرفة المعنى فيها على طبيعة الأداء، ونكتفي بما ذكرناه عن " ما " من هذا النوع.
وربما كان تعدد الأداء سبباً في أن يجعل الأسلوب يحتمل الإخبار والدعاء. قال تعالى:[ قَالَ رَجُلاَن مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكُمْ غَالِبُونَ] . تحتمل جملة " أنعم الله عليهما " الاعتراض بين القول ومقوله " ادخلوا…"، والصفة لـ " رجلان "، والحالية من "رجلان" لأنه وصف، وذلك بتقدير " قد " في صدر الجملة، وإذا كانت وصفية أو حالية فالأسلوب يبقى إخباراً، أما إذا كانت معترضة فالأسلوب يتحول من الإخبار إلى الدعاء الذي تفيده الجملة المذكورة. ويبدو أن الأداء الذي يقتضيه الوجه الأول والثاني يتجلى بتدرجات تنغيمية مستوية ومتواصلة، بخلاف الوجه الثالث الذي يقتضي تدرجاً تنغيميّاً مستوياً حتى المقطع " فونَ " من " يخافون "، ثم مرتفعاً واقعاً على " أنعم " بعد فاصلة تنغيمية بسيطة.
وربما أسهمت طبيعة الأداء في تعدد الأوجه للشواهد التي قد تخرج على القاعدة، فهناك بعض الشواهد التي تحتمل في ظاهرها خروجاً على القاعدة، وطبيعة أدائها غائبة، مما يجعل بعض النحاة يفترض أداءً معيناً غير الذي يتبادر إلى الذهن، ليجعل التوجيه في اعتقاده أقوى من غيره. قال تعالى:[ إلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاؤوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ] .ذهب الجمهور إلى أن جملة " حصرت صدورهم " تفيد أسلوب الإخبار، ووقعت موقع الحال، غير أن منهم من يرى أن الجملة الفعلية إذا وقعت موقع الحال، وكان فعلها ماضياً لابد أن تسبقه " قد "، وإذا لم تكن ظاهرة فهي مقدرة، لذلك قدروا " قد " قبل الجملة، وجعلوها حالاً من فاعل " جاء "، وذهب بعضهم إلى أنه لا حاجة إلى تقدير " قد "، فجعلوا الجملة صفة لموصوف محذوف هو الحال، أي جاؤوكم قوماً حصرت صدورهم، لأن إضمار الاسم عندهم أسهل من إضمار حرف المعنى، وذهب بعضهم إلى أن جعل الجملة في موضع جر، صفة لـ " قوم" في " يصلون إلى قومٍ " ، ليبعد الكلام عن التقدير، وذهب آخرون إلى أن الجملة بدل اشتمال من جملة " جاؤوكم "، لأن المجىء مشتمل على الحصر. وعندما اعتقد المبرد أن الجملة الفعلية التي يتصدرها فعل ماض لا تقع حالاً استعان بالتنغيم ليوجه التركيب بعيداً عما سبق، إذ رأى أن الجملة الفعلية تفيد الدعاء، وبذلك جعلها استئنافية. ولعل طبيعة الأداء هي التي أعانته على هذا التوجيه، لأن أسلوب الدعاء الذي افترضته يقتضي تنغيماً يختلف عنه في أسلوب الإخبار الذي انبنت عليه الأوجه السابقة.
ولا يحدث هذا الأمر في أساليب القرآن الكريم فقط، وإنما يحدث في الشعر أيضاً. قال أحدهم:
إنَّ الكَرِيمَ وأبْيك يَعْتَمِلْ
إِن لَّمْ يَجِدْ يَوْماً عَلَى مَنْ يَتَّكِلْ
يبدو التركيب في الجملة الشرطية غريباً، فقد جاء جار ومجرور من غير أن يأتي مفعول " يجد " ثم إن علاقة التوارد بين الألفاظ تبدو غير مريحة، ولا بد من تأويل حتى يستقيم الكلام، فقد ذكر ابن هشام عن ابن جني أن تركيب "على من يتكل " يدخل ضمن متعلقات جملة الشرط، والأصل إن لم يجد يوماً من يتكل عليه. فحذف الجار والمجرور المتعلقان بالفعل " يتكل "، وزيدت "على" قبل الاسم الموصول " من " الذي وقع مفعولاً به للفعل " يجد ". غير أن بعضهم لم يرق له هذا التوجيه، فاستعان بالأداء الغائب، ليجعل أسلوب الشرط انتهى عند " يوماً "، وقدر مفعولاً به للفعل " يجد "، أي إن لم يجد يوماً شيئاً، ثم اُبتدئ بأسلوب استفهام مستقل عما قبله، والجملة استئنافية. وبذلك نرى أن الأداء في التوجيه الأول غيره في الثاني.
وقد يذهب القارئ أحياناً إلى قطع السلسلة النطقيّة، ليحول أداء الكلام إلى دفعات كلامية منفصل بعضها عن بعضها الآخر، وهو في أثناء ذلك يقطع لفظاً ما عما بعده، ثم يبدأ بلفظٍ جديد، وهذا القطع هو ما يسمى بالوقف. وإذا لم يفعل القارئ ذلك فإنه يجعل السلسلة النطقية ذات دفعة كلامية واحدة من غير قطع، وهذا ما يعرف بالوصل. وما من شك في أن هذا الأمر له صلة وثيقة بالمعنى، إذ نرى أن معرفة مواطن الوقف وأحكامه تشكل أمراً مهماً في فهم القرآن الكريم، وما تقسيمهم الوقف إلى تام وحسن وكاف وقبيح إلا دليل على ذلك، مما جعل الأئمة يحضون على تعلمه، حتى ساوى بعضهم بين تعلم أحكام الوقف وقضاياه وبين تعلم القرآن الكريم.
وإذا كان هذا الأمر يتصل بالمعنى فلا تخفى صلته بالنحو أيضاً، لأن هذا الأخير جزءٌ من المعنى، لذلك نرى كثيراً من قضايا الوقف ترتبط بالنحو، مثل المواضع التي يمتنع فيها وغيره، ويزداد الأمر وضوحاً إذا ما تأملنا فيما يعكسه الوصل والوقف على التحليل النحوي، لأن أداء الكلام في حال الوصول قد يقتضي تحليلاً نحويّاً يختلف عنه في حال قطع أجزائه إلى دفعات كلامية منفصل بعضها عن بعضها الآخر. قال تعالى:[ آمَنَ الرَّسُوُلُ بِمَا أُنزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُون كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاِئكَتِهِ وَكُتُبهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ] . يتوقف تحليل بعض العناصر النحوية في الآية الكريمة على كيفية الأداء، فإذا كان ذا سلسلة نطقية واحدة فإن الواو قبل " المؤمنون " عاطفة، والاسم بعدها معطوف على " رسول " والضمير في " كلٌّ " الذي ناب عنه التنوين عائدٌ على " الرسول" و "المؤمنون "، وإذا كان الأداء ذا دفعتين نطقيتين تنتهي الأولى بلفظ " ربه " وتبدأ الثانية بـ " والمؤمنون : فإن الواو التي سبق تحليلها في حال الوصل تكون ههنا حرف استئناف، والاسم بعدها مبتدأ، والضمير في " كلٌّ " الذي ناب عنه التنوين عائد على " المؤمنون " فقط. وبذلك يبقى الأمر مرهوناً بطبيعة الأداء، ويبدو أن الأمثلة على قضايا الوصل والوقف التي تقود إلى تعدد الأوجه كثيرة جدّاً.
وربما أسهمت طبيعة الأداء الذي يتحمل الوصل والوقف في تعدد الأوجه لبعض الشواهد التي تحتمل الخروج على القاعدة في ظاهرها. قال تعالى:[ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ اْلأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلاَ تُبْصِرُون. أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ] . يرى سيبويه أن "أم" منقطعة، وبذلك يكون الأداء ذا سلسلتين نطقيتين، تنتهي الأولى بنهاية الآية الأولى، وتبدأ الثانية بـ "أم". وذهب بعضهم إلى أن ظاهر الكلام لا يقتضي الانقطاع، وعليه تكون "أم" زائدة، من حيث المعنى، والأداء ذو سلسلة نطقية واحدة، أي أفلا تبصرون أنا خير…؟ وذهب الزمخشري إلى أن "أم" متصلة، ولكي يسوغ عطف الجملة الاسمية " أنا خير" على الفعلية "تبصرون" رأى أن المعنى: أفلا تبصرون أم تبصرون..؟ لأنهم إذا قالوا له: أنت خير فهم عنده بصراء، فوضع السبب " أنا خيرٌ " موضع المسبب "تبصرون". وذهب بعضهم إلى أن " أم" متصلة، ولكن الأداء لا يقتضي وصلاً، وإنما يوقف على "أم" المتصلة، ومعطوفها محذوف، والتأويل: أم تبصرون، ثم يبتدأ بـ " أنا خير "
وهكذا يتبين مما تقدم أن غياب الأداء بظاهرتيه المعروفتين، التنغيم والوصل والوقف، كان من أسباب التعدد في المعنى وفي التحليل النحوى، شأنه في ذلك شأن غياب المقام.
وقد يتعدد المعنى الذي يؤثر في التحليل النحوي بسبب معطيات السياق الحاضرة والملتمسة مما يشكل المعنى، والمراد بالسياق ههنا هو كل ما يحيط ويؤثر في فهمها وتحليلها، ويتمثل بعناصر غير لغوية تعرف بالمقام وعناصر لغوية تعرف بالسياق اللغوي، فهو مجموع القرائن التي تدل على المعنى والمكونة من معطيات المقام والسياق اللغوي.
وربما تعدد المعنى بسبب بعض المعطيات السياقية، وكأن يحدث نتيجة لمعطيات المقام قال تعالى:[ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لْيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شيءٍٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكَتِابَ] . يحتمل من خلال معطيات المقام التاريخية أن المراد عامة اليهود وعامة النصارى، وهو إخبار عن الأمم السالفة التي كذبت بالرسل والكتب من قبل، وبذلك تكون "أل" جنسية للاستغراق العرفي. وقيل: إن المراد يهود المدينة ونصارى نجران الذين تماروا عند الرسول صلى الله عليه وسلم وتسابّوا، فأنكرت يهود المدينة الإنجيل ونبوّة عيسى عليه السلام، وأنكرت نصارى نجران التوراة ونبوة موسى عليه السلام، وبذلك يتبين من معطيات العناصر الحالية أن هذا الأمر هو حكاية حال في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم. وقيل أيضاً: إن المراد بذلك رجلان، أحدهما من اليهود يقال له نافع بن حرملة قال لنصارى نجران: لستم على شيء، وآخر من نصارى نجران قال لليهود: لستم على شيء، فيكون قد نسب ذلك للجميع حيث وقع من بعضهم، وبذلك لا يختلف الأمر عما قبله، فهو حكاية حال حاضرة، وبهذين التفسيرين المرتبطين بمعطيات المقام الحالية تكون " أل " للعهد الذهني.
وربما اقتضى تعدد المعنى من خلال معطيات السياق اللغوي تعدداً في التحليل النحوي. قال تعالى:[ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِين.فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عنها فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيِه] . يتعدد التحليل النحوي للضمير " ها " في "عنها " بتعدد المعنى الذي يقود إليه السياق اللغوي، فيرى أبو حيان الضمير "ها " في "عنها" يعود على الشجرة، لأنهما أقرب مذكور، والمعنى فحملهما الشيطان على الزلة بسببها، وتكون " عن" للسبب. وقيل: إن الضمير يعود على "الجنة " لأنها أول مذكور. وقيل: عائد على غير مذكور يفهم من المعنى المتحصل من السياق، وهو " الطاعة "، بدليل قوله تعالى: "ولا تقربا"، لأن المعنى: أطيعاني بعدم قربان هذه الشجرة، فعاد الضمير على معنى " الطاعة " المتحصل في السياق. وقيل : يعود على الحالة التي كانوا عليها من الرفاهية والتفكُّه، بدليل قوله تعالى: " وكلا منها رغداً ". وهناك أقوال أخرى مرتبطة بمعطيات السياق اللغوي.
وربما كان تعدد المعنى الذي يقود إلى تعدد في التحليل النحوي حصيلة لتفاعل معطيات السياق بنوعيها، معطيات المقام ومعطيات السياق اللغوي. قال تعالى:[ فَمَا آمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئهم أَنْ يَفْتِنَهُمْ] . تحتمل معطيات السياق أن يعود الضمير في " قومه " على موسى عليه السلام، وتذكر عن ابن عباس (ت68هـ) معطيات المقام التي تجعل الضمير عائداً على موسى عليه السلام، وهو أن يعقوب عليه السلام دخل مصر في اثنين وسبعين شخصاً، فتوالدوا في مصر حتى صاروا ستمئة ألف، ويعتبر موسى عليه السلام من هؤلاء القوم، وبذلك يعود الضمير في " قومه " عليه. ويذكر أبو حيان معطيات السياق اللغوي التي تجعله يعود على موسى عليه السلام، وهو لأنه أقرب مذكور، ولأنه المحدَّث عنه في الآية الكريمة. وتحتمل معطيات السياق وجهاً آخر يقتضي أن يعود الضمير في " قومه " على "فرعون"، ويذكر بعضهم معطيات المقام التي تدعم هذا الرأي، وهي أنه آمنت زوجة فرعون، وخازنه، وامرأة خازنه وشبابٌ من قومه، مما يدل على ان المراد بالضمير هؤلاء. وعن ابن عطية (ت542هـ) أن معطيات السياق اللغوي التي تؤيد هذا الوجه هي ما تقدم في الآيات السابقة من محاورة موسى عليه السلام لقوم فرعون، ورده عليهم وتوبيخه لهم على قولهم: "هذا سحرٌ" . وبذلك نرى أن كلاًّ من الوجهين اعتمد معطيات السياق بنوعيه، المقام والسياق اللغوي.