تطالعنا جملة من الأدوات بهذا النمط، من ذلك مثلاً " أن " عندما تحتمل التفسير وغيره. قال تعالى: [ وَإذْ أَوْحَيْتُ إلَى الْحَوَاريِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي] . يحتمل في " أن " اعتبارها تفسيرية، لأن قاعدة أن المفسرة محققة في هذا التركيب، وهي أن تسبق بجملة فيها معنى القول من غير حروفه، وتليها جملة، ويحتمل أيضاً أن تكون حرفاً مصدريّاً، تؤول وما بعدها بمصدر على إسقاط الجار، لأنه، كما هو معروف، يطرد إسقاط الجار قبل " أن " المصدرية . وبذلك نرى أن هذا الشاهد لم يخرج على قاعدة حتى اقتضى تعدداً، لأن الأوجه التي احتملها مطردة، ثم إنه ليس هناك مؤثر سياقي أدّى إلى ذلك، لأن هذا التركيب يحدث فيه أينما وقع. ولا يختلف الأمر في قوله تعالى: [وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ]. تحتمل " أن " التفسير، وتحتمل أن تكون المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والجملة بعدها في موضع الخبر، والوجهان مطردان في مثل هذا التركيب.
كما يحدث ذلك في الأداة " ما " عندما تحتمل الموصولية وغيرها. قال تعالى: [ وَمَا بِكُم مَّن نعْمَةٍ فَمِن اللهِ ] . تحتمل " ما " أن تكون شرطية وأن تكون موصولة، وإذا كان سياق القرآن الكريم يرجح الشرطية لما تفيده من بلاغة من خلال الجزم فإن ذلك لا يلغي الوجه الثاني، لأن الترجيح لا يلغي الجواز، فالوجهان محتملان في مثل هذا التركيب. وقال تعالى: [ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنَّا وَلاَ أَذى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] . تحتمل " ما " أن تكون موصولة، أي الذي أنفقوه، وتحتمل المصدرية فتؤول وما بعدها بمصدر في موضع المفعول به، والتأويل: إنفاقهم. وقد تحتمل أن تكون موصولة أو موصوفة، كما في قوله تعالى: [ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ]. يعود الضمير في " به " على "ما " وبذلك لا يمنع التركيب أن تكون موصولة، أو موصوفة بالجملة بعدها.
ولا يختلف الأمر في " مَن " عندما تحتمل الشرطّية والموصولة. قال تعالى: [ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَِنِسَاءَنا ونِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ]. تحتمل " من " في هذا التركيب أن تكون شرطّية، وأن تكون موصولة، وليس هناك دليل يلغي أحد الوجهين.
أمّا ما جاء في الأفعال فقد تحتمل صيغةٌ ما الدلالة على المضارع أو الماضي. قال تعالى: [ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ] . تحتمل صيغة الفعل في " توفّاهم " الجلالة على المضارع وعلى الماضي.
وهناك بعض الصيغ التي تحتمل الدلالة على الفعل المضارع وعلى اسم الفاعل. قال تعالى: [ قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ] . تحتمل صيغة " آتيك " الدلالة على الفعل المضارع كما تحتمل الدلالة على اسم الفاعل، وليس هناك دليل يلغي الاحتمال في مثل هذا التركيب.
وتطالعنا أيضاً صيغ للأسماء تقع في تراكيب مطّردة، وتحتمل غير معنى، كما في قوله تعالى: [ إِنْ تَجْتَنبِوا كَبَائرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَريماً] . تحتمل صيغة " مدخلاً " الدلالة على اسم المكان كما تحتمل الدلالة على المصدر، وما من دليل يلغي التعدّد في مثل ذلك.
وهناك نوع آخر من التعدّد الذي تؤدّي إليه طبيعة اللغة، يرتبط بجمع اللغة. فقد يُستخدم مثلاً فعل ما متعدّياً بنفسه تارة وبحرف تارةً أخرى، وعندما تقع "أن" المصدرية وصلتها موقع ما يتعدّى إليه هذا الفعل تحتمل عندئذٍ أن تكون مفعولاً به، وتحتمل أن تكون على إسقاط الجارّ. من ذلك الفعل " سئم "، إذ ثبت أنّه يرد متعدّياً بنفسه كما يرد متعدّياً بحرف جر. قال تعالى: [ وَلاَ تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغيراً أَوْ كَبيراً إِلَى أَجَلِهِ]. يحتمل المصدر المؤوّل من " أن " وصلتها أن يكون على إسقاط الجارّ، ويحتمل أيضاً أن يكون موضع المفعول به، وذلك قياساً على الاستخدام المطرد الذي ثبت بالسماع.
ويأخذ هذا الأمر الذي يؤدّي إلى التعدّد شكلاً آخر، وذلك عندما يضيع الفيصل بين الفصحى والخصائص اللهجيّة، فإذا كان كلام العرب من المصادر الأساسية التي تمثّل الفصحى فإنّ الفيصل بين الخصائص اللهجيّة لبعض العرب وبين الفصحى قد يضيع، إذ تواجهنا أحياناً قضايا يطّرد استخدامها في الفصحى بوجهين مختلفين، ويعود هذا الاختلاف إلى القبائل التي جمعت منها اللغة. من ذلك مثلاً " ما " النافية الداخلة على الجملة الاسمية، فإنّه يطرد إعمالها إعمال "ليس " بشروط في الفصحى، وهذا الإعمال يعود في أصله إلى أهالي الحجاز، وفي الوقت نفسه يطرد إهمالها في الفصحى، وهو أمرٌ يعود إلى بني تميم. وعندما يأتي تركيب ليس فيه قرينة تحدّد الإعمال أو الإهمال تتعدّد الأوجه. قال تعالى: [ وَما اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ]يجوز في " ما " الإعمال على اللغة الحجازية. و " اللّه " اسمها، والباء حرف جرّ زائد، و " غافل " مجرور لفظاً منصوب محلاً على أنه خبر " ما " العاملة عمل " ليس "، ويجوز في " ما " الإهمال على اللغة التميميّة، و" اللّه " مبتدأ، والباء حرف جرّ زائد، و" غافل " مجرور لفظاً مرفوع محلاً على أنه الخبر، والأمر نفسه يقع في أسلوب الاستثناء المنقطع إذا كان المستثنى متأخراً عن المستثنى منه وليس من جنسه. قال تعالى:[ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمانيَّ وَإنْ هُمْ إلاَّ يَظُنُّونَ] . يجوز في " أمانَّي " النّصب على الاستثناء، وهي لغة أهل الحجاز، ويجوز فيه الإتباع على البدل من "الكتاب"، وهي لغة تميم.
وربّما حدث التعدّد الذي تقتضيه طبيعة اللغة بسبب الغموض في معاني بعض الأدوات أحياناً، كأن يقال: زيدٌ أفضلُ من عمرو. ويروى عن سيبويه أنّ "من "، في مثل هذا تفيد ابتداء الارتفاع. وعن ابن مالك (ت672هـ) أنه شكّك في هذا التحليل، لأنّ معناه غير واضح في " من " فجعلها للمجاوزة، والتأويل: زيدٌ جاوز عمراً في الفضل. ثّم يشكّك ابن هشام في صحّة معنى المجاوزة . ولعل الغموض في معنى الأداة في مثل هذا التركيب هو الذي دفع إلى التعدّد.
وقد يحدث التعدّد، لأنّ شبه الجملة يصلح للتعليق بغير عنصرٍ نحوي، فهناك تراكيب مطّردة يصعب فيها تحديد وجه معّين في تعليق شبه الجملة، من ذلك مثلاً قوله تعالى:[ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ]. يسبق إلى الذّهن أن يتعلّق الجارّ والمجرور بصفة محذوفة لـ "بينة "، لكن هذا لا يلغي احتمال التعليق بالفعل جاء.
وربّما أدّت طبيعة اللغة إلى استخدام بعض الألفاظ التي يصعب تحديد معناها المعجمي بدّقة، فيقود إلى تعدّد في التحليل النّحوي، قال تعالى:[ قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا] . قد يكون معنى سبحانك هو " تنزيهك "، فتكون الإضافة من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، وقد يكون المعنى " تنزَّهت" وهو بذلك من إضافة المصدر إلى فاعله، وليس هناك قرينة تحدّد معنى معجمياً معيناً لتلغي التعدّد في التحليل النّحوي.
وتواجهنا اللغة أحياناً بألفاظ تصلح لأن تكون مفردة، وتصلح لأن تكون مركّبة، فيؤدّي هذا الأمر إلى تعدّد في التحليل النّحوي، ومن ذلك " ماذا " عندما تأتي في بعض العبارات المطّردة. قال تعالى:[ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً] . يجوز في مثل هذا التركيب أينما وقع أن تكون " ماذا " مؤلفة من كلمتين، أي ما الذي؟ إحداهما مبتدأ والأخرى خبر، وجملة " أراد الله " صلة لـ " ذا " الموصولة والعائد محذوف، لأن فيه شروط جواز الحذف، والتقدير: ما الذي أراده الله؟ ويجوز فيها أن تكون كلمة واحدة تفيد الاستفهام بمعنى " أي شيء؟" فتعرب مفعولاً به مقدّماً للفعل أراد، أي أيَّ شيء أراد الله بهذا؟ وهذا التعدّد في " ماذا " متعارف عند جمهور النّحاة، لأنه ما من قرينة تلغيه وتحدّد وجهاً معيناً.
وربما طالعتنا اللغة بألفاظ لا يعرف أصلها، إذ تحتمل أن تكون دخيلة وتحتمل أن تكون عربية، فيقود هذا الأمر أحياناً إلى تعدّد في التحليل النّحوي. قال تعالى:[ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً] . اختلف في "اليسع " أهو عربي أم لا؟ فقيل" إنه عربي، وبذلك تحتمل " أل " وجهين، فبعضهم يرى أنّه مضارع سمّي به العلم، ولا ضمير فيه، فأعراب ثم نُكّر وعُرّف بـ " أل "، وعلى هذا التفسير تكون " أل " زائدة غير لازمة. وبعضهم الآخر يرى أنّه فعل مضارع سمّي به العلم عن طريق النقل كما في " يزيد " ثّم أدخلت فيه " أل" زائدة شذوذاً، ولزمت كما لزمت في " الآن " فأصبحت زائدة لازمة. ومن قال: إنه أعجمي رأى أن " أل " زائدة لازمة شذوذاً، لأن الأسماء الأعجمية لم يجىء منها شيء فيه " أل " التعريف.
وهكذا يتبين لنا مما تقدم أنّ التعدّد الذي تقتضيه طبيعة اللغة هو التعدّد الذي يحدث في عبارات لم تخرج على القاعدة، ولم يؤثر فيه أمرٌ سياقي، وتبين أيضاً أن طبيعة اللغة تجعل هذا التعدّد يتجلّى بمظاهر متنوّعة، لعل أبرزها أن يصلح الموقع الذي يشغله لفظ ما لغير وجه، وأن تتعدّد معاني المبنى، وأن يحدث بسبب جمع اللغة، وللغموض في معاني بعض الأدوات، ولصلاحية شبه الجملة للتعليق بغير عنصر، ولتعدّد المعنى المعجمي، ولصلاحية اللفظ للإفراد والتركيب، ولعدم معرفة أصل اللفظ.
ثالثاً-المعنى:
تسهم عناصر معقّدة في تشكل المعنى عند المتلقي، والملاحظ أن قسماً منها نسبي يتفاوت ويختلف من إنسان إلى آخر، لأن المعنى يختلف باختلاف الناس، من حيث الوضوح والغموض، أو الاستحسان والاستهجان، أو ما يحدث من خلاف في تحديد المعنى، كما في تحديد مقصد النص، وفي تعدّد المعاني التي يحتملها، أو التعدّد والخلاف في فهم المعاني الجزئية في بعض العبارات التي تُشكّل النص، أو غير ذلك.
وتتنوع تلك العناصر التي تشكل المعنى، فيتمثّل جزءٌ منها بأمورٍ خارجّية يراعيها صاحب الكلام الذي يبتغي هدفاً ما، وهي جملة القرائن المحيطة بالحدث اللغوي، والتي تعرف بالمقام، ويتعلّق جزءٌ منها بالمتحدّث، وذلك من خلال الصورة الصوتية التي يؤدّى بها الكلام والتي تسمّى بالأداء، وهناك ما يتصل بالعناصر التي تُشكّل الكلام، فإن هذا الأخير عندما يجّرد من معطيات المقام يبقى له معنيً ما تولّده العناصر التي يتشكل منها، وهي ما يعرف بالسياق اللغوي، ويطلق على هذه العناصر السابقة جمعياً مصطلح السياق.
وإذا كان المتلقي يتميّز من سواه بجبلّته التي فطره الله سبحانه وتعالى عليها وبتكوينه الثقافي فقد يصعب أن يكون معنى الكلام واحداً عند كلّ الناس، ولعلّ الأمر يزداد تعقيداً كلما سما الأسلوب بأدبيته، فمن المعروف أن هذا الأسلوب يعتمد الحذف والاتساع والفصل والتقديم والتأخير وغير ذلك من ظواهر يُلجأ إليها، فتتوسّع دائرة الاحتمالات في فهم المعنى وتتلوّن.
ويظهر أنّ الأمور التي أدّت إلى تعدد فهم المعنى وانعكست على التحليل النّحوي تتمثّل بمعطيات سياقية غائبة، مثل غياب المقام وغياب الأداء، وبمعطيات سياقية حاضرة مستمدة مما يشكّل المعنى، كما تتمثل بظاهرة الغموض التي تطالعنا أحياناً في عبارات النّحاة من غير أن يقصدوها، وفي بعض الألفاظ المشكلة، كالتي وردت في القرآن الكريم.
إذا كان المقام عنصراً أساسياً من عناصر المعنى فإنّ غيابه قد يجعل المعنى الدلالي محتملاً لغير وجه، مما يؤدّي إلى تعدّد في فهم المعاني النحوية وتحليلها، والمراد بالمقام جملة العناصر غير اللغويّة المكوّنة للموقف الكلامي، وبذلك يشمل مجموع الناس المشاركين في الكلام، من حيث الجنس والعمر والألفة والتربية والانتماء الاجتماعي والثقافي والمهني، والإيحاءات والإشارات العضويّة التي تصدر منهم وغير ذلك، كما يشمل ظروف الزمان والمكان التي يؤدّى بها الحدث الكلامي وتؤثر فيه، والعلاقات الاجتماعية والسياسية والدينية والتاريخية والفكرية، والعناصرالأخرى التي تؤثر في الكلام وفي غايته. فالمقام إذن هو كلّ العناصر الخارجيّة التي تحيط بالكلام وتشارك السياق اللغوي في تكوين المعنى الدلالي.
ويبدو أنه " كلما كان وصف المقام أكثر تفصيلاً كان المعنى الدلالي أكثر وضوحاً، لذلك فإن غياب المقام يؤثر في فهم الكلام، فيجعله يحتمل غير معنى، وقد ينعكس التعدّد في فهم الكلام على عملية التحليل النحوي بتعدّد الأوجه.
ويتنوّع غياب المقام الذي يؤثر في فهم المعنى، ويؤدّي إلى تعدّد في التحليل النحوي، فقد يفتقر الكلام إلى بعض العناصر الحالية، ومن ثَمَّ يقود هذا الأمر إلى تعدّد في فهم النّص، لينعكس هذا الفهم على عمليّة التحليل النحوي. ومن ذلك مثلاً ما وقف عنده الزمخشري (538هـ)، وهو أنّ الُمغِيرَة بن شُعْبَةَ (ت50هـ) قد رأى عُرْوَةَ بن مسعود(ت9هـ) عَمَّه يكّلم النبي صلى الله عليه وسلم، ويتناول لحيته يمسّها، فقال: أمسك يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ألاّ تصل إليك.فقال عروةُ: يا غُدَر! وهل غسلت رأسك من غدرتك إلاّ بالأمس؟فالعناصر الحالية المحيطة بالمقال التي ارتسمت على وجه المغيرة وعلى حركاته وغيره غائبة، لذلك يتعدّد فهم المعنى، فلا يُعرف أهو يهدّد عمه بقطع يده، أي قبل ألاّ تصل يدك إليك؟ أم ينهاه بأدب،ويقصد: قبل ألاّ تصل لحية الرسول صلى الله عليه وسلم إليك، لأنه سيحول بين يد عمّه وبينها؟ إذن غياب العناصر الحالية التي تحيط بالكلام جعلت المعنى يتعدّد، وإن كان الفهم الأوّل أقوى، وهذا التعدّد في فهم المعنى ينعكس على عملية التحليل النّحوي، لأنه يتعلّق بعنصر من عناصره، وهو فاعل الفعل " تصل "، مما جعل الزمخشري لا يجزم بعود الضمير على " اليد "، فرأى أنّه يجوز أن يعود على "اللحية"، بناء على فهم المعنى الذي تعدّد لغياب المقام.
وربّما غابت عناصر المقام كلها، وأدت إلى غموض المراد من الكلام، وهو ما يطالعنا أحياناً في بعض الشّواهد التي يتعدّد تفسيرها وتحليلها نحويّاً بحسب الفهم الذي يرتئيه الدارس، من ذلك مثلاً العبارة التالية: كَذَبَ عَليكَ الحجَّ. يورد الزمخشري رأياً لابن السّراج(ت316هـ)، فيفترض هذا الأخير مقاماً يقتضي وجود ثلاثة أشخاص جرى بينهم الحوار على الشكل التالي: شخص يريد الحج فسأل شخصاً ما عنه، أو تدخّل هذا الشخص من غير سؤال، فذّم الحج، فقال الثالث: كذبَ.يريد من يذمّ الحج، ثم توجّه إلى الراغب في الحجّ، فقال له: عليك الحجَّ. وبذلك يخرّج أبو بكر العبارة، بأن جعلها عبارتين، الأولى من فعل وفاعلٍ يعود على من ذمّ الحجّ، والثانية من اسم فعل ومفعول به لإغراء من يودّ الحجّ. غير أن الزمخشري يرجّح تخريجاً آخر من غير أن يفترض مقاماً ما، وهو أنّ المراد بالكذب الترغيب، كقولك العرب: كذبته نفسه إذا منّته بالأماني وخيّلت إليه من الآمال ما لا يكاد يكون، لذلك فمعنى " كذب " هو ليرغبك، تخريج العبارة بأن يكون فاعل " كذب " ضميراً يعود على الحجّ، والمراد ترغيب المخاطب، ثم يأتي أسلوب الإغراء المؤلّف من اسم الفعل "عليك " ومفعوله " الحجّ ".
وربمّا لم يكن للعبارة مقام، فيؤدّي افتقارها إليه إلى تعدّد في تحليلها النّحوي، ويتجلى هذا الأمر في الأمثلة التي يعرضها النّحاة لقواعد التنظير التعليميّة، وفي المسائل التي يولّدها القياس. يمثّل أبو حيان للقواعد التي يعرضها ببعض العبارات التي تفتقر إلى المقام، ففي أثناء حديثه عن التمييز المحوّل مثلاً يذكر عبارة " كَرُمَ زيدٌ أباً " ثُمَّ يبين أنها تحتمل أن يكون زيدٌ هو الأب، أي بمعنى: ما أكرمه من أبٍ، وتحتمل أن المراد: كرم أبو زيدٍ، وليس زيداً، ثم يعقب بأنّ التمييز في الوجه الأوّل غير منقولٍ من فاعل، فيجوز دخول " من " عليه، بخلاف الوجه الثاني الذي يبدو فيه التمييز منقولاً من فاعل. ولا شك أن أمثال هذه العبارات لا يتحدث بها المتكلم العادي من غير أن يستخدمها في مقام ما، ولكنّ النحوي يأتي بها من غير مقام لغاية الشرح والتوضيح لما يعرض من قواعد.
كما يذكر أبو حيان بعض المسائل التي ولّدها القياس، وتفتقر إلى المقام من ذلك أن نقول: زيدٌ عمروٌ ضاربه هو. إذا حذفت " هو " احتمل أن يكون الضمير المجرور في " ضاربه " عائداً على " زيد "، فيكون الضارب عمراً، واحتمل أن يعود على " عمرو " ليكون الضارب زيداً. فالمعنى، كما نرى، مرهون بالمقام الذي تفتقر إليه العبارة. وبذلك يتبين لنا أن غياب بعض عناصر المقام أو غياب المقام كاملاً يؤدّي إلى تعدّد في فهم الكلام الذي ينعكس على عملية التحليل النحوي.