ويتجلى خروج المطّرد على القاعدة المتفق عليها بوجه آخر يختلف عما مر، فهناك شواهد كثيرة خرجت على أصل الوضع، من ذلك بعض الشواهد التي تخرج في البداية لغاية بلاغية، ثم تصبح مطردة تستخدم في المستويات الأسلوبية كافة، كما في أنماط الاتساع والمجاز التي تخرق قانون التوارد بين المفردات في التركيب، فيقود هذا الأمر إلى تعدد في التحليل. قال تعالى: [وَجَاؤُوا عَلىَ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً] . وقع في الآية الكريمة المصدر " كذب " صفة لاسم الذات " دم "، والقاعدة المطردة لاسم الذات ألاَّ يوصف باسم معنىً، غير أن الغاية البلاغية التي تجلى بها البيان الإلهي اتسعت في قانون التوارد بين الألفاظ، وهو خروج على أصل الوضع، فاقتضى ذلك تعدداً في التحليل يذكره لنا أبو حيان، وهو أن يكون الوصف بالمصدر على سبيل المبالغة، أو أن يقدَّر مضاف محذوف، أي ذي كذب، ثم حُذف المضاف وقام المضاف إليه مقامه. ويظهر للمتأمل أن هذا النمط المطّرد الذي خرج على أصل الوضع يشيع كثيراً في الاستخدام، ويتجلى بمظاهر مختلفة.
أما ما لم يطرد وتعددت فيه الأوجه لخروجه على القاعدة المتفق عليها فكثير جداً، يطالعنا في المستويات الأسلوبية الأدبية وغيرها، ويرد هذا النوع بعبارات مروية عن العرب الذين يمثلون الفصحى، أو بأخرى تمثل اللهجات وتعود إلى بعض القبائل العربية، كما يتجلى في أساليب القرآن الكريم وقراءاته وفي الشعر والأمثال. ولا بد من الإشارة إلى أن هذا النمط قد يتشعب فيه التعدد ويتعقد لكثرة القواعد النحوية التي يوجه الشاهد في ضوئها، وهي تختلف من نحوي إلى آخر في كثير من الأحايين.
يستخدم العربي لغته، وهو في ذلك يسير وفق نظام معين تقتضيه الأنماط التركيبية لنظام اللغة التركيبي، يسير وفق هذا النظام من غير أن يدرك القواعد التي تتحكم في كلامه، وربما خرج عما تقتضيه الأنماط المطردة، فجاء بعبارات نادرة تبتعد قليلاً أو كثيراً عن المطرد، وهو بهذا لم يأتِ بأمر مخالفٍ للطبيعة الإنسانية، لأن اللغة ظاهرة إنسانية، والظواهر الإنسانية لا يمكن أن تخضع لقواعد مطلقة. ومما جاء عمّن يوثق به من العرب وخرج على المطرد قولهم: هذا عبدُاللهِ منطلقٌ. فالمطّرد في كلام العرب أن ينتصب المشتق الذي يقع بعد الخبر الجامد إذا كان المبتدأ اسم إشارة، وقد جاء هذا الاستخدام مخالفاً للمطّرد برفع "منطلقٌ"، وقاد هذا الخروج إلى تعدّدٍ في التحليل، فعن الخليل أنّ هذا المرفوع إما أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف فيكون التأويل: هذا عبدُالله هو منطلق، وإما أن تجعل الاسمين " عبدُالله " و "منطلق " جمعياً خبراً عن المبتدأ اسم الإشارة. ومن ثم نرى أنّ العربي الذي يوثق به ويحتجّ بلغته استخدم نمطاً غير مطّرد، وقاد هذا الأمر إلى تعدّد في التحليل النحوي.
وقد كان لاختلاف اللهجات أثر واضح في كثير من الشواهد التي تطّرد وتعددت الأوجه في تحليلها، فالاختلافات اللهجية أمرٌ طبيعي عند أي جماعة لغوية، لأنه كلّما تعدّدت الأمكنة التي يقطنها أبناء اللغة الواحدة تعدّدت اللهجات لتلك اللغة، وإذا كانت اللهجات العربية متقاربة من حيث الخصائص العامة لانتمائها إلى أمّ واحدة هي الفصحى فإنّ هذا التقارب لا يعني التطابق والتماثل، بل يبقى لكلّ لهجة بعض الظواهر التي تميّزها من غيرها. واقتضى المنهج النّحوي أن تراعى اللهجات العربية في أثناء عمليّة التقعيد للّغة الفصحى، فأصبحنا نطالع في الدرس النّحوي بعض الشواهد التي خرجت على المطّرد لأسباب لهجيّة، واقتضى خروجها في كثير من الأحايين تعدّداً في التحليل النحوي، من ذلك أنّ المطّرد في استخدام " ليس " أن تدخل على جملة اسمية، فترفع المبتدأ ويكون اسمها، وتنصب الخبر فيكون خبرها، وجاء عن تميم قولهم: ليس الطّيبُ إلا المسكُ. فإنهم يهملون " ليس " إذا انتقض النفي حملاً على " ما " النافية المهملة، وقد راعى بعض النّحاة هذا الأمر فرأى أنّ " ليس " مهملة حملاً على "ما " عند بني تميم، و" المسك " مبتدأ خبره " الطيب " و " إلا " حرف حصر. غير أن بعضهم الآخر حمل " ليس " ههنا على المطّرد الذي يقتضي إعمالها، وبذلك تشعّب التعدّد بما بعدها وتعقد. إذن أدّى ما لم يطّرد لأسباب لهجيّة إلى أن تعدّدت الأوجه في تحليله.
وهناك أيضاً شواهد تطالعنا في القرآن الكريم خرجت في ظاهرها على المطّرد، وأدّى ذلك إلى تعدّد في تحليلها النّحوي، فقد يعدل البيان الإلهي عن المطّرد لغاية بلاغية إعجازية، إذ يؤدي الخروج في القرآن الكريم إلى حدوث المفاجأة في أثناء التلقّي، ولا شك أنّ المفاجأة تُحدث لذّة في النفس، وتزيد التواصل قوّةً، كذلك يؤدّي هذا الخروج إلى أن يجعل الأسلوب يتحمل أنماطاً تركيبية عديدة، لكلٍّ منها دلالاته الخاصة به، وبذلك يخفي هذا الأسلوب الذي خرج في ظاهره على النمط المطّرد أطيافاً من الدلالات الجزئية، تكثر وتقل بحسب الأنماط التركيبية التي يُحتمل أن يوجّه الأسلوب في ضوئها. وممّا جاء خارجاً على المطّرد في القرآن الكريم واقتضى تعدّداً قوله تعالى [ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَه] . وقع في الآية الكريمة الاسم المنصوب "نفسه" موقع التمييز، وهو معرّف بالإضافة، وهذا مخالف لقاعدة مطردة من قواعد التمييز، وهي أن يكون نكرة، وبذلك تعدّدت الأوجه فذهب بعض الكوفيين إلى أنه تمييز وجاء معرّفاً شذوذاً. وذهب بعضهم الآخر إلى أنه مشبه بالمفعول به أو مفعول به على أنّ " سفه " يتعدّى بنفسه مثل " سفّه". وعن أبي عبيدة (ت210هـ) أنّ الفعل ضمن معنى " أهلك " و " نفسه " مفعول به . وعن الزّجّاج (ت311هـ) أن الفعل ضمِّن معنى " جهل " وعن مكّي (ت437هـ) أنّ "نفسه" توكيد لمؤكّدٍ محذوف، والتأويل: سفه قولَه نفسَه. وعن بعض البصريّين أن الاسم انتصب على إسقاط الجارّ، أي سفه في نفسه . فالخروج على القاعدة المطّردة الذي جاء في هذه الآية الكريمة هو الذي أدّى إلى التعدّد المذكور.
وإذا كنّا نطالع بعض الشواهد التي خرجت على القاعدة في قراءة الجمهور فهناك شواهد كثيرة من هذا النوع نجدها في القراءات الأخرى، والقراءة سنة لا تخالف، لذلك لا بد من توجيه لما خرج على القاعدة. نأخذ مثالاً من الكثير الذي خرج على المطّرد واقتضى تعدّداً، وهو إحدى القراءات في الآية الكريمة:[وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيِتهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُوِلِه ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَع أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ] . قرئت الآية برفع المضارع " يدركه "، وعن ابن جني(ت392هـ) أنه قدر مبتدأ قبل " يدركه "، أي هو يدركه، وجعل ذلك من باب العطف على التوهم، وخرِّجت القراءة بوجه آخر، وهو أن يكون رفع الكاف منقولاً من الهاء بعدها، وكأن القارئ أراد أن يقف على الكلمة فنقل الحركة.
ومما خالف المطّرد واقتضى تعدّداً شواهد كثيرة جاءت في الشعر، وذلك أنّ لغة الشعر بنظامها غير المألوف الذي يتجلّى بالإيقاع والتكثيف وغيره تختلف عن لغة النثر، ومن ثم رأى سيبويه أن الجوازات التركيبية الخاصّة بالشعر التي خرجت على المطرد أكثر من أن تحصى، وعلى النحوي أن يجد توجيهاً لهذه الجوازات، لأن الشعراء لا يستخدمون أسلوباً إلا وهم يحاولون به وجها من وجوه العربية الجائزة. ونكتفي بمثال واحد من أساليب الشعر التي خرجت على المطرد واقتضت تعدداً في التحليل النحوي، قال الشاعر:
صَدَدْتِ فَأَطْوَلْتِ الصُّدُوْدَ، وقَلَّمَا
وِصَالٌ عَلَى طُوْلِ الصُّدُوْدِ يَدُوْمُ
فالمطرد في الفعل " قَلَّ " أنه إذا دخلت عليه " ما " تكفّه عن عمل الرفع، ولا يدخل حينئذ إلا على جملة فعلية صُرِّح بفعلها، وقد جاء في البيت ما خالف هذا المطرد ، وأشار إليه سيبويه بأنه ضرورة شعرية، وجعله من باب التقديم والتأخير، فاعلاً للفعل المؤخر " يدوم ". غير أن الفاعل لا يتقدم على فعله عند البصريين، فقدَّرُوا له فعلاً من جنس المذكور. وعن المبرد أن "ما " زائدة لا كافة، و "وصال " فاعل للفعل " قلّ ". وذهب آخرون أن "وصال" مبتدأ، وأناب الشاعر الجملة الاسمية مناب لفعلية. وبذلك تعددت الأوجه فيما جاء مخالفاً للمطرد في الشعر.
كذلك تطالعنا الأمثال بما خرج عن المطرد، وهو أمرٌ ليس بالغريب، فالمثل معرض للحذف استغناءً بمعرفة المراد، وذلك لكثرة دورانه على الألسنة ، ومما جاء مخالفاً للمطرد واقتضى تعدداً قولهم: عسى الغوير أبؤسا. فالمطرد في عسى ألا يأتي خبرها اسماً صريحاً، وجاء هذا المثل مخالفاً للمطرد، فخرِّج بأوجه، منها ما ذكره سيبويه، وهو أن عسى أجريت مجرى كان في الاستخدام فجاء منصوباً. وخرجه المبرد بتقدير " أن " والفعل الناقص، أي أن يكون أبؤساً، فجعل الاسم المنصوب خبراً لـ "كان " المقدرة. وخرجه ابن هشام (ت761هـ) بأن قدر الفعل الناقص يكون، أي يكون أبؤسا . فتعددت الأوجه بهذا المثل الذي تجلى بأسلوبٍ لم يطرد.
وهكذا يتبين لنا مما تقدم أن القاعدة النحوية قسمان، أحدهما متفق عليه، والآخر مختلف فيه، وأن ما خرج على القاعدة المتفق عليها واقتضى تعدداً شواهد كثيرة، بعضها مطرد، وبعضها الآخر غير مطرد، وهذا الأخير يتشعب التعدد فيه ويتعقد، بسبب القواعد المختلف فيها عند النحاة التي يُوَجَّه غير المطرد في ضوئها.
ثانياً- طبيعة اللغة:
لعل الظواهر الإنسانية لا تخضع في أثناء دراستها لأحكام حاسمة، وذلك لأنها تعكس طبيعة الإنسان المعقدة والمحيرة، ففيها ما فيها من أمورٍ خفية يبقى العلم يلاحقها، وتبقى رؤيته لها ضعيفة ينتابها الشكُّ والتردد. وإذا كانت اللغة أهم الظواهر التي تعكس طبيعة الإنسان فإنه ما من غرابة في أن تطالعنا أحياناً بعناصر تركيبية محيرة، لا يعرف لها وجه محدد، ولا يمكننا أن نجد لها أسباباً سوى طبيعة اللغة، إذ تواجهنا هذه العناصر المحيرة بعبارات لم تخرج على القاعدة، ولم يؤثر فيها أمرٌ سياقي.
ويتجلي هذا بمظاهر متنوعة وكثيرة، من ذلك مثلاً أن يصلح الموقع الذي يشغله لفظ ما في نمط تركيبي معين لغير وجه، لعدم وجود قرينة حاسمة.
فقد يحتمل الموقع التركيبي غير وجه، يتحدد كلٌّ منها بظهور العلامة الإعرابية، وعندما تغيب هذه العلامة عن اللفظ، لأسباب تقتضيها طبيعة اللغة العربية تتعدد الأوجه. ومن ذلك مثلاً قولهم: هذا لقيته. يحتمل موقع " هذا " في التركيب وجهين مطردين، الابتداء والجملة بعده خبره، أو النصب على الاشتغال والجملة بعده مفسِّرة، وبقي التركيب في هذا المثال يحتمل الوجهين، لأن اللفظ الذي شغل الموقع لم تظهر عليه علامة إعرابية لبنائه. ومن هذا النمط قوله تعالى: [ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ اْلأَعْلَى] . يحتمل الموقع الذي يشغله " الأعلى " وجهين، لتعذر ظهور الحركة على الاسم، فيجوز فيه أن يكون في موضع نصبٍ، صفة لـ " اسم " الذي عُرِّف بالإضافة، ويجوز فيه أيضاً أن يكون في موضع جر صفة لـ " رب " الذي عرف بالإضافة. وقال تعالى: [ وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ ]. يتحمل موقع "أنزلناه" وجهين لعدم ظهور الحركة على الجملة، فيجوز أن تكون الجملة في موضع رفع، صفة ثانية لـ " ذكر "، ويجوز أن تكون في موضع نصب، حالاً من "ذكر"، لأنه خصّص بالوصف. وربما قيل: ربّ رجلٍ صالحٍ لقيته. فدخول العامل الطارئ " رب " على الاسم المعرب " رجل " جعل الموضع يتحمل وجهين لغياب الحركة الإعرابية، وهما الابتداء، والنصب على الاشتغال. وبذلك يتبين لنا مما تقدم أن غياب الحركة الإعرابية لأسباب تقتضيها طبيعة اللغة جعل الموقع التركيي يصلح لغير وجه.
وقد يصلح الموقع الذي تشغله كلمة ما لغير وجه لأسباب أوسع مما تقدم، فيكون نتيجة للعلاقة النحوية المعقدة بين المفردات في التركيب. وكأن يقال مثلاً: جاء زيدٌ ركضاً. يصلح في " ركضاً " وجه المفعولية المطلقة للفعل " جاء " لأن هذا الأخير تشمل دلالته دلالة فعل المصدر " ركض "، ويصلح في هذا الاسم المفعولية المطلقة لفعله المحذوف الذي ناب عنه، أي يركض ركضاً، كذلك تصلح فيه الحالية أيضاً فيكون بمعنى " راكضاً ". وبذلك نرى أن ما جعل اللفظ في هذا التركيب يحتمل غير وجه مطرد هو العلاقة النحوية المعقدة بين المفردات، وهذا الأمر تقتضيه طبيعة اللغة، لأن الشاهد لم يخرج على القاعدة، ولم يؤثر فيه أمرٌ سياقي.
ويحدث شبيه بذلك في الكاف التي تقع هذا الموقع. قال تعالى: [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ اْلأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وِلاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اْلآخِرِ] .تحتمل الكاف من " كالذي " في مثل هذا التركيب أينما وقع الحالية، أو المفعولية المطلقة على أنها صفة نابت عن المصدر المحذوف، والوجهان مطردان في هذا الموقع.
ولعل الأمر لا يختلف في الضمير المنفصل الواقع بين المبتدأ والخبر أو بين ما أصله مبتدأ وخبر، كما في قوله تعالى: [ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيع العَلِيمُ] . يحتمل الضمير المنفصل في الآية الكريمة الفصل، لأنه وقع بين معرفتين، ويحتمل التوكيد لاسم " إنّ " الضمير المتصل، كذلك يحتمل الضمير " أنت " أن يكون مبتدأ، في موضع رفع، والاسم بعده الخبر، والجملة من المبتدأ والخبر في موضع الخبر لـ " إنّ ". والأوجه السابقة محتملة في مثل هذا التركيب أينما وقع ، لأسباب تقتضيها طبيعة اللغة، وليس هناك قرينة حاسمة تحدد وجهاً وتلغي غيره.
وربما كان الموقع الذي يشغله تركيب ما في العبارة يصلح لغير معنى نحوي بسبب الغموض الذي تسببّه العلاقة النحوية المعقدة، من ذلك قولهم: قام القوم ما خلا زيداً. يصلح في المصدر المؤول من " ما " وصلتها غير وجه يطرد وقوعه هذا الموقع، وفيه رائحة المعنى النحوي الذي في المصدر المؤول، لذلك يجوز أن تكون " ما " وصلتها في موضع الحال، والمعنى قام القوم خالين عن زيد، ويصلح أيضاً معنى الظرفية الزمنية، والتقدير: قام القوم وقت خلوهم عن زيد، كما يصلح أن يكون المعنى على الاستثناء، أي قام القوم غير زيد . فهذه المعاني جمعياً ليست بالغريبة في مثل هذا التركيب عن "ما " وصلتها. ومن ذلك أيضاً ما يقع موقع المفعولية للأفعال التي تصلح للتعدية إلى مفعول واحد وإلى مفعولين. قال تعالى: [ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّار] . وإن غياب القرينة التي تحدد التعدية للفعل " تعلمون " المعلق عن العمل لفظاً جعل الجملة الاسمية المصدرة باسم استفهام، باعتبار " من " استفهامية، جعلها تحتمل وجهين، فيصلح فيها أن تكون في موضع المفعولين، على أن الفعل يتعدى إلى اثنين، ويصلح أن تكون في موضع المفعول، على أن الفعل يتعدى إلى واحد، لأنه بمعنى " عرف "، ويطرد استخدام الفعل في كلا الوجهين. وهكذا يتبين لنا مما تقدم أن طبيعة اللغة تجعل أحياناً العلاقة النحوية بين المفردات معقدة، فيولد هذا الأمر تعدداً في معاني بعض العناصر النحوية من خلال صلاحية الموقع الذي يشغله لفظ ما لغير وجه، وهو أمرٌ يتجاوز غياب الحركة الإعرابية كما نلاحظ، فيشمل العلاقة النحوية بين عناصر النظام التركيبي، ولعل الأمثلة على هذا النمط كثيرة نكتفي بما تقدم منها.
ويظهر التعدد الذي تؤدي إليه طبيعة اللغة بوجه آخر، وهو أن تتعدد معاني المبنى للفظ ما، لعدم وجود قرينة تحدد وجهاً معيناً، ويحدث هذا الأمر في الأدوات والأفعال والأسماء.