عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 7 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 04-22-2016 - 04:32 PM ]


يتبع :
القسم الثاني : (دراسة نحوية للأحاديث النبوية الواردة في أكثر شروح ألفية «ابن مالك»)

وفيه ثمانية وثلاثون بابا.

وهذه الأبواب مشتملة على مسائل.

وعددها : عشر ومائة مسألة.

وقد تضمنت هذه المسائل شواهد حديثية نبوية ، مبينا فيها وجه الاستشهاد.

وقد اقتصرت على الأحاديث الواردة في شروح الألفية التالية :

(ظ،) «شرح ألفية ابن مالك»

ومؤلفه : «محمد بن محمد بن مالك ، بدر الدين ، ابن جمال الدين» ـ ظ¦ظ¨ظ* ه‍.

(ظ¢) «توضيح المقاصد والمسالك ، بشرح ألفية ابن مالك» ومؤلفه : «الحسن ابن قاسم بن عبد الله بن علي المرادي ، المعروف بابن أمّ قاسم» ـ ظ§ظ¤ظ© ه‍.

(ظ£) «أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك»

ومؤلفه : «عبد الله ، جمال الدين ، أبو محمد ، ابن هشام الأنصاري» ـ ظ§ظ¦ظ، ه‍.

(ظ¤) «شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك»

ومؤلفه : «عبد الله بن عبد الرحمن بن عقيل الهاشميّ» ـ ظ§ظ¦ظ© ه‍.

(ظ¥) «المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية»
ظ،ظ¢

ومؤلفه : «إبراهيم بن موسى اللّخمي الغرناطي ، أبو إسحاق الشاطبي» ـ ظ§ظ©ظ* ه‍.

(ظ¦) «شرح الأشموني على ألفية ابن مالك»

ومؤلفه : «نور الدين ، علي بن محمد ، أبو الحسن الأشموني» ـ نحو ظ©ظ*ظ* ه‍ وقيل في وفاته غير ذلك.

وبنهاية المطاف عقدت «خاتمة» بيّنت فيها النتائج التي وصلت إليها من بحثي.

ثم يجيء دور المحتوى العام.

وبهذا أكون قد استوعبت في هذا الكتاب : دراسة ظاهرة الاستشهاد بالحديث عند النحاة ، وما يتصل بهذه الظاهرة ، مع المناقشات السديدة ، والآراء المفيدة ، كما درست طائفة كبيرة من الأحاديث التي استشهد بها شرّاح الألفية ، وعنيت بتخريجها عناية تامة من المصنفات الحديثيّة.

وفي الختام : أستغفر الله العظيم مما طغى به القلم ، أو زلّ به الفكر ، على أنه قد قيل : ليس من الدّخل (ظ،) أن يطغى قلم الإنسان ، فإنه لا يكاد يسلم منه أحد.

قال «ابن الأثير» في «المثل السائر» :

«ليس الفاضل من لا يغلط ،




بل الفاضل من يعدّ غلطه»

في أبها ظ¢ظ£ من جمادى الأولى سنة ظ،ظ¤ظ*ظ¢

وكتبه أ. د محمود فجال

__________________

(ظ،) العيب.
ظ،ظ£
ظ،ظ¤

تمهيد

فصاحة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وبلاغة قوله

منح الله ـ سبحانه وتعالى ـ نبيّنا ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ من كمالات الدنيا والآخرة ما لم يمنحه غيره ممن قبله أو بعده ، فمن ذلك كلامه المعتاد ، وفصاحته المعلومة.

وكلام النبوّة دون كلام الخالق ، وفوق كلام فصحاء المخلوقين ، فيه جوامع الكلام ، ومعجزات البلاغة والفصاحة.

وهو كثير مستفيض ، وحصر البليغ من كلام النبوّة ممتنع معجز ، لأنّه كلّه بليغ فصيح (ظ،).

والنبي ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ أفصح العرب قولا ، وأبينهم كلاما ، وأعلاهم بلاغة.

وقد وصف «الجاحظ» ـ ظ¢ظ¥ظ¥ ه‍ كلام النبي ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ فقال : «... هو الكلام الذي قلّ عدد حروفه ، وكثر عدد معانيه ، وجلّ عن الصنعة ، ونزّه عن التكلف ، وكان كما قال الله ـ تبارك وتعالى ـ قل يا محمد : (وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ)(ظ¢) ، فكيف وقد عاب التشديق ، وجانب أهل التقعيب (ظ£) ، واستعمل المبسوط في موضع البسط ، والمقصور في موضع القصر ، وهجر الغريب الوحشيّ ، ورغب عن الهجين السّوقيّ ، فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة ، ولم يتكلّم إلّا بكلام قد حفّ بالعصمة ، وشيّد بالتأييد ، ويسّر بالتوفيق.

وهو الكلام الذي ألقى الله عليه المحبة ، وغشّاه بالقبول ، وجمع له بين المهابة والحلاوة ، وبين حسن الإفهام ، وقلّة عدد الكلام.

__________________

(ظ،) «لباب الآداب» ظ£ظ£ظ* ـ ظ£ظ£ظ¤.

(ظ¢) سورة «ص» : ظ¨ظ¦.

(ظ£) التقعيب كالتقعير ، وهو أن يتكلم بأقصى قعر فمه.
ظ،ظ¥

وهو مع استغنائه عن إعادته ، وقلّة حاجة السامع إلى معاودته ، لم تسقط له كلمة ، ولا زلّت به قدم ، ولا بارت له حجّة ، ولم يقم له خصم ، ولا أفحمه خطيب ، بل يبذّ الخطب الطّوال بالكلم القصار. ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم ، ولا يحتجّ إلا بالصّدق. ولا يطلب الفلج (ظ،) إلا بالحق ، ولا يستعين بالخلابة ، ولا يستعمل المواربة ، ولا يهمز ولا يلمز (ظ¢) ، ولا يبطىء ولا يعجل ، ولا يسهب ولا يحصر (ظ£) ، ثم لم يسمع الناس بكلام قطّ أعمّ نفعا ، ولا أقصد لفظا ، ولا أعدل وزنا ، ولا أجمل مذهبا ، ولا أكرم مطلبا ، ولا أحسن موقعا ، ولا أسهل مخرجا ، ولا أفصح معنى ، ولا أبين عن فحواه (ظ¤) ، من كلامه ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ» (ظ¥)

وقال «القاضي أبو الفضل عياض» ـ ظ¥ظ¤ظ¤ ه‍ : «وأما فصاحة اللسان ، وبلاغة القول ، فقد كان ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ من ذلك بالمحلّ الأفضل ، والموضع الذي لا يجهل ، سلاسة (ظ¦) طبع ، وبراعة (ظ§) منزع (ظ¨) ، وإيجاز مقطع (ظ©) ، ونصاعة لفظ ، وجزالة قول ، وصحّة معان ، وقلّة تكلّف ، أوتي جوامع الكلم (ظ،ظ*) ، وخصّ ببدائع الحكم ، وعلّم ألسنة العرب ، فكان يخاطب كلّ أمة منها بلسانها ، ويحاورها بلغتها ، ويباريها في منزع بلاغتها ، حتى كان كثير من أصحابه يسألونه

__________________

(ظ،) الفلج : الفوز والظفر.

(ظ¢) الهمز : الغيبة في الغيبة ، واللمز : العيب في الحضرة.

(ظ£) حصر يحصر حصرا ، من باب تعب : عي في كلامه.

(ظ¤) فحواه : معناه.

(ظ¥) «البيان والتبيين» ظ¢ : ظ،ظ§ ـ ظ،ظ¨.

(ظ¦) سلاسة : سهولة.

(ظ§) «البراعة» مصدر «برع» أي : فاق.

(ظ¨) المنزع : المأخذ.

(ظ©) مقطع : تمام الكلام.

(ظ،ظ*) جمع : جامعة ، أي : أوتي الكلم الجوامع للمعاني.
ظ،ظ¦

في غير موطن عن شرح كلامه ، وتفسير قوله. من تأمّل حديثه وسيره (ظ،) علم ذلك وتحقّقه ...

وأما كلامه المعتاد وفصاحته المعلومة ، وجوامع كلمه المأثورة ، فقد ألّف الناس فيها الدواوين ، وجمعت في ألفاظها ومعانيها الكتب ، ومنها ما لا يوازى (ظ¢) فصاحة ، ولا يبارى بلاغة ...

وقد روت الكافة عن الكافة (ظ£) من مقاماته ، ومحاضراته ، وخطبه ، ومخاطباته ، وعهوده مما لا خلاف أنه نزل من ذلك مرتبة لا يقاس بها غيره ، وحاز فيها سبقا لا يقدر قدره.

وقد جمعت من كلماته التي لم يسبق إليها ، ولا قدر أحد أن يفرغ في قالبه عليها ... ما يدرك الناظر العجب في مضمّنها ، ويذهب به الفكر في أداني حكمها ...

فجمع له بذلك ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ قوة عارضة البادية وجزالتها ، ونصاعة ألفاظ الحاضرة ، ورونق كلامها ، إلى التأييد الإلهي الذي مدده الوحي الذي لا يحيط بعلمه بشريّ.

وقالت «أمّ معبد» (ظ¤) في وصفها له ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ : حلو المنطق ، فصل ، لا نزر (ظ¥) ، ولا هذر (ظ¦) ، كأنّ منطقه خرزات نظمن ، وكان جهير الصّوت ، حسن النّغمة ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ». (ظ§)

__________________

(ظ،) جمع سيرة.

(ظ¢) يوازى : يماثل ويقابل.

(ظ£) الكافة : جمع من الناس ، يقال : لقيتهم كافة ، أي : جميعهم.

(ظ¤) «أم معبد الخزاعية» من ربّات الفصاحة والبلاغة انظر «أعلام النساء» ظ¥ : ظ¦ظ¢.

(ظ¥) نزر : قليل.

(ظ¦) هذر : مصدر هذر إذا كثر كلامه.

(ظ§) «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» ظ، : ظ§ظ* ـ ظ¨ظ،.
ظ،ظ§

وقال «مجد الدين ، أبو السعادات ، المبارك بن محمد الجزري ، ابن الأثير» ـ ظ¦ظ*ظ¦ ه‍ : «... وقد عرفت ـ أيدك الله وإيانا بلطفه وتوفيقه ـ أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان أفصح العرب لسانا ، وأوضحهم بيانا ، وأعذبهم نطقا ، وأسدّهم لفظا ، وأبينهم لهجة ، وأقومهم حجّة ، وأعرفهم بمواقع الخطاب ، وأهداهم إلى طرق الصواب ، تأييدا إلهيّا ، ولطفا سماويا ، وعناية ربّانية ، ورعاية روحانية ، حتى لقد قال له «عليّ» ـ كرّم الله وجهه ـ وسمعه يخاطب وفد بني نهد ـ : يا رسول الله ، نحن بنو أب واحد ، ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره! فقال : «أدبني ربي فأحسن تأديبي (ظ،) ، وربّيت في بني سعد».

فكان صلى‌الله‌عليه‌وسلم يخاطب العرب على اختلاف شعوبهم وقبائلهم ، وتباين بطونهم ، وأفخاذهم ، وفصائلهم ، كلّا منهم بما يفهمون ، ويحادثهم بما يعلمون. ولهذا قال ـ صدّق الله قوله ـ : «أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم» (ظ¢) فكأن (ظ£) الله ـ عزوجل ـ قد أعلمه ما لم يكن يعلمه غيره من بني أبيه ، وجمع فيه من المعارف ما تفرّق ولم يوجد في قاصي العرب ودانيه. وكان أصحابه ـ رضي‌الله‌عنهم ـ ومن يفد عليه من العرب يعرفون أكثر ما يقوله ، وما جهلوه سألوه عنه فيوضحه لهم» (ظ¤).

وقال «مصطفى صادق الرافعي» ـ ظ،ظ£ظ¥ظ¦ ه‍ (بتصرف) : «ولا نعلم أن هذه الفصاحة قد كانت له صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا توفيقا من الله ، وتوقيفا ، إذ ابتعثه للعرب ، وهم قوم يقادون من ألسنتهم ، ولهم المقامات المشهورة في البيان

__________________

(ظ،) أخرجه «العسكري» في «الأمثال» عن «علي» ـ رضي‌الله‌عنه ـ مرفوعا ، في حديث طويل ، وسنده ضعيف. وقال في «اللآلي» لـ «السيوطي» : معناه صحيح ، لكن لم يأت من طريق صحيح.

«المقاصد الحسنة» ظ¢ظ© ، «كشف الخفاء» ظ، : ظ§ظ* ، و «تمييز الطيب من الخبيث» ظ،ظ¢.

(ظ¢) عزاه الحافظ «ابن حجر» لـ «مسند الحسن بن سفيان» عن «ابن عباس». وسنده ضعيف جدا.

ول «الديلمي» في «مسنده» عن «ابن عباس» رفعه : «يا ابن عباس لا تحدث قوما حديثا لا تحتمله عقولهم». «المقاصد الحسنة» ظ©ظ£ ، و «كشف الخفاء» ظ، : ظ،ظ©ظ¦.

(ظ£) لعلها تصحيف ، وصوابها : «فكان» بلا همزة ، لما لا يخفى.

(ظ¤) مقدمة «النهاية في غريب الحديث والأثر».
ظ،ظ¨

والفصاحة ، ثم هم مختلفون في ذلك على تفاوت ما بين طبقاتهم في اللغات ، وعلى اختلاف مواطنهم ، فمنهم الفصيح والأفصح ، ومنهم الجافي والمضطرب ، ومنهم ذو اللوثة ، والخالص في منطقه ، إلى ما كان من اشتراك اللغات وانفرادها بينهم ، وتخصص بعض القبائل بأوضاع ، وصيغ مقصورة عليهم ، لا يساهمهم فيها غيرهم من العرب ، إلا من خالطهم ، أو دنا منهم دنوّ المأخذ.

فكان ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ يعلم كل ذلك على حقّه ، كأنما تكاشفه أوضاع اللغة بأسرارها ، وتبادره بحقائقها ؛ فيخاطب كلّ قوم بلحنهم ، وعلى مذهبهم ، ثم لا يكون إلا أفصحهم خطابا ، وأسدّهم لفظا ، وأبينهم عبارة ، ولم يعرف ذلك لغيره من العرب ، ولو عرف لنقلوه وتحدثوا به ، واستفاض فيهم.

ومثل هذا لا يكون لرجل من العرب إلا عن تعليم ، أو تلقين ، أو رواية ، عن أحياء العرب ، حيّا بعد حي ، وقبيلا بعد قبيل ، حتى يفلي لغاتهم ، ويتتبع مناطقهم ، مستفرغا في ذلك ، متوفّرا عليه ، ومعلوم أنه ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ لم يتهيأ له شيء من ذلك ... والذي خص به النبي ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ من ذلك قد كان توفيقا وإلهاما من الله ، فقد علمه الله أشياء كثيرة لم يكن يعلمها ، حتى لا يعيا بقوم إن وردوا عليه ، ولا يحصر إن سألوه ، ويكون في كل قبيل منهم ؛ لتكون الحجة به أظهر ، والبرهان على رسالته أوضح ، وذلك خاص له من دون العرب. فهذه واحدة.

وأما الثانية فقد كان ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ في اللغة القرشية التي هي أفصح اللغات وألينها ، بالمنزلة التي لا يدافع عليها ، ولا ينافس فيها ، وكان من ذلك في أقصى النهاية ، وإنما فضلهم بقوة الفطرة ، واستمرارها وتمكنها ، مع صفاء الحسّ ، ونفاذ البصيرة ، واستقامة الأمر كله ، بحيث يصرّف اللغة تصريفا ، ويديرها على أوضاعها ، ويشقق منها في أساليبها ومفرداتها ما لا يكون لهم إلا القليل منه ؛ لأن القوة على الوضع ، والكفاية في تشقيق اللغة وتصاريف الكلام ، لا تكون في أهل الفطرة مزاولة ومعاناة ، ولا بعد نظر فيها ، وارتياض لها ، إنما هي إلهام بمقدار ، تهيّء له الفطرة القوية ، وتعين عليه النفس المجتمعة ، والذهن الحادّ ، والبصر النفّاذ ، فعلى حسب ما يكون
ظ،ظ©

للعربي في هذه المعاني ، تكون كفايته ، ومقدار تسديده في باب الوضع.

وليس في العرب قاطبة من جمع الله فيه هذه الصفات ، وأعطاه الخالص منها ، وخصه بجملتها ، وأسلس له مآخذها ، وأخلص له أسبابها ، كالنبي ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ فهو اصطنعه لوحيه ، ونصبه لبيانه ، وخصه بكتابه ، واصطفاه لرسالته ، وما ذا عسى أن يكون وراء ذلك في باب الإلهام ، وجمام الطبيعة ، وصفاء الحاسة ، وثقوب الذهن ، واجتماع النفس ، وقوة الفطرة ، ووثاقة الأمر كله بعضه إلى بعض.

ولا يذهبنّ عنك أن للنشأة اللغوية في هذا الأمر ما بعدها ، وأن أكبر الشأن في اكتساب المنطق واللغة ، للطبيعة والمخالطة والمحاكاة ، ثم ما يكون من سمو الفطرة ، وقوتها ، فإنما هذه سبيله : يأتي من ورائها ، وهي الأسباب إليه ؛ وقد نشأ النبي ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ ، وتقلّب في أفصح القبائل وأخلصها منطقا ، وأعذبها بيانا ، فكان مولده في بني هاشم ، وأخواله في بني زهرة ، ورضاعه في سعد بن بكر ، ومنشؤه في قريش ، ومتزوّجه في بني أسد ، ومهاجرته إلى بني عمرو ، وهم الأوس والخزرج من الأنصار ، لم يخرج عن هؤلاء في النشأة واللغة ؛ ولقد كان في قريش وبني سعد وحدهم ما يقوم بالعرب جملة ، ولذا قال ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ : «أنا أفصح العرب ، بيد أني من قريش ، ونشأت في بني سعد بن بكر» (ظ،).

وهو قول أرسله في العرب جميعا ، والفصاحة أكبر أمرهم ، والكلام سيد عملهم ، فما دخلتهم له حميّة ، ولا تعاظمهم ، ولا ردّوه ، ولا غضّوا منه ، ولا وجدوا إلى

__________________

(ظ،) هم بنو سعد بن بكر ، وكانوا من العرب الضاربة حول مكة ، وكان أطفال القرشيين يتبدون فيهم وفي غيرهم ، يطلبون بذلك نشأة الفصاحة ، ولا يزال كبراء مكة إلى اليوم يرسلون أحداثهم إلى أماكن هذه القبائل من البادية ، وخاصة إلى قبيلة عدوان في شرق الطائف ، وهي قريبة من بني سعد ، وإنما يطلبون بذلك إحكام اللهجة العربية ، وصحة النشأة ، وحرية النزعة. وما إليها مما هو الأصل في هذه العادة يتوارثونها في التربية العربية من قديم.

وبنو سعد هؤلاء غير بني سعد بن زيد مناة بن تميم ، الذين من لغتهم إبدال الحاء هاء لقرب المخرج ، وليست لغتهم خالصة في الفصاحة.

والرواة جميعا على أن بني سعد بن بكر خصوا من بين قبائل العرب بالفصاحة ، وحسن البيان. أه «الرافعي».
ظ¢ظ*

نقضه سبيلا ، ولا أصابوا للتهمة عليه طريقا ، ولو كان فيهم أفصح منه لعارضوه به ، ثم لجعلوا من ذلك سببا لنقض دعوته ، والإنكار عليه ، غير أنهم عرفوا منه الفصاحة على أتم وجوهها ، وأشرف مذاهبها ، ورأوا له في أسبابها ما ليس لهم ، ولا يتعلقون به ، ولا يطيقونه ، وأدنى ذلك أن يكون قوي العارضة ، مستجيب الفطرة ، ملهم الضمير ، متصرف اللسان ، يضعه من الكلام حيث شاء ، لا يستكره في بيانه معنى ، ولا يندّ في لسانه لفظ ، ولا تغيب عنه لغة ، ولا تضرب له عبارة ، ولا ينقطع له نظم ، ولا يشوبه تكلف ، ولا يشق عليه منزع ، ولا يعتريه ما يعتري البلغاء في وجوه الخطاب ، وفنون الأقاويل ، من التخاذل ، وتراجع الطبع ، وتفاوت ما بين العبارة والعبارة ، والتكثر لمعنى بما ليس منه ، والتحيف لمعنى آخر بالنقص فيه ، والعلوّ في موضع ، والنزول في موضع ، إلى غير ذلك.

وقد نزه ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ عن جميعها ، وسلم كلامه منها ، وخرج سبكه خالصا لا شوب فيه ، وكأنما وضع يده على قلب اللغة ينبض تحت أصابعه. ولو هم اطلعوا منه على غير ذلك ، أو ترامى كلامه إلى شيء من أضداد هذه المعاني لأطالوا في رد فصاحته ، وعرّضوا ، ولكان ذلك مأثورا عنهم ، دائرا على ألسنتهم ، مستفيضا في مجالسهم ومناقلاتهم ، ثم لردّوا عليه القرآن ، ولم يستطع أن يقوم لهم في تلاوته وتبيينه ، ثم لكان فيهم من يعيب عليه في مجلس حديثه ، ومحاضرة أصحابه ، أو ينتقص أمره ، ويغضّ من شأنه ، فإنّ القوم خلّص لا يستجيبون إلا لأفصحهم لسانا ، وأبينهم بيانا ، وخاصة في أول النبوّة ، وحدثان العهد بالرسالة ، فلما لم يعترضه شيء من ذلك ، وهو لم يخرج من بين أظهرهم ، ولا جلا عن أرضهم ، ورأينا هذا الأمر قد استمر على سنته ، واطرد إلى غايته ، وقام عليه الشاهد القاطع من أخبارهم ، علمنا قطعا وضرورة أنه ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ كان أفصح العرب ، وأنه آية من آيات الله ، لأولئك القوم ، و (كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)(ظ،)(ظ¢).

__________________

(ظ،) البقرة : ظ،ظ¨ظ§.

(ظ¢) «تاريخ آداب العرب» ظ¢ : ظ¢ظ¨ظ£ ـ ظ¢ظ¨ظ§.
ظ¢ظ،

وقال الأستاذ محمود محمد شاكر في مقال «المقتطف» (عدد يوليو سنة ظ،ظ©ظ£ظ¤ ص ظ،ظ،ظ¤ ـ ظ،ظ،ظ¥) :

«إن اتساع الفكرة في هذا الزمن ، ثم بساطتها ، ثم خفاء موضع الفلسفة العالية فيها ، ثم تغلغل النظرة الفلسفية إلى أعماق الحقيقة الحية في الكون : هو رأس ما يمتاز به كبار الأفذاذ والبلغاء في عصرنا هذا. وهو النوع الذي لم تعرفه العربية إلا في القليل من شعرائها ، وفي القليل من شعر هؤلاء الشعراء ، وليس في العربية من هذا النوع إلا معجزتان : إحداهما : القرآن ، والأخرى : ما صحّ من حديث الرسول ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ ، ففيهما وحدهما تبلغ الفكرة في نفسها ، ثم بتعبيرها وألفاظها ، ثم بشمول معانيها لجميع الحقائق الواشجة بها ، ثم بتنسّمها في ألفاظها وكلماتها نسمة الرّوح العطر في جوّ السّحر ، ثم فوق ذلك كله البساطة واللين والتقارب والتعاطف بين هذه المعاني كلها ـ نقول : يبلغ هذا كله مبلغا يكون منه ما هو كنسيم الجنة في طيبه ونعمته ، ويكون منه ما هو كحزّ المواسي في علائق القلوب ، ويكون منه ما هو كالنار تستعر وتتلذّع ، ويكون منه ما ينتظم البنيان الإنساني البليغ المتفهم فبهزّه هزّ الزلزلة أعصاب الأرض ، وبهذا كان القرآن معجزا ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وبمثله كان حديث الرسول ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ هو ذروة البلاغة البشرية التي تتقطّع دونها أعناق الرجال» (ظ،).

وأخيرا ما أثمرت بلاغة مثل ما أثمرته بلاغة السماء في القرآن الكريم ، ثم بلاغة الأرض في كلامه ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ.

ولم يأت عن أحد من روائع الكلم مثل ما جاء عنه ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ.

__________________

(ظ،) التعريف بكتاب «مفتاح كنوز السنة» : د ، ه ، للمحدث أحمد محمد شاكر.
ظ¢ظ¢

القسم الأول



التعديل الأخير تم بواسطة عبدالله بنعلي ; 04-22-2016 الساعة 04:54 PM

رد مع اقتباس