الحديث النبوي في النحو العربي
المؤلف: الدكتور محمود فجال المحقق: المترجم:
الموضوع : اللغة
ولقد تناولت في كتابي «الحديث النبوي في النحو العربي» ظاهرة «الاحتجاج بالحديث النبوي ، والاستشهاد به» ؛ لأنّ علم الحديث الشريف ، رفيع القدر ، عظيم الفخر ، شريف الذكر ، لا يعتني به إلّا كلّ حبر ، ولا يحرمه إلّا كلّ غمر (ظ،) ، ولا تفنى محاسنه على ممر الدهر (ظ¢).
فالحديث النبوي كما أنه المصدر الثاني للتشريع واللغة بلا منازع. فكذلك هو المصدر النّحويّ في قولين من ثلاثة.
وسيبقى الحديث إلى جانب القرآن في الاستدلال والاحتجاج ، حتى يرث الله الأرض ومن عليها ، فالتمسك بهما سر نجاح الأمة الإسلامية وتقدمها ، مصداقا لقوله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : (تركت فيكم شيئين لن تضلّوا بعدهما : كتاب الله ، وسنّتي) (ظ£).
وقد قسّمت الخلاف في الاحتجاج بالحديث النبوي ، إلى ثلاثة اتجاهات :
الاتجاه الأول : صحة الاحتجاج بالحديث النبوي في النحو العربي.
ذهب إلى ذلك طائفة من النحاة ، منهم : «ابن خروف» ـ ظ¦ظ*ظ© ه و «ابن مالك» ـ ظ¦ظ§ظ¢ ه ، و «ابن هشام» ـ ظ§ظ¦ظ، ه.
وهذا الاتّجاه عليه المعوّل ، وإليه المصير.
__________________
(ظ،) الغمر ـ بضم الغين ـ : غير المجرب.
(ظ¢) انظر مقدمة «تدريب الراوي».
(ظ£) رمز «السيوطي» في «الجامع الصغير» بأنه أخرجه «الحاكم» في «المستدرك» عن أبي هريرة ا ه.
قاله النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ في حجة الوداع. وانظر «فيض القدير» ظ£ : ظ¢ظ¤ظ،.
ظ¦
وقد أفسح لنا «ابن مالك» دائرة الاستشهاد باعتبار الحديث مصدرا من مصادرها.
وليت شعري ، من أولى من «ابن مالك» في عصره ، بتمييز صحيح الحديث من زائفه!! وهو الذي ذكر بين طبقات الشافعية ، وروى له «السيوطيّ» بعض الأحاديث بسنده ، وتلمذ له الإمام «اليونينيّ» و «ابن جماعة» ، وغيرهما من كبار الأئمة ، وكتابه «شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح» خير دليل على أن الرجل لم يجر في غير ميدانه ، ولم يتعلق بما ليس من شأنه ، بل إنه الإمام الذي يطمأن إليه فيما يأخذ وما يدع من أحاديث الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ حين يرى الاستشهاد بشيء من هذه الأحاديث (ظ،).
وقال «ابن حزم» : «... والذي لا شك فيه فهو أنه ـ عليهالسلام ـ أفصح من امرئ القيس ، ومن الشماخ ، ومن الحسن البصري ، وأعلم بلغة قومه من الأصمعي ، وأبي عبيدة ، وأبي عبيد.
فما في الضلال أبعد من أن يحتج في اللغة بألفاظ هؤلاء ، ولا يحتج بلفظه فيها ـ عليهالسلام ـ فكيف وقد أضاف ربه ـ تعالى ـ فيه إلى ذلك العصمة من الخطأ فيها ، والتأييد الإلهي ، والنبوة والصدق ...» (ظ¢)
الاتجاه الثاني : رفض الاستشهاد بالحديث والاحتجاج به صراحة.
ذهب إلى ذلك طائفة من النحاة ، منهم : «أبو حيان» ـ ظ§ظ¤ظ¥ ه ، و «أبو الحسن ابن الضائع» ـ ظ¦ظ¨ظ* ه. وأولع «السيوطي» ـ ظ©ظ،ظ، ه بنقل كلامهما ، وألهج به في كتبه ، ظانا أنه من الفوائد الغريبة ، متلقيا له بالقبول تقليدا غافلا عن أنه في هذا الباب لا يسمن ولا يغني.
__________________
(ظ،) انظر تمهيد «ابن مالك : تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد» ظ¤ظ§ ـ ظ¤ظ¨.
(ظ¢) «الإحكام في أصول الأحكام» ظ¥ظ£ظ© ـ ظ¥ظ¤ظ،.
ظ§
وقد تعلّق من قال بهذا الاتجاه بعلّتين :
جواز الرواية بالمعنى.
ووقوع اللحن كثيرا في الأحاديث ، لأن كثيرا من الرواة كانوا غير عرب ، ولا يعلمون لسان العرب بصناعة النحو.
ونحن نحمّل مسؤولية هذا الرفض «أبا حيان» و «ابن الضائع» ؛ النقل بالمعنى إنما كان في الصدر الأول ، قبل تدوينه في الكتب ، وقبل فساد اللغة ، وغايته تبديل لفظ بلفظ ، يصح الاحتجاج به ، فلا فرق. وادعاء وقوع اللحن في الحديث النبوي باطل ؛ لأن ذلك يمكن أن يتخرج على وجه من الوجوه النّحوية الصحيحة ، أو يتخرج على لغة عربية غير مشهورة.
والقول بأن في رواة الحديث أعاجم قول لا يعتدّ به ؛ لأنّ ذلك يقال في رواة الشعر والنثر ، اللذين يحتج بهما ، فإن فيهم الكثير من الأعاجم ، وهل في وسعهم أن يذكروا لنا محدّثا ممن يعتد به أن يوضع في صف «حمّاد الراوية» الذي كان يكذب ، ويلحن ، ويكسر الشعر. (ظ،) وروى «الكوفيون» أنّ حمّادا الراوية كان حفظ القرآن من المصحف ، فكان يصحّف نيّفا وثلاثين حرفا. (ظ¢) ومع ذلك لم يتورع الكوفيون ، ومن نهج منهجهم عن الاحتجاج بمروياته. ولكنهم تحرجوا في الاحتجاج بالحديث النبوي.
ولم ترفّع النّحويّون عما ارتضاه اللغويون من الانتفاع بهذا الشأن ، والاستقاء من ينبوعه الفياض ، العذب الزلال ، فأصبح ربع اللغة به خصيبا بقدر ما صار ربع النحو جديبا؟!
ومن اطّلع على منهج المحدّثين في النقد ، وطريقتهم في التعديل ، ومبالغتهم في
__________________
(ظ،) «مراتب النحويين» : ظ،ظ،ظ¨.
(ظ¢) «شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف» : ظ،ظ¢ ، و «حماد» هذا هو حماد بن سابور بن المبارك ، أبو القاسم (ظ©ظ¥ ـ ظ،ظ¥ظ¥ ه) وانظر ترجمته في «الأعلام» ظ¢ : ظ¢ظ§ظ،.
ظ¨
حقيقة الراوي ، والأخذ بالظنة والتهمة في ردّ مروياته ، يكاد يجزم بأن تجويز الكذب على الراوي المستجمع للشروط أمر لا يصدّقه عقل ، ولا يتفق عليه اثنان.
ونحن لا نعذر القدامى في عدم احتجاجهم بالحديث ، ولكن عدم ممارستهم لهذا الفن الجليل صرفهم عن الاحتجاج به ؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
الاتجاه الثالث : التوسط بين المنع والجواز
ومن أبرز من نهج هذا النهج «أبو إسحاق الشاطبي» ـ ظ§ظ©ظ* ه فقد قسّم الحديث إلى قسمين :
القسم الأول : ما يعتنى ناقله بمعناه دون لفظه ، وهذا لم يقع به استشهاد أهل اللسان.
القسم الثاني : عرف اعتناء ناقله بلفظه ، لمقصود خاص ، كالأحاديث التي قصد بها فصاحته ـ صلىاللهعليهوسلم ـ والأمثال النبوية. وهذا يصح الاستشهاد به في النحو.
ثم أضاف «محمد الخضر حسين» ـ ظ،ظ£ظ§ظ§ ه قسما ثالثا ، هو في الواقع تفصيل لما أجمل «الشاطبيّ» ، وقد عالج هذا الموضوع في «مجلة مجمع اللغة العربية» على خير ما يعالجه عالم ثبت ، (ظ،) وانتهى من بحثه إلى النتيجة الآتية :
من الأحاديث ما لا ينبغي الاختلاف بالاحتجاج به في اللغة و (القواعد) وهي ستة أنواع :
أولها : ما يروى بقصد الاستدلال على كمال فصاحته ، ومحاسن بيانه.
ثانيها : ما يروى من الأقوال التي يتعبّد بها.
__________________
(ظ،) يقال : رجل ثبت ـ بسكون الباء ـ متثبّت في أموره. ورجل ثبت ـ بفتحتين ـ إذا كان عدلا ضابطا ، والجمع : أثبات ، مثل سبب وأسباب. مصباح (ثبت).
ظ©
ثالثها : ما يروى على أنه كان يخاطب كل قوم من العرب بلغتهم. ومما هو ظاهر أن الرواة يقصدون في هذه الأنواع الثلاثة إلى رواية الحديث بلفظه.
رابعها : الأحاديث التي وردت من طرق متعددة ، واتحدت ألفاظها. سواء أكان ذلك من لفظ النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ أم الصحابة ، أم التابعين ، الذين ينطقون الكلام العربيّ فصيحا.
خامسها : الأحاديث التي دونها من نشأ في بيئة عربية لم ينتشر فيها فساد اللغة ، كـ «مالك بن أنس» ، و «عبد الملك بن جريج» ، و «الشافعي».
سادسها : ما عرف من حال رواته أنهم لا يجيزون رواية الحديث بالمعنى.
مثل : «ابن سيرين» و «علي بن المديني» ، و «رجاء بن حيوة» ...
إلى غير ذلك من النتائج ، وقد ذكرت في مكانها من هذا المؤلّف.
وأخيرا فلقد تعرضت لكثير من الشبهات والآراء ، وناقشتها ، ورددت على الساقط منها ، وبيّنت وجه الحق مدعوما بالأدلة ، والبراهين.
واشتمل هذا التأليف بعد هذه «التقدمة» على «تمهيد» ذكرت فيه «فصاحة النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وبلاغة قوله» ، وإنما ذكرت هذا التمهيد بساطا وتوطئة لما سأبسطه من الاحتجاج بالحديث النبوي. لا لأبيّن فصاحته ، وبلاغة قوله ، فهو أفصح من نطق بالضاد. لا ينازع في ذلك أحد.
وقد قسمت هذا التأليف إلى قسمين :
القسم الأول : (دراسة مستفيضة لظاهرة الاستشهاد بالحديث النبوي في النحو العربي)
وفيه ثلاثة أبواب :
الباب الأول : مدخل إلى علم النحو العربي.
وفيه ثلاثة فصول :
ظ،ظ*
الفصل الأول : معرفة اللغة والإعراب أصل لمعرفة الحديث النبويّ.
الفصل الثاني : فائدة تعلّم النحو.
الفصل الثالث : آراء علماء الشريعة في تعلّم النحو.
الباب الثاني : مدخل إلى علم الحديث النبوي.
وفيه فصلان :
الفصل الأول : تعريف الحديث ، والفرق بينه وبين الخبر والأثر.
الفصل الثاني : تدوين الحديث النبوي.
تصحيح خطأ.
الباب الثالث : المحدثون يتمتعون بدقة منقطعة النظير.
وفيه فصلان :
الفصل الأول : صفة رواية الحديث ، وشرط أدائه.
آراء العلماء في رواية المعنى.
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : بيان ما يقوله من يروي حديثا بالمعنى.
المسألة الثانية : حكم اختصار الحديث الواحد.
ورواية بعضه دون بعض والزيادة فيه.
المسألة الثالثة : حكم تقطيع متن الحديث الواحد ، وتفريقه في الأبواب.
المسألة الرابعة : طريق السلامة من اللحن والتصحيف في الحديث.
المسألة الخامسة : اللحن والتصحيف.
المسألة السادسة : تقويم اللحن بإصلاح الخطأ.
المسألة السابعة : اتباع المحدّث على لفظه وإن خالف اللغة الفصيحة.
الفصل الثاني : الاحتجاج بالحديث والاستشهاد به.
مطلب : معنى الاستشهاد ، والاحتجاج ، والتمثيل.
وهذه الفصول والمسائل التي درستها شديدة المساس بظاهرة «الاحتجاج والاستشهاد بالحديث النبوي».
ظ،ظ،
وحين أبحث ذلك فإنني لم أخرج عن إطار البحث النحوي الجاد الذي فيه أوفّي الموضوع حقّه من البحث والتنقيب ، معتصما بالصبر ، ومستعينا بالله.
وخلصنا من دراستنا هذه إلى أنه من المسلّمات الأولية أنّ الخطأ واللحن لم يقله النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ولا أصحابه ، ولا التابعون.