عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 04-22-2016 - 04:18 PM ]


احتجاج النحويين بالحديث
الأبحاث - أبحاث المجلة

للدكتور محمود حسني محمود


لم تكن قضية الاحتجاج بالحديث تشغل فكر أحد من النحاة الأوائل، الواضعين لعلم النحو، المستقرئين لأحكامه من لسان العرب. لقد أثاروا النقاش حول الاحتجاج بالشعر، والاحتجاج بأقوال العرب وبالقراءات؛ ولكن أحداً منهم لم يحاول أن يبدي رأياً حول الاحتجاج بالحديث. فَلِمَ لاذ هؤلاء بالصمت؟ ألأَن النبي قال قولته المشهورة: "أنا أفصح العرب بيد أني من قريش"، فلم تترك هذه القولة مجالاً لأحد في المناقشة، وكأنها تجعل الاحتجاج بالأحاديث أمراً مسلّماً به، كما هو الأمر في الاحتجاج بالقرآن الكريم؟. أم لأن الوضع في الحديث كَثُر وتزايَدَ، بحيث صَعُب على هؤلاء النحاة الأوائل الذين كانوا يتحرّون الدقة ويتشددون التشدد كله أن يميّزوا ما هو للرسول وما هو ليس له؟ أم لأن الحديث رُوِي بعض منه بالمعنى فاشتمل على لفظ غير لفظ النبي، وإعراب غير إعرابه، وتصريف في اللفظ غير تصريفه، الأمر الذي جعل هؤلاء يتحرجون في البتّ في هذه القضية؟

يبدو لي أن هذه الأسباب جميعاً جعلت هؤلاء يلوذون بالصمت دون أن يصرحوا بقول أو رأي، وكأن الوقت لم يحن بعد للقطع في مثل هذه القضية. ولو بَتّوا فيها كما بتّوا في الاحتجاج بنصوص الشعر والنثر، لما كان هناك مجال لأحد من النحاة المتأخرين في الذهاب فيها مذاهب متباينة، والإدلاء بآراء متناقضة، والتحامل على بعضهم بعضاً، ولما امتد هذا الخلاف أزمنة متعاقبة ظهر تأثيره في كتب المعاصرين الذين بحثوا هذه القضية وناقشوا جوانبها العديدة.

ولعل إفراط ابن مالك في الاستشهاد بالحديث إفراطاً شديداً هو الذي أثار قضية الاحتجاج بالحديث، وأوهم النحاة في عصره وبعد عصره أنه خرج على سُنّة الأولين، وأنه شقَّ مذهباً جديداً لا سابق له. وجعلهم يحاولون كدّ عقولهم لمطالعة الناس بفتاوى وآراء، فكان حصيلة ذلك آراء ثلاثة رئيسية:

الأول: لا يجوز الاحتجاج بالحديث مطلقاً لأسباب عديدة، أولها: أَن الحديث مرويّ بالمعنى دون اللفظ، وما دام كذلك فكثير من ألفاظه وما اعتراها من تصريف أو إعراب ليس من نطق الرسول ولا من لفظه. وثانيهما: أن الحديث وقع فيه لحن كثير، لأن أغلب رواته أعاجم لا يتقنون اللغة العربية. وثالثهما: أن أوائل النحاة من أئمة البصريين والكوفيين، النحاة المتأخرين في بغداد والأندلس وغيرها، لم يفعلوا ذلك.

وأبرز من قال بهذا الرأي أبو حيان، وابن الضائع، والسيوطي.

الثاني: رأى الشاطبي، الذي يقف موقفاً وسطاً بين المنع والتجويز، فيرى أنه يجوز الاحتجاج بالأحاديث التي اعُتني بنقل ألفاظها لمقصود خاص، كتلك التي قُصد بها بيان فصاحته، وكالأمثال النبوية. ولا يجوز الاحتجاج بالأحاديث التي اعتني رواتها بالمعنى دون اللفظ. وقد تبع الشاطبي أبا حيان في نفيه احتجاج أحد من النحاة الأوائل به.

الثالث: التجويز مطلقاً؛ وقال به ابن مالك والرضي، الذي زاد عليه جواز الاحتجاج بكلام أهل البيت، رضي الله عنهم. وقال به أيضاً الدماميني وابن الصلاح. غير أن أشد هؤلاء تحمّساً لهذا الرأي وأكثرهم دفاعاً عنه أمام أبي حيان، ابن الطيب المغربي، في شرحه على اقتراح السيوطي، ولعل أبرز ما بني عليه دفاعه:

أَن القول إن القدامى لم يستدلّوا بالحديث ولا أثبتوا القواعد الكلية، لا دليل فيه على أنهم يمنعون ذلك ولا يجوّزونه.

إن القول إن الأحاديث بأسرها ليس موثوقاً بأنها من كلام النبي، صلى الله عليه وسلم، قول باطل، لأن المتواتر، وإن كان قليلاً، مجزوم أنه من كلام النبي، وكذلك ما اشتمل عليه صحيحا البخاري ومسلم، إلا قليلاً، مجزوم بأنه من كلامه، وما صح أنه من كلامه لا شك في كونه في إثبات القواعد كالقرآن.

أما القول إن الرواة جوَّزوا النقل بالمعنى، فاحتمل نقل المعاني دون الألفاظ، فالخلاف فيه مشهور، وكما أجازه قوم منعه آخرون، بل ذهب إلى المنع كثير من المحدثين الفقهاء والأصوليين. وإن بعض الأئمة شدَّد في الرواية بالمعنى غاية التشديد، فمنع تقديم كلمة على كلمة أخرى، وحرف على آخر. وذهب بعض الأئمة إلى أنه لا تجوز الرواية بالمعنى إلا لمن أحاط بجميع دقائق علم اللغة، وإلا فلا يجوز له الرواية بالمعنى.

أما القول بتعدد رواية القصة الواحدة، فالرد عليه بأن ورود القصة الواحدة بالعبارات المختلفة صحيح موجود في كثير من الأحاديث، فقد كان النبي يعيد الكلام المرَّتَيْن وأكثر لقصد البيان وإزالة الإبهام. وقد ورد أنه، عليه الصلاة السلام، كان من عادته تكرار الكلام ثلاث مرات؛ وقد وضع البخاري باباً أسماه: باب من أعاد الحديث ثلاثاً ليفهم عنه.

وآخر دفاعاته أن صحيح البخاري، مع أنه مشتمل على سبعة آلاف ومئتين وخمسة وسبعين حديثاً بالمكرر، فإن التراكيب المخالفة لظاهر الإعراب فيه تكاد لا تبلغ أربعين، ومع ذلك بسطها شُرّاحه، وأزال النقابَ عن وجوه أشكالها ابنُ مالك في ما كتبه على صحيح البخاري، بحيث لم يعد فيها إشكال ولا غرابة.

وقضية الاحتجاج بالحديث هي في حقيقتها ذات جانبين يمكن دراسة أحدهما مستقلاً عن الآخر، وإن كان كل منهما يكمل الآخر ويلقي الضوء عليه:

الجانب الأول: الإفتاء في الاحتجاج بالحديث: هل يجوز أو لا يجوز؟

الجانب الثاني: هل احتج النحاة الأوائل بالحديث أم لا؟ ومتى كانت بداية الاحتجاج به؟ وما حجتهم إن كانوا عملوا به؟

أما الجانب الأول فقد بَتَّ فيه مجمع اللغة العربية إذ جوّز الاحتجاج بعد أن وضع شروطاً ومقاييس للأحاديث التي يُحْتَجّ بها.

وأما الجانب الثاني فقد بقي المجال فيه مفتوحاً أمام الباحثين المعاصرين للتنقيب والتفتيش، ولتبيين: هل كان الحديث مصدراً من مصادر الاحتجاج أو لا؟ وقد نفى الدكتور شوقي ضيف، والدكتور عبدالرحمن السيد احتجاج النحاة، كأبي عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، وسيبويه، وغيرهم، بالحديث. وعد الأستاذ طه الراوي ابن خروف (ت 609هـ) أول من احتج به. بينما عد الشيخ محمد الخضر حسين ابن حزم سابقاً لابن مالك في هذا المضمار. أما الدكتور أحمد مكي الأنصاري فقد نسب أولية الاحتجاج به إلى الفراء. وكان الدكتور عبدالفتاح شلبي دقيقاً في قوله حين بحث في هذا الموضوع، إذ جعل أبا علي الفارسي أسبق من ابن خروف، ولكنه لا يستطيع – كما ذكر- أن يدعي أنه أول من احتج، قال: "ولست أزعم أن صاحبي أول من اعتمد الأحاديث في الاحتجاج اللغوي والنحوي والصرفي، لأن هذه القضية عريضة تستلزم استقصاء آثار النحاة الذين سبقوا أبا علي؛ ولكني أكتفي بتقرير أن أبا علي أسبق من ابن خروف في الاحتجاج بالحديث في مسائل النحو والصرف".

ولم ينتبه أحد قبل عثمان فكي إلى احتجاج سيبويه بالحديث النبوي، فقد ذكر أنه عثر في ثنايا الكتاب على ثلاثة أحاديث، وعَدَّه بناء على ذلك أول من احتج به؛ وتابعه في ذلك كل من الدكتور أحمد مكي الأنصاري، والدكتور موسى بناي، والأستاذ أحمد راتب النفاخ بعد أن زاد عليهما حديثين آخرين.

ومن يستقصي هذا الموضوع بعناية، ويتفحص كتب الأقدمين يتبين أن سيبويه ليس أول من احتج بالحديث، وليس هو صاحب هذه السنّة، وإنما سبقه إليها أوائل النحاة الذين أخذوا على عاتقهم شق طريق القواعد العربية في النحو والصرف بجدّ وعناء. وأول هؤلاء -حسب ما توصلت إليه في هذه الدراسة- أبو عمرو بن العلاء (ت 154هـ)؛ وأبو عمرو هذا أستاذ سيبويه، وتلميذ تلميذ أبي الأسود الدؤلي - فقد أورد الزجاجي القول الآتي: "اعلم أن للعلماء في اشتقاق النبي قولين: أما سيبويه في حكايته عن الخليل فيذهب إلى أنه مهموز الأصل من أنبأ عن الله ... فالنبي في مذهب هؤلاء فعيل بمعنى فاعل، ولامه همزة أبدلت ياء وأدغمت فيها التي قبلها فقيل نبيّ، كما ترى ... وقيل: القول الآخر مذهب جماعة من أهل اللغة، وهو رأي أبي عمرو بن العلاء، قالوا ليس بمهموز الأصل، وإنما هو من النباوة، وهي الرفعة، فإنه قيل: نبا ينبو: أي ارتفع على الخَلْق وعلا عليهم، ولامُهُ واو قُلبت ياء لوقوعها بعد ياء ساكنة، وأدغمت الأولى في الثانية فقيل نبيّ كما ترى. وهَمْزُهُ على هذا المذهب خطأ غير جائز، وعلى المذهب الأول جائز همزهُ وتَركُ همزه، لأن ما كان مهموز الأصل فتخفيفه جائز، وما لم مهموزاً في الأصل فهمزه لحن، إلا ما كانت فيه علة موجبة. وقال هؤلاء: والدليل على صحة مذهبنا ما روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أن رجلاً قال له: يا نبيء الله، فهمزه. فقال له عليه السلام: (لست بنبيء الله، ولكنني نبيّ الله)، فقال القائلون بالمذهب الأول: هذا حديث مرسل رواه حمزة".

وهذا القول فيه أمران صريحان:

الأول: كان أبو عمرو بن العلاء ممن يحتجون بالحديث، فقد دعم رأيه في عدم همز النبي بقوله، صلى الله عليه وسلم، ردّاً على الرجل: (لست بنبيء الله ولكنني نبيّ الله).

الثاني: لم يكن الخليل وسيبويه يرفضان الاحتجاج بالحديث أو يمنعانه. وإذا كانا يرفضان فإنما يرفضان الاحتجاج بالحديث المرسل، فلم يرفضا الاحتجاج بالحديث المذكور لأنه قول الرسول وإنما لأنه مرسل، والمرسل نوع من أنوع الحديث الضعيف لعدم إسناده.

صحيح أن هذا الحديث استشهد به أبو عمرو في ميدان علم الصرف، إلا أن من يستشهد بالحديث في الصرف يستشهد به في النحو؛ فالصرف أقرب إلى النحو من أي علم آخر، وأشد صلة به من الاشتقاق أو علم اللغة. وكانا إلى فترة طويلة من الزمن علماً واحداً، انفصلا فيما بعد ولكن الصلة بينهما بقيت قوية. هذا بالإضافة إلى أن الصرف يبحث في ما يطرأ على الكلمة من زيادة أو نقصان أو تغيير، بينما يبحث النحو غالباً في ما يتناوب على آخرها من حركات الإعراب لتناوب العامل، فالأول أكثر صعوبة والإفتاء فيه أشد خطورة.

أما بالنسبة لاحتجاج الخليل فقد أورد الزجاج نصاً آخر فيه أنه كان يحتج بحديث النبي: (لا تدخل الجنة إلا نفس مؤمنة مسلمة) في موضوع وصف المذكر والمؤنث، قال الزجاج: "فأما ما كان من صفات المؤنث نحو: طالق طامث، فإذا سميت به رجلاً انصرف، لأنك إنما سميت بلفظ مذكر وُصِفَ به مؤنث؛ قال الخليل: المؤنث الذي يوصف بالمذكر بمنزلة شيء، كأنك قلت: شيء طالق. قال: والمؤنث الذي يكون صفة للمذكر نحو قولهم: رجل رَبْعة، وامرأة رَبْعة، ورجل نُكَحة، وجمل خُجَأَة، قال الخليل: لفظ الذَّكَر في هذا الذي وصف بالمؤنث بمنزلة سلعة، كما جاء في الخبر (لا تدخل الجنة إلا نفس مؤمنة مسلمة)".

فسيبويه إذن يأتي ثالثاً في الاحتجاج بالحديث - حسب ما توصلت إليه- وليس الأول كما ذكر.

أما الأحاديث الثلاثة التي ذكر عثمان فكي أن سيبويه احتج بها، وتابعه في الموافقة عليها د. أحمد مكي الأنصاري. و د. بناي، والأستاذ النفاخ، فسأحاول أن أقف عندها وأحقق في أمرها لأبدي رأياً نحوها.

وأول هذه الأحاديث ورد في باب "ما يكون فيه هو وأنت وأنا ونحن وأخواتهن فصلاً" قال سيبيويه: " وأما قولهم (كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهوِّدانِه ويُنَصِّرانِه)، ففيه ثلاثة أوجه: فالرفع وجهان، والنصب وجه واحد. فأحد وجهي الرفع أن يكون المولود مضمراً في يكون، والأبوان مبتدآن، وما بعدهما مبني عليهما، كأنه قال: حتى يكون المولود أبواه اللذان يهودانه وينصرانه. والوجه الآخر: أن تعمل يكون في الأبوين ويكون: هُما: مبتدأ، وما بعده، خبراً له. والنصب على أن تجعل هُما فصلاً".

ومع أن هذا الذي استشهد به سيبويه حديث نبوي، إلا أن الضمير، هما، وهو موطن الاستشهاد والذي جاء بالحديث من أجله، لم أعثر له على ذكر في كتاب من كتب الحديث، ولم يرد في نص من نصوصه، وكأن سيبويه ساق الحديث النبوي هذا للاستفادة منه في ميدان النحو بعد تخليله هذا الضمير لتوضيح ما يذهب إليه. ويبدو أن سيبويه أحس بالمخالفة وتخوف أن ينسبه بعد أن أدخل فيه ما أدخل، فسبق ذكره بقوله: "كقولهم" وكأن ما يستشهد به عبارة نثرية عادية، والصيغة المشهورة للحديث:

(ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه، أو ينصّرانه، أو يمجّسانه).

ولذلك فإن هذا الحديث لا يجوز - وفقاً لما ذكرت- أن يكون في عداد الأحاديث التي استشهد بها سيبويه، ما دام موطن الشاهد، وهو ضمير الفصل "هما" والذي يرتكز حديثه عليه، ليس من لفظ النبي.

وثاني الأحاديث، ورد في عمل اسم التفضيل ورفعها اسماً بارزاً؛ قال سيبويه "وتقول: "ما رأيت رجلاً أبغضَ إليه الشرُّ منه إليه، وما رأيت أحداً أحسنَ في عينه الكحلُ منه في عينه"، ومثل ذلك (ما من أيام أحبَّ إلى الله عز وجل فيها الصومُ منه في عشر ذي الحجة) وإن شئت قلت: ما رأيتُ أحداً أحسنَ في عينه الكحلُ منه، وما رأيت رجلاً أبغضَ إليه الشرُّ منه، وما من أيام أحبَّ إلى الله فيها الصومُ في عشر ذي الحجة".

ومع أن ما استشهد به سيبويه يختلف في بعض ألفاظه عما ورد في كتب الحديث ككلمة "الصوم" التي لم أعثر عليها في رواية من الروايات، التي حلَّت محل "أن يُتَعَبَّد له فيها" أو محل "العمل"، إلا أن موطن الشاهد ثابت وهو كلمة "أحب"، وأنها رفعت اسماً ظاهراً وهو "الصوم" الذي ورد محل "العمل" في إحدىروايات الحديث؛ ولذلك فإن هذا الحديث يعد واحداً من الأحاديث التي كان يحتج بها سيبويه.

وقد استشهد به المبرّد، ولكنه ذكره كما يذكر عبارة نثرية. قال في باب مسائل "افعل مستقصاة": "وكذلك لو قلت: ما من أيام أحبَّ إلى الله فيها الصومُ منه في عشر ذي الحجة، أو تؤخر الصوم ومعناه التقديم"؛ وقد أخذه عن سيبويه كما هو؛ ولما كان سيبويه ساقه من غير أن ينسبه فقد التبس الأمر على المبرد، فأورده من غير معرفة بأنه حديث نبوي، ظنّاً منه أنه عبارة نثرية؛ وهذا ما أوحاه إليه تعبير سيبويه. وقد وقع ابن السراج في ما وقع فيه المبرد أستاذه. ولو كان يعلم المبرد (ت 285هـ) وابن السراج (ت 310هـ) أن ما يستشهدان به حديث، لما التزما بكل لفظة أوردها سيبويه فيه، لأن كتب الصحاح كانت قد بدأت تنتشر وتشيع في عصرهما، وأولها صحيح البخاري (ت 256هـ). ولكنهما لم يفعلا ذلك.

وقد علق محمد عضيمة، محقق المقتضب، على الأشموني، في شرحه لأنه جعله حديثاً. وذكر أن الراوية في كتب الصحاح: البخاري، والترمذي، وسنن ابن ماجه، وسنن النسائي، ليس فيها : "أحب" رافعاً للاسم الظاهر. فأنكر عليه ذلك. ومع أن ما نسبه عضيمة إلى الصحاح صحيح، إلا أن "أحب" رويت رافعة اسماً ظاهراً في إحدى روايات مسند ابن حنبل، كما أشرت قبل قليل.

أما الحديث الثالث الذي ذكره عثمان فكي، فهو ما ورد في موضوع التنازع: قال سيبويه في الاستغناء عن الفاعل أحياناً لمعرفته من السياق: "ومما يقوّي ترك نحو هذا العلم المخاطب قوله عز وجل: (والحافظين فروجهم والحافظات، والذاكرين الله كثيراً والذاكرات) فلم يعمل الآخر فيما عمل فيه الأول، استغناء عنه؛ ومثل ذلك (ونخلع ونترك من يفجرك)".

وهذا الحديث نصه مطابق لما روي، فليس فيه ما يمنع أن يكون في عداد الأحاديث التي احتج بها سيبويه.

وقد أضاف الأستاذ النفاخ إلى هذه الثلاثة، التي شارك فيها عثمان فكي، حديثين آخرين انفرد بهما وعدّهما أيضاً


رد مع اقتباس