عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 9 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 04-22-2016 - 04:07 PM ]


أثر القراءات القرآنية في الدراسات النحوية، لعبد العال سالم مكرم.



الدرس الثالث

أثر القراءات في النحاة ومؤلفاتهم
2- القراءات المشكلة وموقف النحاة منها:
هناك قراءات مشكلة ظاهرها يدل على أنها متعارضة مع الأصول مخالفة للمقاييس.
ووقف النحاة أمام هذه القراءات المشكلة ليوضحوا غامضها، ويزيلوا إشكالها، واجتهد كل منهم ليدلي بدلوه بين الدلاء في مضمار هذه القراءات. وبسبب هذه القراءات المشكلة أُثري النحو، وتعددت مسائله، وفاضت كتبه حتى امتلأت بالآراء العديدة.
ونحن لا نستطيع في هذا المقام جمع هذه القراءات المشكلة، وآراء النحاة فيها لأن ذلك يطيل أمد البحث، وقد لا نصل إلى الغاية منها وإنما نكتفي هنا بنماذج معدودة لنشير إلى هذه الحقيقة التي ذكرتها وهي أن القراءات كانت مصدرًا كبيرًا لثروة نحوية امتلأت بها خزائنه.
نماذج للقراءات المشكلة، وآراء النحاة فيها:
1- {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ}:
رأي ابن قتيبة:
قال: قالوا في قوله سبحانه: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} هي لغة بلحارث بن كعب يقولون: مررت برجلان، وقبضت منه درهمان، وجلست بين يداه، وركبت علاه، وأنشدوا:
تزود منا بين أذناه ضربة دعته إلى هابي التراب عقيم
وأنشدوا:
طاروا علاهن فطر علاها
ثم قال: على أن القراء قد اختلفوا في قراءة الحرف، فقرأه أبو عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر. "إن هذين لساحران"، وذهبا إلى أنه غلط من الكاتب كما قالت عائشة.
ثم قال: وقرأ بعضهم: "إن هذان لساحران" اعتبار بقراءة أبي، لأنها في مصحفه: "إن ذان إلا ساحران".
وفي مصحف عبد الله "وأسروا النجوى إن هذان ساحران" منصوبة الألف بجعل "إن هذا" تبيينًا للنجوى.
رأي ابن الأنباري:
قال: "إن" بمعنى نعم، وجه ضعيف لدخول اللام في الخبر، وهو قليل في كلامهم.
وقيل: إن الهاء مضمرة مع إن كما تقول: إنه زيد ذاهب، وفيه أيضًا ضعف؛ لأن هذا إنما يجيء في الشعر.
وقيل: لأن "هذان" لما لم يظهر الإعراب في واحده وجمعه، حملت التثنية على ذلك، وهذا أضعف من الذي قبله.
ومن قرأ إن بالتخفيف كان فيها وجهان:
أحدهما: أن تكون إن مخففة من الثقيلة، ولم يعملها؛ لأنها إنما عملت لشبه الفعل، فلما حذف منها النون، وخففت ضعف وجه الشبه فلم تعمل.
والثاني: أن تكون "إن" بمعنى "ما" وهذان الوجهان يخرجان على مذهب الكوفيين.
رأي أبي محمد بن أبي طالب الأندلسي:
قال: من رفع "هذان" حمله على لغة بني الحارث بن كعب يأتون بالمثنى بالألف على كل حال.
وقيل: إن بمعنى نعم، وفيه بُعد لدخول اللام في الخبر، وذلك لا يكون إلا في شعر كقوله:
أم الحليس لعجوز شهربة
وكان وجه الكلام لأم الحُلَيْس عجوز.
كذلك كان في وجه الكلام في الآية: إن حملت "إن" على معنى "نعم" "إن لهذان ساحران" كما تقول: لهذان ساحران، نعم، ولمحمد رسول ال،له وفي تأخر اللام مع لفظ "إن" بعض القوة على "نعم".
وقيل: "إن" مضمرة مع "أن" وتقديره "إنه هذان لساحران". كما تقول: إنه زيد منطلق وهو قول حسن، ولولا أن دخول اللام في الخبر يبعده. فأما من خفف "إن" فهي قراءة حسنة؛ لأنه أصح في الإعراب ولم يخالف الخط.
رأي الصاحبي:
قال: ذهب بعض أهل العلم إلى أن الإعراب يقتضي أن يقال: إن هذان.
قال: وذلك أن "هذا" اسم منهوك، ونهكه أنه على حرفين أحدهما حرف علة، وهي الألف، وها كلمة تنبيه ليست من الاسم في شيء. فلما ثنى احتيج إلى ألف التثنية، فلم يوصل إليها لسكون الألف الأصلية، واحتيج إلى حذف إحداهما فقالوا: إن حذفنا الألف الأصلية بقى الاسم على حرف واحد، وإن أسقطنا ألف التثنية كان في النون منها عوض ودلالة على معنى التثنية، فحذفوا ألف التثنية، فلما كانت الألف الباقية هي ألف الاسم واحتاجوا إلى إعراب التثنية لم يغيروا الألف عن صورتها لأن الإعراب واختلافه في التثنية والجمع إنما يقع على الحرف الذي هو علامة التثنية والجمع فتركوها على حالها في النصب والخفص.
قال الصاحبي: ومما يدل على هذا المذهب قوله جل ثناؤه: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ} لم تحذف من النون -وقد أضيف- لأنه لو حذفت النون لذهب معنى التثنيه أصلًا؛ لأنه لم تكن للتثنية ها هنا علامة إلا النون وحدها، فإذا حذفت أشبهت الواحد لذهاب علامة التثنية.
رأي ابن كسيان:
قال السيوطي: رأيت بخط ابن القماح قال: ذكر القفطي في كتاب "إنباه الرواة" أن القاضي إسماعيل بن إسحاق سأل أبا الحسن محمد بن أحمد بن كيسان ما وجه قراءة من قرأ: "إن هذان لساحران" على ما جرت به عادتك من الإعراب في الإعراب فأطرق ابن كيسان مليًّا قم قال: بجعلها منها هذا، وهو مبني، والجمع هؤلاء وهو مبنى فتحمل التثنية على الوجهين، فأعجب القاضي ذلك وقال: ما أحسنته لو قال به أحد. فقال ابن كسيان:
ليقل به القاضي وقد حسن.
رأي ابن هشام:
قال بعد أن ذكر عدة آراء لغيره من النحاة وناقشها:
وقيل هذان اسمها، ثم اختلف. فقيل جاءت على لغة بلحرث بن كعب في إجراء المثنى بالألف دائمًا كقوله: قد بلغا في المجد غايتاها.
واختار هذا الوجه ابن مالك.
وقيل: "هذان" مبني لدلالته على معنى الإشارة، وأن قول الأكثرين هذين جرًّا ونصبًا ليس إعرابًا أيضًا، واختاره ابن الحاجب.
قلت : وعلى هذا فقراءة هذان أقيس إذ الأصل في المبني إلا تختلف صيغة مع أن فيها مناسبة لألف ساحران، وعكسه الياء في "إحدى ابنتي هاتين" فهي هنا أرجح لمناسبة ياء ابنتي.
رأي أبي عبيدة:
قال: ومجازًا لمحتمل من وجوه الإعراب كما قال: "إن هذان لساحران" قال: وكل هذا جائز معروف قد يتكلمون به.
هذه طائفة من آراء عديدة في هذه القراءة التي وردت في "إن هذان لساحران" والواقع أنه لا داعي لهذه التأويلات والتقديرات التي تشتت الفكر وتحير العقل وتجعل طالب النحو يعيش في دوامة من اضطرابات الآراء وتناقض الأفكار التي يلمسها في دراسته لمسائل هذا العلم، لم لا نريح أنفسنا ونوفر هذا المجهود الذي لا يوصل إلى الهدف. ونقول: إنها لغة، واللغة ظاهرة اجتماعية لا تخضع لهذه المقاييس النحوية، ولم تكن لغة قبيلة واحدة بل ذكر بعض النحاة أنها لغات قبائل متعددة كما قال ابن جماعة إنه لغة بني الحارث وخثعم وزبيد وهمدان وبني العنبر وعذرة ومراد وغيرهم.
ومن عجب أن تكون لغة لهذه القبائل العديدة ثم يأتي النحاة بعد ذلك يتأولون، ويخرجون، ونسوا أنه كان يجب أن تؤخذ هكذا كما رويت وكما قرئ بها.
2- {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ}:
رأي أبي جعفر النحاس:
قال أبو جعفر النحاس: من قرأ جعله عطفًا على الأول "واغسلوا أرجلكم".
ثم قال: إن الأخفش وأبا عبيدة يذهبان إلى أن الخفض على الجوار والمعنى للغسل. وقال الأخفش: مثله: هذا جحر ضب خب. وقال أبو جعفر معقبًا: وهذا القول غلط عظيم، لأن الجوار لا يجوز في الكلام أن يقاس عليه وإنما هو غلط، ونظير الإقواء.
وينسب أبو جعفر قراءة النصب إلى "عروة بن الزبير ونافع والكسائي":
قال: وقرأ أنس بن مالك: "وأرجلِكم" بالخفض، وهي قراءة أبي جعفر وأبي عمرة بن العلاء وعاصم وحمزة والأعمش.
على أنه يقال: تمسحت بمعنى تطهرت للصلاة. فتكون على هذا الخفض كالنصب.
قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: التقدير: وأرجلكم غسلًا. ثم حذف هذا لعلم السامع.
رأي الزجاج:
قال: القراء بالنصب، وقد قرئت بالخفض، وكلا الوجهين جائز في العربية فمن قرأ بالنصب فالمعنى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين، وامسحوا برءوسكم على التقديم والتأخير، والواو جائز فيها ذلك كما قال -جل وعز-: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ}.
والمعنى: اركعي واسجدي لأن الركوع مثل السجود.
ومن قرأ: وأرجلكم بالجر عطف على الرءوس: قال بعضهم: نزل جبريل بالمسح والسنة في الغسل.
وقال بعض أهل اللغة: هو جر على الجوار. فأما الخفض على الجوار فلا يجوز في كتاب الله.
رأي ابن الحاجب:
قال: من قرأ بالخفض عطف على قوله برءوسكم وأرجلكم، والمراد اغسلوا أرجلكم وليس الخفض على المجاورة، وإنما على الاستغناء بأحد الفعلين عن الآخر.
والعرب إذا اجتمع فعلان متقاربان في المعنى، ولكل واحد متعلق -جوزت ذكر أحد الفعلين، وعطفت متعلق المحذوف على المذكور على حسب ما يقتضيه لفظه حتى كأنه شريكه في أصل الفعل إجراء لأحد المتقاربين مجرى الآخر كقولهم: تقلدت بالسيف والرمح، وعلفتها بالتبن والماء.
وقال الإمام الزمخشري: إنه مخفوض على الجوار وليس بجيد إذ لم يأت الخفض على الجوار في القرآن الكريم ولا في الكلام الفصيح وإنما هو شاذ في كلام من لا يؤبه له من العرب، فلتحمل الآية على ما ذكر.
رأي الزمخشري:
قال: "وأرجلكم بالنصب فدل على أن الأرجل مغسولة. فإن قلت: فما تصنع بقراءة الجر، ودخولها في حكم المسح؟
قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة تغسل بصب الماء عليها فكانت مظنة الإسراف المذموم المنهي عنه، فعطفت على الثالث المسوح لا لتمسح ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها.
تعقيب:
ويعقب ابن المنير على الزمخشري فيقول: ولم يوجه الجر بما يشفي الغليل والوجه منه أن الغسل والمسح متقاربات من حيث أن كل واحد منهما إمساس بالعضو فيسهل المغسول على الممسوح مِنْ ثَمَّ كقوله: متقلدًا سيفًا ورمحًا. وقوله:
علفتها تبنًا وماءً باردًا
ونظائره لكثيرة، وبهذا وجه الحذاق.
رأي العكبري:
قال: "وأرجلكم" يقرأ بالنصب، وفيه وجهان: أحدهما هو معطوف على الوجوه والأيدي، أي فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم، وذلك جائز في العربية بلا خلاف، والسنة الدالة على وجوب غسل الرجلين تقوي ذلك، والثاني: أنه معطوف على موضع "برءوسكم" والأول أقوى؛ لأن العطف على اللفظ أقوى من العطف على الموضع.
ويقرأ في الشذوذ بالرفع على الابتداء، أي وأرجلكم مغسولة كذلك ويقرأ بالجر، وهو مشهور أيضًا كشهرة النصب، وفيه وجهان:
أحدهما: أنها معطوفة على الرءوس في الإعراب، والحكم مختلف، فالرءوس ممسوحة والأرجل مغسولة، وهو الإعراب، والحكم مختلف، فالرءوس ممسوحة والأرجل مغسولة، وهو الإعراب الذي يقال: هو على الجوار وليس بممتنع أن يقع في القرآن لكثرته، فقد جاء في القرآن والشعر، فمن القرآن قوله تعالى: "وحورٍ عين" على قراءة من جر وهو معطوف على قوله: "بأثواب"، "وأباريق" والمعنى مختلف؛ إذ ليس المعنى: عليهم ولدان مخلدون بحور عين.
قال الشاعر وهو النابغة:
لم يبق إلا أسير غير منفلت أو موثق في حبال القد مجنوب
والقول في مجروره، والجوار مشهور عندهم في الإعراب، وقلب الحروف بعضها إلى بعض والتأنيث وغير ذلك.
فمن الإعراب ما ذكرنا في العطف، ومن الصفات قوله: {عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} واليوم ليس بمحيط وإنما بعاصف، وإنما العاصف الريح. ومن قلب الحروف قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ارجعن مأزورات غير مأجورات" والأصل موزورات، ولكن أريد التآخي. ومن التأنيث قوله "فله عشر أمثالها" فحذف التاء من عشر، وهي مضافة إلى الأمثال، وهي مذكرة.
وهذه القراءة أيضًا مرجعها اللغة لا القياس، فالنحاة لم يحيطوا بكلام العرب، وبنوا أقيستهم على مجموعة من النصوص لم تحط بكل ما قال العرب.
وقد أصاب العكبري في هذا البحث القيم إذ بين أن الجوار أمر لا تنكره اللغة وإذا لم تنكره اللغة لا ينكره القرآن؛ لأنه نزل بلغات العرب، بلسان عربي مبين.
3- {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ}:
رأي الفراء:
قال: وفي بعض مصاحف أهل الشام "شركايهم" بالياء فإن تكن مثبتة عن الأولين فينبغي أن يقرأ زين وتكون الشركاء هم الأولاد، لأنهم منهم في النسب والميراث.
ثم قال: فإن كانوا يقرءون زين فلست أعرف جهتها إلا أن يكونوا فيها آخذين بلغة قوم يقولون: أتيتها عشايا. ثم يقولون في تثنية الحمراء حمرايان، فهذا وجه أن يكونوا قالوا: زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم، وإن شئت جعلت زين إذا فتحته فعلًا لإبليس ثم تخفض الشركاء باتباع الأولاد:
وليس قول من قال: إنما أرادوا مثل قول الشاعر:
فزججتها متمكنا زج القلوص أبي مزادة
بشيء، وهذا مما كان يقوله نحويو أهل الحجاز، ولم نجد مثله في العربية.
والفراء في هذه القراءة قراءة أهل الشام يبين وجه هذه القراءة فإذا كانت "شركايهم" بالياء، فينبغي أن تكون زين مبنية للمفعول


رد مع اقتباس