مراجع دراسات فى كتاب اللغة : أثر القراءات القرآنية في الدراسات النحوية، لعبد العال
أثر القراءات القرآنية في الدراسات النحوية، لعبد العال سالم مكرم.
الدرس الثالث
منهج القراء في النقل
2- أمثلة تؤيد أن نشأة القراءات أساسها اللهجات أو اللغات التي نزل بها القرآن الكريم:
(أ) قراءات بلغة هذيل:
1- {ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ}.
قال السيوطي في موضع اتباع العين لحركة الفاء: "فإن كان حرف العلة غير مجانس للحركة- نحو: جوزة، وبيضة، فجمهور العرب على التسكين ولغة هذيل الإتباع، قرأ بعضهم: "ثَلاثُ عَوَرَاتٍ لَكُمْ" بالتحريك.
2- {فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ}.
قال أبو حيان: "وذكر سيبويه أن كسر الهمزة من "أم" بعد الياء والكسر لغة. وذكر الكسائي والفراء أنها لغة هوازن وهذيل".
3- {يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ}.
قال أبو حيان: "قرأ أبو الطفيل والحسن بن أبي إسحاق والجحدري "يا بشريّ" بقلب الألف ياء وإدغامها في ياء الإضافة وهي لغة هذيل ولناس غيرهم.
4- {فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ}.
قال أبو حيان: "قرأ الأعمش، وأبو حيوة: "يَعْرِجُونَ" بكسر الراء، وهي لغة هذيل".
5- {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}.
قال أبو حيان: "وقرأ عاصم الجحدري، وعبد الله بن أبي إسحاق، وعيسى بن عمر: "هديّ" بقلب الألف ياء، وإدغامها في ياء المتكلم إذا لم يمكن كسر ما قبل الياء، لأنه حرف لا يقبل الحركة وهي لغة هذيل، يقلبون ألف المقصور ياء، ويدغمونها في ياء المتكلم. وقال شاعرهم:
سبقوا هويَّ وأعنقوا لهواهم فتخرموا، ولكل جنب مصرع
6- {يَوْمَ يَأْتِي}.
قال الزمخشري في الكشاف: يوم يأت، بغير ياء، ونحو قولهم: لا أدر، حكاه الخليل وسيبويه، وحذف الياء، والاجتزاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل.
ب- قراءات وردت بلغة تميم:
1- "الحمدِ لله" بكسر الدال بدلًا من ضمها، بشهادة النحوي المصري النحاس المتوفى 338هـ كانت صيغة الحمد لله على هذا النحو خاصة بلهجة تميم.
2- في الضمير أن:
قال في الهمع: "وفي الألف لغات -يقصد ألف أنا- إثباتها وصلًا ووقفًا، وهي لغة تميم، وبها قرأ نافع".
ج- قراءات وردت بلغة قيس وأسد:
قال السيوطي في الهمع: "وقد تسكن هاء هو وهي بعد الواو والفاء وثم واللام، وقرئ بذلك في السبع، "وَهْوَ مَعَكُمْ"، "فَهْوَ وَلِيُّهُمُ" ثم قال السيوطي: بعد ذلك: وتسكين الواو والياء لغة قيس وأسد".
د- لغات قبائل أخرى:
{إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ}.
قال الجاربردي: "ذكر الواحدي في الوسيط في تفسير قوله تعالى: {قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} أنه قال ابن عباس: هي لغة بلحارث بن كعب ثم قال: إجماع النحويين على أن هذه لغة حارثية، وذلك أن بلحارث بن كعب وخثعمًا وزبيدًا وقبائل من اليمن يجعلون ألف الاثنين في الرفع والنصب والخفض على لفظ واحد".
وقال ابن جماعة: "نسبها إلى بني الحارث من النحويين الكسائي ونسبها أيضًا إلى خثعم، وزبيد، وهمدان، ونسبها أبو الخطاب لكنانة وبعضهم لبني العنبر وعذرة، ومراد، وغيرهم.
هـ- لغات متداخلة:
{وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ}.
قال العكبري: "يقرأ برفع الكاف أي وهو يهلك، ويقرأ بفتح الياء واللام، ورفع الحرث وهي لغة ضعيفة، لأن الماضي هلك بفتح اللام، فيكون المستقبل مكسور اللام.
ومن فتح اللام في المستقبل جاز أن يكون هلك بكسر اللام، وهي لغة مجهولة أو يكون لغتين من قبيلتين تداخنا".
و- لغات غير منسوبة:
1- {حِجْرًا مَحْجُورً}.
قال ابن السكيت: "حجرة الإنسان وحجره، ويقرأ، {حِجْرًا مَحْجُورً} و"حَجرًا محجورًا".
2- {حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}.
قال ابن السكيت: "الهدي لغتان بالتشديد والتخفيف، وقرأ بهما جميعًا القراء: حتى يبلغ الهدي محله، والهدى محله".
3- "حرج، وحرج": قال ابن السكيت: "وبكلٍ قرأت القراء {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا}، وحِرجًا".
4- {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ}.
قال ابن خالويه: "يقرأ بفتح القاف وضمها، فالحجة لمن فتح أنه أراد الجراح بأعيانها، والحجة لمن ضم أنه أراد ألم الجراح، وقيل: هما لغتان فضيحتان كالجَهد والجُهد".
5- "الرعب".
قال ابن خالويه: "يقرأ بإسكان العين وضمها، فالحجة لمن أسكن أن الأصل الضم، فنقل عليه الجمع بين ضمتين متواليتين، فأسكن، والحجة لمن ضم أن الأصل عنده الإسكان فأتبع الضم ليكون اللفظ في موضع واحد، كما قرأ عيسى بن عمر: "تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلُك" بضمتين وكيف كان الأصل، فهما لغتان".
6- {وَلا يَحْزُنْكَ}.
قال ابن خالويه: "ويقرأ بفتح الياء، وضم الزاي، وبضم الياء، وكسر الزاي، فالحجة لمن فتح الياء أنه أخذه من حزن يحزن حزنًا، والحجة لمن ضم الياء أنه أخذه من أحزن يحزن وحزنًا، ولم يسمع إحزانًا، وإن كان القياس يوجبه.
7- {مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ}.
قال ابن خالويه: "يقرأ بالإدغام والفتح، وبالإظهار، والجزم، فالحجة لمن أدغم أنه لغة أهل الحجاز، لأنهم يدغمون الأفعال لثقلها كقوله تعالى: {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا}، ويظهرون الأسماء لخفتها كقوله: {عَدَدَ سِنِينَ} ليفرقوا بذلك الاسم والفعل، والحجة لمن أظهر أنه أتى بالكلام على أهله، ورغب لمع مواففقة اللغة في الثواب، إذ كان له بكل حرف عشر حسنات.
8- {وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ}.
قال ابن خالويه: "يقرأ بضم الراء وإسكان الشين، وبفتحهما: وقيل هما لغتان كقولهم: السقم والسقم".
9- {وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا}.
قال ابن خالويه: "يقرأ بضم الضاد وفتحها، وهما لغتان".
10- غمض يغمض لغة في أغمض، وقرأ البراء بن عازب -رضي الله عنه- والحسن: "إِلَّا أَنْ تَغْمِضُوا فِيهِ".
11- وقال الصاغاني: "البُخل لغة في البَخْل، والبُخْل، والبَخَل، وقرأ أبو رجاء: "بالبَخَل".
12- طِيبَى لغة في طُوبى: وقرأ مكسورة الأعرابي"طِيبَى لهم".
13- "الرعاء لغة في الرعاء وقرأ الخليل" حتى يصدر الرُّعاء" بضم الراء مع التشديد.
4- رسم المصحف العثماني، والأحرف السبعة:
تؤكد لنا الروايات العديدة أنه بجانب المصحف العثماني كان لأكابر الصحابة مصاحف أخرى كمصحف عليّ، ومصحف عائشة، ومصحف أبيّ، ومصحف ابن مسعود.
وليس هناك أدنى شك في أن هذه المصاحف المتعددة لم تكن على قراءة واحدة، ذلك لأن الصحابي قد يسمع قراءة بلهجة تميم مثلًا فيكتبها على حين يسمع غيره قراءة بلهجة قريش أو هذيل فيكتبها أيضًا، ومن هنا تعددت القراءات وكثرت.
ولما انتشر الإسلام في أصقاع الأرض، وسار ركبه في أجزاء المعمورة كان الصحابة يقرءون القرآن في هذه البلاد التي فتحت، على حسب ما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم:
فمن الطبيعي إذًا أن ينشأ خلاف بين القراء، ومن الطبيعي أيضًا أن تتسع هوة الخلاف بين الصحابة في القراءات، فينكر بعضهم قراءة بعض. يدل على ذلك فزع حذيفة بن اليمان إلى عثمان، ليقول له:
"يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب، كما اختلف اليهود والنصارى، فبعث عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها عليك، فأرسلتها إليه، فأمر عثمان زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن ينسخوا الصحف في المصاحف".
فلما تم النقل، وكمل النسخ "بعث عثمان إلى كل أفق مصحفًا من تلك المصاحف التي نسخوها، وأمر بما سواه من القرآن، في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.
وهنا يرد إلى أذهاننا هذا السؤال: هل كتب عثمان -رضي الله عنه- المصاحف بلغات العرب التي أنزل بها؟
بعض الروايات التي سجلتها كتب التاريخ، لا تثبت هذا، بل تنفيه، وتؤكد أن القرآن الكريم كتب بلهجة قريش، وتستند هذه الروايات إلى قول عثمان -رضي الله عنه- للرهط القرشيين الذين وكل إليهم مع زيد بن ثابت كتابة المصحف: "إذا اختلفتم أنتم وزيد في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما أُنزل بلسانهم ففعلوا".
فإذا كان مؤدى نص عثمان -رضي الله عنه- أن القرآن الكريم كتب جميعه بلهجة قريش، وغض النظر عن اللهجات الأخرى التي نزل بها، والتي يشير إليها حديث: ((أنزل القرآن على سبعة أحرف)) فإننا نقع في مشكلة تحتاج إلى حل، وتتمثل هذه المشكلة في نشأة القراءات مع هذا المصحف العثماني.
أريد أن أقول: إذا كان القرآن كتب بلهجة واحدة هي لهجة قريش فكيف إذًا نفسر نشأة القراءات مع هذا المصحف؟ في رأيي أن المصحف لم يكتب بلهجة قريش وحدها، فالنفر الذين كتبوا المصحف نسخوه من الصحف التي أحضرها عثمان -رضي الله عنه- من حفصة ولم يترك للكتاب الحرية في أن يسجلوا من حفظهم شيئًا -مع أنهم كانوا حفظة- مخافة أن تفتح أبواب القيل والقال، فيقال مثلًا: إن عثمان كتب في مصحفه ما لم يكن في صحف أبي بكر أو مصحفه، فلقتل هذه الشبهة في مهدها، والقضاء عليها اعتمد على مصحف أبي بكر، ومصحف أبي بكر جمع قراءات النبي -صلى الله عليه وسلم- في العرضة الأخيرة، وكان زيد بن ثابت كاتبًا لهذه العرضة.
من أجل ذلك يصح لي أن أقول: إن مصحف عثمان -رضي الله عنه- مشتمل على الأحرف السبعة.
أما أمر عثمان بالكتابة بلغة قريش فلم يكن المقصود منه كتابة المصحف جميعًا بهذه اللهجة، لأن نص عثمان لا يساعد على هذا الفهم، فهو يقول: إذا اختلفتم فاكتبوه بلغة قريش. ومواضع الاختلاف كانت قليلة كاختلافهم في التابوت.
فقال زيد: هو التابوه. وقال النفر القرشيون: هو التابوت. فرفع الأمر إلى عثمان فقال: اكتبوه بلسان قريش، فإن القرآن نزل بلسانهم.
وواضح أنهم إذا لم يختلفوا ينسخونه كما هو دون زيادة أو نقصان هذا هو مفهوم كلمة عثمان رضي الله عنه.
من هذا العرض نخرج بهذه الحقيقة، وهي أن المصاحف العثمانية مشتملة على الأحرف السبعة.
وأقصد بالأحرف السبعة القراءات التي قرأها النبي -صلى الله عليه وسلم- في العرضة الأخيرة، والتي استقرت بها قراءات القرآن.
أما حرف أبي، وابن مسعود، وغيرهم من أصحاب المصاحف، فلم يشتمل على مصحف عثمان، ومن هنا كانت القراءات من هذه المصاحف شاذة كما سنبين بعد إن شاء الله.
وقد قال صاحب "الطراز": "إن الحرف الواحد كلما كان أكثر استفاضة كان أحق بالقبول، ولأجل ذلك اتفقوا على حرف زيد".