عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
أ.د عبد الرحمن بو درع
نائب رئيس المجمع
رقم العضوية : 140
تاريخ التسجيل : Mar 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 806
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

أ.د عبد الرحمن بو درع غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-17-2013 - 10:42 PM ]


يتبع:

و أسوقُ في ما يَلي نصّاً مُفيداً للشّيْخ عبد الرّحمن حَسَن حَبَنَّكَه المَيْدانيّ، رحمه الله، من كتابِه
« البَلاغة العربيّة، أسُسُها وعُلومُها وفُنونُها » دار القلم، دمشق، الدّار الشّاميّة، بيروت، ط.2،
1428 هـ/2007م ، ج: 1 ، ص: 55

************

« دعوى "أعذب الشعر أكذبه":
أمّا دعوى: "أعذب الشعر أكذبه" فهي دعوى لا أساسَ لها من الصحّة، لدى التحليل والبحث عن العناصر
الجماليّة في الأدب. إنّ الحقّ إذا لَبِسَ ثوباً أدبيّاً جميلاً كان أجملَ من الباطل لا محالةَ، مهما لبس من أثواب
جميلة مزخرفة.

إنّ الحُلَّة والحِلْيَة الأدبيَّة اللَّتَيْن يرفل بهما قول الله تعالى في سورة (الرعد/ 13 مصحف/ 96 نزول):
{أَنَزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَآءَ
حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذالِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ
فِي الأَرْضِ كَذالِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ (17)}.

للفكرة الحقِّ التي تٌبيِّنُ واقعَ انتصار الحقّ والمحقِّين بعد أحداث الصِّراع بين الفريقين، أجمل من كل أدب
يُزيِّن فكرة باطلة لتكون مقبولة محبَّبَة.

ربّما يكون تضخيم الحقّ وتجسيمُه في الصورة الأدبيّة عملاً أدبيّاً جميلاً، لأنّ التضخيم والتجسيم في مفاهيم
النّاس لون من ألوان البيان والشرح للحقيقة، وبعد الشرح ترجع الحقيقة في تَصَوُّرِ النّاس إلى حجمها الطبيعي.
إنّ الفكرة المشتملة على كذب سخيف ممجوج قد يستعذِبها الذهن لطرافتها، ولكن يمجّها الذَّوق والحسُّ المرهف
العارف بألوان الجمال لسخافتها ومجافاتها للحقيقة مجافاةً واسعة المسافة.

في قول المتنبّي:
*كفى بجسمي نحولاً أنّني رجل * لولا مخاطبتي إيّاك لم ترني*
وفي قول الآخر:
*ولوْ أنّ ما بي من جَوىً وصبابةٍ * على جَمَلٍ لم يدخل النّار كافر*
قد نلاحظ فكرة غريبة لا يتصيّدها إلاَّ شاعر ذَكِيّ، فنُعْجَبُ بطرافتها، ولكنّنا مع ذلك نمُجُّها، لأنَّها تشتمل على دعوى
كاذبة سخيفة.

أمَّا حين تكون الفكرةُ مبتكرةً حُلوةً، وتكون الدَّعوى صادقةً في أصلها، مضخَّمةً مجسَّمةً مبالغاً بها في صورتها الأدبيّة،
فإنّ الكلام يكون حينئذٍ أرفع أدباً، وأعلى كعباً، وأوقع في النّفس.
هَلُمَّ فَلْنَلْحظ اجتماع الصدق والأدب الرفيع في قول الله تعالى في سورة (ق/ 5 مصحف/ 34 نزول):
{يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ (30)}.
إنَّ في هذه الآية حلاوة فكرة السؤال والجواب. وحلاوة الجواب الذكي الذي لم يكن مباشرة بصيغة: (لم أمتلىء) أو بصيغة
(لا) مع كثرة الذين أُلقوا فيها. إنّما جاء على صغية سُؤال النَّهِم الشَّرِه طالب المزيد: {هَلْ مِن مَّزِيدٍ}؟!!.
وما دام باستطاعة الإِنسان أنْ ينتقي من الحقّ والصدق عناصر جماليّة لأدبه فما أوفر الحقّ والصدق في بيانات الإِسلام
أما الدّعاة إلى الله، وما عليهم إلاَّ أنْ يغترفوا. »



التعديل الأخير تم بواسطة شمس ; 06-03-2015 الساعة 02:18 AM

رد مع اقتباس