العمود الأول والثالث هو مجموعة صفات الحرف ( ت )، بينما العمود المركزي هو مجموعة صفات الحركة ( و )، وكل سطر يمثل التغيرات التي تتخذها ـ عبر الزمن ـ صفة من الصفات خلال التلفظ بالسلسلة الكلامية. ([13])
× الوصف الفونولوجي والواقع النفاسي :
يقوم الوصف الصواتي على واقع نفاسي . فهناك المستوى الفونولوجي والمستوى الفوناتيكي ، وهناك القواعد الفونولوجية التي تحول التمثيلات الصواتية إلى تمثيلات صوتية .
ويبدأ الطفل بتعلم التقابلات المميزة على المستوى الصواتي . والقواعد التي تحولها إلى منطوق . فما يصفه اللساني هو ما يتعلمه الناشئ . ولهذا ، نقول إن هذا الوصف يقوم على أساس واقع نفساني . فالطفل بحدسه يلمس القيود السياقية فيعرف أصوات لغته ، ويميزها من الأصوات الدخيلة والمعربة ، ويعرف المستحيل منها والممكن والمستعمل والمهمل ، ويميز حسن التكوين فيها من سيء التكوين . فبالنسبة للناشئ العربي ] نرجس [ دخيلة ، و ] عسجد [ سيئة التكوين، و] سراط [ معربة و ] جعل [ حسنة التكوين ، و ] لجع [ ممكنة ، و] مستشزر [ ركيكة . وما يجعلنا نربط الوصف الصواتي بالواقع النفساني أيضا سحب المتكلم إيقاع ونبر لغته الأولى على اللغة الأجنبية التي يتعلمها . فالعربي الذي يتعلم اللغة الفرنسية ذات النبر الثابت يسيء نبر اللغة الأجنبية ولا يتمكن من احترام انفراج صوائتها .
وترتبط الانحرافات النطقية بالواقع النفساني وذلك مثل " جذب " و " جبذ " و " يئس " و " أيس " 000 إلخ. وكل هذه العناصر تبين أن الوصف الصواتي يقوم على أساس واقع نفساني وأنه ليس مجرد تصور لساني.([14])
ولقد ناقش هذه المشكلة كيبرسكي ( 1968 ) بإثارته مشكلة المحايدة ، وردت عليه كيسبيرث . ويبقى أن الصواتة المجردة لم تصل إلى الحسم في مستوى التجريد ، وأن أسئلتها ما زالت قائمة ، وتحتاج إلى جواب . ومع هذا ، فكل الصواتيين التوليديين يعملون انطلاقا من وجود الصيغة التحتية الأساس التي تشتق منها الصرفيات بواسطة قواعد . فما هي الاعتبارات العامة التي يجب أن تقوم لتحديد الصيغ التحتية ؟ فمن هذه الاعتبارات :
أ ) التنبؤ :
بناء على التناوب بين ] ت [ و ] د [ في الألمانية ، نسأل أيهما أقرب إلى التمثيل التحتي ، أو أيهما يمثل البديلة الأساسية . وليس هناك قواعد مطلقة ولا إجراء اكتشاف بل هناك بعض المبادئ العامة التي يرجع إليها في بعض الأحيان الصواتيون ، ومنها التنبؤ . وهكذا يمكن أن نكتب القاعدة التي تحول المجهورات إلى مهموسات في آخر الكلمة كالتالي :
ـ ] – رنان [ ] - جهر [ / ـــ #
( رنان = ( sonorant ) )
ب ) الإقتصاد :
يعتبر في التحليل الصواتي حل أكثر اقتصاديا من آخر إذا تطلب عددا أقل من العناصر . ولقد اعتمدت الصواتة التوليدية هذه الفكرة التي تحمل في بعض الأحيان اسم البساطة التامة أو المطلقة .
ج ) المقبولية :
وتعتمد مقبولية القواعد الطبيعية الأصواتية . فأمام قاعدتين الأولى تعتبر ] ك [ تحتية ، إلى جانب الصوائت الأمامية ، وتقيم القاعدة التالية :
ـ ك ش / ـــــ ح
] + أمامي [
والثانية تعتبر ] ش [ تحتية ، إلى جانب الصوائت الخلفية ، وتقيم القاعدة التالية :
ـ ش ك / ـــــ ح
] خلفي [
نستخلص أن القاعدة الأولى أكثر قبولا من القاعدة الثانية .
× التغييرات الصوتية :
تشير عبارة التغييرات الصوتية إلى التحولات التاريخية ، أو إلى ما يقع في الكلام من تحول عندما يسرع أو يتباطأ المتكلم في خطابه ، أو ما يحدث في إطار سياق من السياقات كما هو الأمر في المماثلة والمخالفة . ففي المماثلة ، قطعة تماثل قطعة أخرى ، وفي المخالفة تختلف قطعة عن أخرى . فإذا أصبحت ] ك[ ] خ[ ، مثلا ، بدون أن ينتج ذلك عن سياق ، نكون أمام ظاهرة إبدال ، يعوض فيها الشديد بالرخو . لكن إذا وقع نفس الشيء ، وكان ناتجا عن سياق صائتي ، اعتبر مماثلة .([15])
لاحظ جاكبسون أن الطفل يتعلم الأصوات الأمامية قبل الخلفية ، والمهموسة قبل المجهورة . ويتحكم هذا الترتيب في التغييرات الصوتية عبر الزمن . ولقد تحولت المجهورات ( ب د ج ) إلى مهموسات ( ب ت ك ) في كثير من اللغات ، كما ينص على ذلك قانون جريم، ولم يلاحظ العكس . ويقول جرينبرج (1966 ) : إن أي تغيير صوتي لا يمكن أن يقع إذا كان يؤدي وقوعه إلى إنشاء نسق مستحيل. وتنتج التغييرات غير السياقية أصواتا تقل تعقيدا عما تنتجه التغييرات السياقية . فيمكن أن تهمس المجهورات خارج السياقات ، لكن المهموسات لا يمكن أن تجهر إلا داخل سياق . فـ ( ب ت ك ) لا تصبح ( ب د ج ) إلا بين حركتين .
ولقد لوحظ أن الأصوات في آخر الكلمات تكون عرضة للترخيم ، وتعكس التي تكون في أول الكلمات مثل ما في " أيم الله " ، " يا صاح " ، " يك " وأن مقطعا مثل ] س ح س [ . يكون أقرب إلى أن يصبح ] س ح [ ، من أن يتحول إلى ] ح س [ هو أول ما يبدأ بتعلمه الطفل .([16])
تكون المماثلة قوة سلبية في حياة اللغات . فهي تؤدي إلى اختزال الأصوات، ولو لم تقاوم لأدت إلى انعدام الفوارق بين الأصوات . وهذه الفوارق ضرورية للفهم الذي ينتج عن القيم الخلافية أو التقابلات . فاللغة تملك قوة مناهضة للمماثلة، وهي المخالفة ، وهو ما يحدث في كلمة تتضمن متماثلين عندما يتحول أحدهما إلى صورة أخرى . مثلا:
يأتم يأتمي، قراط قيراط ، إجاص إنجاص .
وتقتضي المماثلة في اللغة العربية الوجهة ، وتكون مع الصوامت خلفية ، ومع الصوائت أمامية أو خلفية . ففي " وجدت " التي تنطق " وجت " ، تتجه المماثلة من الأمام إلى الخلف . وهذا ما يحدث في لام التعريف مع الحروف الشمسية . أما الكلمات التي تأتي على وزن " افتعل " ويبدأ أصلها الثلاثي بحرف مطبق أو بزاي ، مثل " اصطبر " و " ازداد " ، والتي تبدو لأول وهلة كأنها لا تخضع لنفس القاعدة ، فحقيقة أمرها أن أصل " افتعل " هو " اتفعل " ، وأن المماثلة تقع في إطار هذه الصيغة ، ثم بعد ذلك يقع قلب مكاني . وسيوضح هذا المصطلح فيما بعد .
أما مع الصوائت ، فالممثلة تقع من الخلف إلى الأمام كما في الوكم عند ربيعة كما في : " عليكم " و " بكم " أو الوهم عند كلب كما في " منهم " . ومن المماثلة الإمالة والإتباع في مثل " به " ففي الإمالة نجد الإتجاه من الأمام إلى الخلف ، كما في " كافر " ومن الخلف إلى الأمام ، كما في " مفتاح " ، وفي الإتباع يكون الإتجاه كما في الإمالة نحو : " به " " أدع " .
وتسمى المماثلة من الأمام إلى الخلف رجعية ومن الخلف إلى الأمام تقديمية ، وتكون بالتماس ، وهو ما يقع من الإدغام ، مثل " من + ما " " مما " ، " عن + ما " " عما " ، " من + له " " مله " ، وبالفاصل كما يقع في الصوائت مثل " به " و " عليهم " .
ومفهوم المماثلة يعم مجموعة من الظواهر في اللغة العربية فصلها الوصف التقليدي وسماها بأسماء مختلفة مثل الإدغام ، الذي هو مماثلة كلية ، والإبدال الذي يشير بعضه إلى مماثلة جزئية ، والإمالة التي تخص الصوائت كالإشمام والتفخيم والإتباع والإعلال .
يتطرق ييمسليو في كتابه " اللغة " إلى المخالفة ، ويرى أنها تتأثر بالنبر والموقع والإنفراد أو المصاحبة :
أ ) تقع داخل مقطع منبور في العنصر الذي يوجد بين حركتين مثل PEREGRINUS PELEGRINUS
ب ) إذا كان العنصران يوجدان في مقطعين متماثلين في النبر أو عدمه تقع المخالفة في الأول TEMEBRAE TENEBRAE .
ج ) إذا كان عنصر في أخر المقطع المنبور فالعنصر الذي يكون في آخر المقطع غير المنبور هو الذي تقع فيه المخالفة ARBOR ARBOL في الإسبانية و CORSARO قرصان في اللغة العربية .([17])
× القطعة :
تمثيل الوحدات الدالة بواسطة مصفوفات، تقودنا إلى إهمال مفهوم الفونيم وتعويضه بمصطلح ( القطعة ) الذي يمثل بواسطة عمود من الصفات قد تكون محتوية على الصفات المكملة ـ التي هي حشو ـ أو غير محتوية عليها. والإبقاء على مصطلح الفونيم يكون من جانب التبسيط فقط، فاستعمال الرمز ( ب) لا يفهم منه أكثر من أنه اختصار للمتتالية: ( - صائتي، + صامتي، - كثيف، - حاد، - خيشومي، + مجهور، - مستمر ). ([18])
× المقطع :
لقد منح كثير من الاختصاصيين قيمة حدسية للمقطع ، واعتمدوا في هذا على الكتابة المقطعية حيث كل حرف يمثل مقطعا ، ولكن كثيرا من هؤلاء الاختصاصيين يفضلون اتخاذ موقف لا أدري عندما تعترضهم مشاكل تمنع من تحديد المقطع بكيفية صورية ، وربطه بمتعالق دقيق فزيولوجي أو إصغائي . فتشومسكي وهالي لم يمنحا المقطع وضعا نظريا ، ولم يمنعهما هذا ما اللجوء ضمنيا إلى المفهوم الحدسي للمقطع عند وضعهما سمة ] + مقطعي [ .
ويعسر تصور الإقدام على تحليلات صواتية في غيبة المقاطع . فلقد لوحظ أن المشاكل التي تظهر عند تحديد المقطع في المستوى الفزيولوجي والإصغائي لا تقتصر على المقطع بل هي نفس المشاكل التي تفصل بين الأصواتية والصواتة .
س ح
#ولقد تبين أن صياغة القيود التأليفية في كثير من اللغات تحتاج إلى مفهوم المقطع ، وأن معيار البساطة يلزمنا بإدخال المقطع في نموذج التحليل . فالمشكل الذي كانت تثيره القاعدتان التاليتان اللتان كانتا تكتبان في غيبة المقطع على الشكل الآتي :
س
# ـ ح ( + طويل ) / ــــ
ـ ح ( _ طويل ) / ــــ
س
#
س ح
# فتجتمع فيهم عناصر و لا تمثل طبقة طبيعية . وهذا الإشكال نجد حله بإدراج حد المقطع أي ( لا ) ، فتأتي الصياغة على الشكل التالي :
ـ ح ( + طويل ) / ــــــ لا
ـ ح ( - طويل ) / ــــــ س لا
ولكن هذا الحل لا يقدم لنا معلومات عن بنية المقطع الداخلية .([19])
ولا بد من الإشارة إلى أن تلاميذ تشومسكي وضعوا نظرية جديدة يطلق عليها اسم " نظرية الدلالة التوليدية " وهي تعديل جذري لما وضعه تشومسكي . إن التجديد الأساسي في الدلالة التوليدية يقوم على أن اشتقاق الجملة لا يبدأ بتوليد بنية عميقة نحوية ، كما هي الحال عند تشومسكي ، بل بتوليد بنية دلالية مجردة تعطي التمثيل الدلالي . ومن ثم تخضع هذه البنية إلى عدة تحولات يتم خلالها إدخال مفردات المعجم ، إلى أن يتوصل أخيرا إلى البنية السطحية " . ولأن تركيب المعنى " البنية الدلالية المجردة " يسبق التركيب النحوي ـ عند هؤلاء ـ تم الاعتماد على التمثيل الدلالي للحكم على الجمل المتلازمة دون إيلاء التركيب النحوي الأهمية التي كانت له عند تشومسكي.([20])
_______________________
[1] عبد الجليل، عبد القادر: الأصوات اللغوية، ط1، دار صفاء ، سلسلة الدراسات اللغوية 6 ، عمان، 1998، ص 318. سيشار إلى هذا المرجع لاحقا بـ ( عبد الجليل : الأصوات اللغوية )
[2] قدور، أحمد محمد: مبادئ اللسانيات، ط1، دار الفكر، دمشق، 1996، ص ص 256-257. سيشار إلى هذا المرجع لاحقا بـ ( قدور: اللسانيات )
* هو عبارة عن تتابع مجموعة من الفونيمات. انظر: قدور : اللسانيات ، ص 258
** هو عبارة عن تتابع مجموعة من الكلمات. انظر: قدور : اللسانيات، ص 258
[3] حركات، مصطفى: الصوتيات والفونولوجيا، ط1، المكتبة العصرية، بيروت، 1998، ص ص 130-131. سيشار إلى هذا المرجع لاحقا بـ ( حركات: الصوتيات )
[4] حركات: الصوتيات، ص 144
[5] السغروشني، إدريس: مدخل للصواتة التوليدية، ط1، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 1987، ص ص 29-30. سيشار إلى هذا المرجع لاحقا بـ ( السغروشني : الصواتة التوليدية ).
[6] السغروشني: الصواتة التوليدية، ص 20
[7] قدور: مبادئ اللسانيات، ص ص 256-257.
[8] حركات: الصوتيات، ص ص 82-84
[9] انظر: حركات : الصوتيات ، ص ص 144-146
[10] سغروشني: الصواتة التوليدية، ص ص41ـ 42.
[11] قدور: اللسانيات، ص ص 262 ـ 263
[12] قدور: اللسانيات، ص ص 265ـ 266
[13] انظر: حركات : الصوتيات، ص ص 79-80.
[14] سغروشني: الصواتة التوليدية، ص ص 46 – 47 .
[15] سغروشني: الصواتة التوليدية، ص 51
[16] سغروشني: الصواتة التوليدية، ص 45
[17]انظر: سغروشني: الصواتة التوليدية، ص 50 ـ 52 .
[18] حركات: الصوتيات، ص ص 81-82
[19] سغروشني: الصواتة التوليدية، ص 76
[20] قدور: اللسانيات، ص 270