عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 7 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 04-12-2016 - 12:27 PM ]


ملف:السرد والسردية

كان هذا التصوّر النقدي، قد تبلورت ملامحه العامة لديّ في الثمانينيات، ووظفته في دراستي عن السرد العربي قديمه وحديثه، وضمنه جاء كتاب "المتخيّل السردي" وكتاب "السرديّة العربيّة " والأخير اهتم بمنحي محدد من مناحي الثقافة العربية وهو "السرد" بوصفه مظهراً تعبيرياً، تكوّن في حضن الثقافة العربية- الإسلاميّة، وتكيّف بفعل المواجهات الخارجيّة التي صاغت أنظمته الداخلية، على أنّ العناية انصرفت إلى سرديّة" ذلك المظهر، بهدف استنباط الأنساق والأبنية الخاصة به، لأن "السردية" لا تعنى بالمتون السردية في ذاتها، إنما بكيفيات ظهور مكوناتها سردياً Narrativity، أي بالممارسة التي اتخذتها مكونات السرد ضمن البنية السردية. وقد لازم البحث حرص دائم على عدم إخضاع السرديّة العربية" إلى معيار خارجي مستمد من موروث سردي آخر له مرجعياته الثقافية الخاصة به، والمتشكلة طبقاً لظروف تاريخية مختلفة؛ لأن الهدف كان تحديد طبيعة السردية العربية، كما تكونت واستقامت ضمن المحضن الثقافي العربي الذي تشكلّت فيه. كما لم ينظر إلى السرد العربي، بوصفه ركناً معرفياً محضاً من أركان الثقافة العربية، إنما نظر إليه، بوصفه مظهراً إبداعياً تمثيلياً، استجاب لمكونات تلك الثقافة، فتجلّت فيه على أنها مكونات خطابيّة، انزاحت إليه بسبب هيمنة موجهاتها الخارجية، وبخاصة الشفاهية والإسناد. فالسرد العربي، خلفيّة تتمرأى فيها الموجهات، وهو يقوم بــ "تمثيل Representation" خطابي لها، وليس عكسها Reflection" بصورة آلية. استدعت هذه الرؤية للموروث السردي الحاجة إلى عملية منهجيّة تعوّمها، وتعبّر عنها، فاعتمد على نوع من "الاستقراء الفني" الذي يستند إلى الاستنطاق تارة، والوصف والتحليل تارة أخرى. فشخصت الثوابت والمتغيرات، واستنطقت الأصول، ثم استخلصت الهياكل العامة التي تؤطر بنية المرويات السردية، وتوج التحليل، بكشف مستويات التماثيل بين بنية الموجهات الخارجية وبنية السرد، الأمر الذي يؤكد أنّ الاتصال كان قائماً بينهما، على نحو تمثيلي، في أشد الركائز أهمية، وهو: الإرسال بأركانه من راوٍ؛ ومروي؛ ومروي له. وكان الحرص قائماً على ضرورة استنطاق الأصول المعرفية واستنطاقاً يبتعد عن "التقويل" ويترك لها أن تكشف عمًا تغيبه دونما تعسف، سوى توفير "الظروف المنهجية" التي تسهل، بوساطة القراءة، عملية كشف المقاصد والمرامي التي تنطوي عليها الأصول، ذلك أنّ الهدف لا يتجه إلى كشف تناقضات الأصول بذاتها، إنما استنطاقها، بما يجعلها تسفر عمّا تكنّه، لتتضح طبيعة الموجهات الخارجية التي كانت تمارس سلطتها في الخطاب السردي، إلى ذلك فلم نهدف بمصطلح "السردية العربية" إلى أي مقصد عرقي، إنما الإشارة إلى المرويات السردية التي تكونت أغراضاً وبُني، ضمن الثقافة التي أنتجتها اللغة العربية، والتي كان التفكير والتعبير فيها، يترتب بتوجيـــه من الخصائص الأسلوبية والتركيبية والدلالية لتلك اللغة التي أسهمت فيها أعراق متعددة . ضمن هذا الأفق العام الذي ترتب فيه عملي على السرد العربي القديم، ترتب عملي اللاحق على السرد العربي الحديث، مع الإفادة الواضحة من الكشوفات المستمرة والخصبة التي تشهدها البحوث السردية، والتوسع في المنظور العام للأدب ووظيفته. والحال أنني وجدت أنّ الرواية العربية إحدى أهم الظواهر الأدبية في ثقافتنا الحديثة، وإنها موضوع قابل للبحث وإعادة البحث مجدداً بصورة مستمرة. لأنها انبثقت من خضمّ التداخلات الثقافية القديمة والحديثة، ومن تفاعل المرجعيات العربية والأجنبية، وأنها دمجت فيها عناصر كثيرة؛ أدبية وتاريخية واجتماعية ونفسية.. الخ، وقامت بعملية تمثيل رمزي لأشد القضايا أهمية في تاريخنا الحديث. فضلاً عن ذلك فإنّ الاهتمام بتقنيات السرد وأساليبه وأبنيته ودلالته استأثر بالأهمية الأساسية لدي، ومن خلال هذه الموضوعات يمكن الإشارة إلى ما يتصل بوظائف السرد ومهامه. وعلى هذا فإن السرد العربي الحديث، يعتبر ظاهرة ملفتة للنظر، وينبغي دراسته أسلوبياً وبنيوياً ودلالياً، ضمن ضوابط منهجية واضحة وقادرة على استنباط أهم الركائز التي يقوم عليها بهدف استكناه طبيعته وأنساقه الداخلية من جهة، ووظائفه من جهة ثانية وعلاقته التمثيليّة بمرجعياته من جهة ثالثة.
الممارسة المعرفية والفلسفية

في وقت مبكر ومتزامن مع الاهتمام بالسرد الأدبي، اتجه اهتمامي إلى المنظومة المعرفيّة الحديثة في الثقافتين العربيّة والغربيّة، وشمل ذلك الاهتمام الجوانب الفلسفيّة والتاريخيّة والاجتماعيّة، ومن الطبيعي أن تثير اهتمامي العلاقة الملتبسة من ناحية التأثر والتأثير بين الثقافتين الغربيّة والعربيّة، ذلك أنها علاقة أنها علاقة حددت أنظمة التفكير ومرجعياته وأنساقه في ثقافتنا الحديثة، وعولجت بمنظورات مختلفة وأحياناً متناقضة. وتبيّن أن اتجاهاً واحداً يحكم تلك المنظومات بشكل عام، ومؤدّاه التطابق مع معطيات الثقافة الغربيّة. وهو في حقيقته لا يختلف عن الاتجاه الآخر الذي يقول بالتطابق مع الماضي ومرجعياته. ومن هنا ظهرت فكرة "الاختلاف" عن الاتجاهين. وحول هذه القضية خصصت كتابي "المطابقة والاختلاف" الذي صدرت منه إلى الآن ثلاثة أجزاء، وطرحت فيه فكرة " الاختلاف" بوصفها بديلاً عن فكرة "المطابقة" مع "الآخر" المتمركز حول ذاته. و"الذات" المنكفئة على نفسها في اتجاه يفضي إلى الماضي ويحاكي معطياته، وقد ظهرت الفكرة بسبب المراجعة التي تعتمد المنظور النقدي لمعطيات الثقافة العربية الحديثة. وعلى هذا، فإنّ نقد الذات ونقد الآخر أمر فرضته حالة الالتباس والحيرة من جانب، وحالة الولاء والامتثال للآخر من جانب آخر. وهكذا انصرف اهتمامي إلى نقد التمركز الغربي والإسلامي على حد سواء، وكشف ظروفه التاريخية ونقد الثقافة العربية الامتثالية. وسأحاول تقديم مخطط عام للأفكار والقضايا التي كانت موضوعاً للبحث دون أن أغفل الإطار الفكري- النقدي الذي يتنزل فيه الكتاب بالنسبة لي، كونه يندرج ضمن محاولات نقدية- تحليلية تحاول أن تدمج بين منظورين متلازمين هما: المنظور التاريخي والمنظور النقدي؛ الأول يكشف ملابسات ظروف التمركز وتشكّلاته، والثاني يفضح اقصاءاته واختزالاته لـ(الآخر)، وتهمّني الإشارة إلى هذا الأمر، لأن الكتاب ليس مخصصاً لتاريخ ظاهرة التمركز، إنما للظروف الثقافية والاجتماعية والسياسية والتاريخية، التي أفرزت تلك الظاهرة والتي أنتجتها حاجات الفكر الغربي الحديث والإسلامي الوسيط، واصطنعت لها تاريخاً يوافق رؤيتها لنفسها وللعالم. فالنقد هنا لا يقرّ بحكم القيمة، إنما يسعى، بتوفير ظروف منهجيّة، إلى كشف تعارضات الفكر المتمركز حول نفسه، وتعرية ممارساته الاقصائية. على أنّ ذلك النقد لم يتم بمعزل عن واقع الثقافة العربية الحديثة، التي أراها ثقافة امتثالية وولائية، يتجاذبها قطبان بعنف وقسوة؛ قطب يمثل الغرب بمركزيته الثقافية، وقطب يمثل النموذج الفكري المتصل بتجربة تاريخية- دينيّة تجاوزها الواقع. ووسط هذا التجاذب الدائم والمستمر، تحولت الثقافة العربية إلى "ثقافة مطابقة"، لأنها في جانب منها تتطابق مع الآخر رؤية ومنهجاً، فتحاكيه في منظوراته ومفاهيمه وأهدافه، دون الأخذ بالاعتبار الاختلافات السياقيّة بينهما. وفي جانب آخر تتطابق مع الماضي ونموذجه اللاهوتي، فتقع في أسر سحره الخاص، وجاذبيته الشفافة بفعل تقادم الزمن، وذوبان الزخم التاريخي المرافق له. في المرة الأولى تتماهى الثقافة العربية مع "الآخر"، وفي المرة الثانية تعتصم بـ"الذات" في نوع من التمركز الذاتي المنكفئ على نفسه، بحثاً عن أصل يمكن الاتصال به دون مراعاة عامل الزمن، وهكذا فما يحكم واقع الثقافة العربية الحديثة منذ عصر النهضة إلى الآن، إنما هو نوعان من "المطابقة" مطابقة الآخر وهو اغتراب في المكان، ومطابقة الماضي وهو اغتراب في الزمان. ولهذا فانّ دعوة لـ"الاختلاف" عن الاثنين، دون الانقطاع الطبيعي عنهما، تصبح حاجة ملحّة تفرضها حالة التوتر الذي لم يمزق نسيج الثقافة العربيّة الحديثة فحسب، إنما لم يسمح له بالتكوّن على نحو طبيعي، فثمة انهيارات عميقة وغامضة، وردود فعل مفاجئة ومباغتة، ورغبة مزدوجة في التحديث والتخلّف، وممارسات متعارضة، وانقسام في الوعي، وتشنجات عرقيّة ودينيّة وطائفيّة وثقافيّة وسياسيّة واقتصادية، لا سبيل إلى حلها، فالانتماء العقلي المزدوج إلى قطبيّن، دمّر وسيدمّر كل شيء، ولا بد من إدراج كل تلك الظواهر ومسبباتها ضمن منظور يستكشف أسبابها الحقيقيّة. ولعلّ أهم تلك الأسباب- دون أن تكون الوحيدة- هو ما أسميناه "المطابقة" بكل ملابساتها واتصالاتها الخفيّة ونتائجها، وإزاء كل ذلك لا بد من وضع مسافة، تمكّن التي من ممارسة نقدها لنفسها ولغيرها، مساقة تفصل الذات فصلاً رمزياً عن ماضيها الذي مضى، وعن الآخر الذي له سياقات ثقافية خاصة به. تلك المسافات الطبيعية والضرورية أول خطوة لـ"الاختلاف" الذي يحوّل الانتماء الأعمى المزدوج الذي ذكرناه إلى نوع من الحوار والتفاعل والتمثّل والاختلاف، وليس التماهي والاندماج والتطابق.


رد مع اقتباس