السادة الأفاضل:
إن هذا الذي أشرت إليه ليس مشكلة المحامين والقضاة وحدهم ولكنهـم مجرد عينة لمستوى خريجي الجــامعــات الذين انتقـلوا مـن الأميــة اللغويــة في مراحــل التعليـم الأولى إلى مستـوى الأميـة في الجامعات التي لا تعير أي اهتمام للغة العربية، بل أصبحت تتباهى بأنها تدرس طلابها باللغة الأجنبية الأمر الذي صدم الغيورين على لغتهم الفصحى، وهنا أذكر قولاً للأستاذ المرحوم حسن البرقاوي الذي سمعته يقول: "والله كلما سمعت خطأ نحوياً فكأن سهماً وجه إلى جسدي".
ومن أمثلة انعدام الوعي اللغوي لمعاني الحروف، والتي تؤدي إلى أحكام مخالفة تماماً لما أراده المشرع النص على أن:
أ. "على العضو المنتدب أو سكرتير الشركة المسجلين أن يودع لدى قسم الشركات البيانات......الخ".
ب. "يجب أن يكون الطبيب والممرضة حاضرين.....إلخ".
ففي الأول:
استعمل حرف "أو" بمعنى أنه يجوز لأي من الشخصين أن يودع البيانات وليس ما يوجب أن يودعها الاثنان.
وفي الثاني:
استعمل حرف "و" بمعنى أنه يجب على الاثنين أن يكونا حاضرين وليس الاكتفاء بواحد منهما.
في هذا المثال يبدو جلياً كيف أن مقاصد الأحكام مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بلغة التعبير ومعاني حروفها.
السادة الأفاضل:
إن هذا الذي نلاحظه في صياغة بعض تشريعاتنا وأحكامنا من جهة، وفي إعلامنا ومحاضراتنا ومؤتمراتنا الصحفية و....... ومن جهة أخرى يعتبر مذبحـة حقيقيـة للغـة العربيـة تتبعها مذابح كبيرة وخطيرة، ليس فقط في هوية الأمة وعنوان حضارتها ولا في تراثنا وتاريخنا، ولا في استخفافنا بلغة كتابنا الكريم، ولكنه أيضاً طعنٌ في مضامين الأحكام القضائية وانحرافٌ واضح عن مرادها ومقاصدها، وبالتالي صفعة موجعة ومدمرة لتاريخنا.
ومع ذلك فإننا نلاحظ كثيراً من عبارات الاستخفاف بالتمسك بهذه اللغة، وعدم المبالاة في الالتزام بأصولها وسلامتها من أناس أوتوا قدراً من المسؤولية، وهم غارقون ببحور الجهل وقصور المعرفة، بعيدون عن الحس بالمسؤولية، غير محيطين أو مدركين لتبعات هذه الجهالات، الأمر الذي يرتب علينا جميعنا سياسيين وإعلاميين ومشرعين وقضائيين أن ننفض غبار هذه المواقف المخزية لنعيد للغتنا ألقها وأصالتها وقوتها، ولنحول دون دمار هذه الأمة وحضارتها بل ووجودِها.
على أنه إذا تتبعنا المشكلة في أساسها فسنجد أن انحطاط اللغة الفصحى له أسبابٌ عدة؛ منها اتصاله الوثيق بتراجع مؤشرات الاعتزاز بالهوية والكبرياء الوطني، إذ إن انحطاط اللغة يظل من تجليات الانحطاط الثقافي والهزيمة الفكرية والحضارية ولذلك قيل "إن اعوجاج اللسان علامة على اعوجاج الحال".
وفي ظل أجواء الهزيمة اللغوية هذه ينتعش الغلاة والمتعصبون المعادون للغة الفصحى الذين جرى احتلال ألسنتهم باللغة الأجنبية وتراهم يتباهون بجهلهم الفاضح بأبجديات اللغة العربية الفصحى.
غاية الأجنبي من حصار اللغة العربية:
لقد ظلت العربية لغة العلم العالمي لأكثر من عشرة قرون، بها كتبت الإبداعات العلمية والمواريث الثقافية والحضارية، ومنها أخذت أوروبا المنهج التجريبي والعلوم الطبيعية.
ولكن الكارثة التي عاشتها لغة القرآن الكريم اليوم والتي أصبحت العلوم الإنسانية والطبيعيةُ تدرس بلغات أجنبية أدت إلى حصار العربية لتكون غريبة في ديارها.
وبرأيي إن هذا التحول يمثل مخططاً استعمارياً أُريد من ورائه عدمُ الاكتفاء باحتلال الأرض ونهب الثروة وإنما احتلال العقل أيضاً.
واسمحوا لي أن أنقل إلى مسامعكم بعض الأقوال الأجنبية المؤيدة لدور تغريب اللغة في الغزو والاستعمار.
يقول "بول موقلان" أحد كبار اليسوعيين:
"فإن تعلم الناس لغتنا - الفرنسية – لا يعني مجرد أن تألف ألسنتهم وآذانهم الصوت الفرنسي، بل إنه يعني فتـح عقولـهـم وقلوبهـم على الأفكار والعواطف الفرنسية حتى نجعل منهم فرنسيين، إن هذه السياسة تؤدي إلى فتح بلد بواسطة اللغة".
دور مجمع اللغة العربية في الحفاظ عليها:
وهنا لا يسعني إلا أن أذكر بالتقدير والعرفان دورَ مجمع اللغة العربية الأردني الذي يرأسه عالم جليل ما فتئ يكافح توضيحاً وتبصيراً لهذه الأجيال، وينـافح ذوداً عن حيـاض لغتنـا، وأشيد بجهود الأسـاتـذة والبـاحثين الأفـاضـل وهـم يحرصون عليها ويمدونها بما يجعلها قادرة على التخلص مما لحق بها من أدران، وأصابها من تشوهات بحيث تعود إليها قدرتُها على استيعاب المستجدات الحياتية والمتغيرات الاجتماعية، على الرغم مما يحيق بالوطن العربي من تيارات مشبوهة تريد أن تجعله منضوياً تحت مظلة العولمة، التي بدأت تذر بمفاهيمها الموبوءة، وأخذت تنتقل إلى لغة الأمة وثقافتها، وفي هذا ما فيه من خطورة ماحقة ليس فقط على مسار حياتنا وإنما على وجودها وبقائها.
إن مشروع القانون المقدم من مجمع اللغة العربية الأردني للمحافظة على سلامة اللغة ليس بدعاً، فهناك العديد من الدول التي وضعت تشريعاً للحفاظ على لغتها، فالعراق مثلاً أصدر سنة 1977 (قانون الحفاظ على سلامة اللغة)، والجزائر سنة 1991 وهو ما فعلته فرنسا بإصدار القوانين التي تحمى لغتها.
ولكني أرى إعادة دراسة مواده وتحديثه في ضوء هذه المتغيرات المجتمعية للنأي به عن الأهداف الشكلية بحيث يكون لهذا التحديث وسائل على أرض الواقع، تربط المجمع بجهات التشريع من جهة وجهات التربية والتعليم من جهة أخرى.
أقول: إننا جميعنا نتحمل مسؤولية الوصول بمشروع القانون إلى مراحله الدستورية النهائية، كل ضمن حدود إمكانياته فلا نتقاعس عن إيضاح جوانب الأهمية للمشروع لدى الجهات المسؤولة وبيان خطورة العزوف عن إقراره وكشف النتائج المترتبة على إهماله وإغفاله.
التعليقات والمناقشات
- أمين أبو لاوي/ جامعة عمان العربية للدراسات العليا
رأى أن هناك من يصرُّ على محاربة اللغة العربية، مشيراً إلى اللافتات الضخمة التي تلوّث الشوارع بعبارات عامية، لا سيَّما تلك التي تنشرها شركات الهواتف النقالة، ولا تكاد تلمح فيها كلمة فصيحة واحدة؛ لذا يرى أهمية مخاطبة مثل هذه الفئات لإعادة النظر فيما تكتبه وتنشره مسيئةً فيه إلى وجه العربية المشرق.
- أ. د. فواز عبد الحق/ جامعة اليرموك
رأى في ورقة الأستاذ أبو العثم مناشدةً لإحياء الوعي اللغوي في المجتمع، كما رأى أن الأمة بحاجة إلى سنِّ قانون للغة العربية تترتَّب عليه مخالفاتٌ ضابطة لهذا القانون، كتلك التي تمنع زواج الفرنسية من غير الجنس الفرنسي حتى لا يفسد عليهم لغتهم.
وقال: قبل أربع سنوات شكَّلت وزارة الثقافة لجنة كُنت أحدَ أعضائها برئاسة الأستاذ الدكتور خالد الكركي بهدف سنِّ قانون لحماية اللغة العربية، وانتهينا من إعداد القانون بعد عشرين جلسة إلا أن القانون ظلَّ حبيس إدراجه ولم يرَ النور بعد.
وتابع: التخطيط للغة هو تخطيط للأمة، إلا أن هذا البعد اللغوي التنموي مغيَّبٌ لدينا بقصدٍ أو بغير قصد لا أدري، وما أرى هذه المؤتمرات والمواسم اللغوية الثقافية إلا سبيلاً لإثارة الوعي بأهمية هذا المحتوى من محتويات تنمية الأمة.
- أ. د. سرى سبع العيش/ عضو المجمع
أشادت باللغة الشائقة الماتعة الجميلة التي يتمتَّع بها الأستاذ الدكتور أبو العثم وتتساءل: ألا يحق للقضاة أن يرفضوا نصَّ الدعوة الموجهة لهم إن كانت بذلك السوء وتلك الموبقات اللغوية واللفظية؟
- أ. د. عبد القادر عابد/ الجامعة الأردنية
اقترح تعيين متخصص باللغة العربية أو أكثر في كل دائرة من دوائر الدولة لضبط ما يخرج منها وما يدخل إليها من كتب ورسائل ومستندات وأدوات تكتب باللغة العربية، ويراه أمراً يسيراً على الدولة.
- نصر الله الشاعر/ جامعة بير زيت
أشار إلى تجربة في جامعة بير زيت في معهد الحقوق الذي أسس وحدةً أطلق عليها اسم وحدة الصياغة التشريعية؛ حيث تمنح درجة الدبلوم العالي في الصياغة التشريعية، وهذه الوحدة تدرِّب القانوني على فن الصياغة التشريعية، أي كتابة القانون بطريقة محكمة تدل على ما يقصده المشرِّع ولا تحتمل تفسيرات متعددة توقع في اللبس والغموض بحيث يفضي إلى اختلاف في تفسيرات القانون.
كما أشار إلى الخطأ الذي تقع فيه كثيرٌ من اللجان التي تصوغ القوانين ثم ترسلها إلى مدقق لغوي لضبط اللغة فيها، وليس هذا المطلوب – في نظره-؛ لأنه ليس كل متخصص في اللغة عارفاً بالصياغة القانونية، فاللغة القانونية لها خصوصيتها من حيث وضوحها ومباشرتها وعدم احتوائها على الاستعارات والكنايات والتشبيهات والمجازات، فهي لغة معبِّرة بقصد. كما أن الفاعل القانوني في الصياغة التشريعية مثلاً مختلفٌ عن الفاعل اللغوي.
وأوصى القائمين على التعليم في كليات الحقوق بتدريس مادة في اللغة العربية تركِّز على الأصول اللغوية في صياغة القانون بعيداً عن الأمثلة العاطفية والحياتية البسيطة، بل تأخذ أمثلتها من القانون ولغته.
كما طالب مجامع اللغة العربية الاهتمام بحقل الصياغة القانونية اللغوية، ليس من خلال إحصائيات الأخطاء اللغوية وإنما من خلال تأصيل هذا العلم؛ لكونه علماً غائباً في القوانين العربية.
- د. ضرغام الخفَّاف/ جامعة بغداد
قال أن اعوجاج اللسان أصبح ظاهرة واضحة في مجتمعاتنا العربية ويعزي ذلك لعدم اهتمام المجتمع والبيئة اللغوية باللغة العربية، بحيث تحوَّلت اللغة الفصيحة من لغةٍ أم إلى لغة ثانية بعد العامية السائدة كلغة أولى في أقاليمنا وبيئاتنا العربية؛ لذا ينبغي لأصحاب القرار أن يدرِّبوا الناس على الوعي اللغوي؛ فاللغة دربة كلما ازداد وعي المواطن المتكلم باللغة وسلامتها نحا منحىً سليماً، وهذا يعزز القانون الذي يجب أن يكون رقيباً بالدرجة الأولى.
وصحيحٌ أن سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال:
"لا ينفع تكلّمٌ بحقٍّ لا نفاذَ له"، ولكن يجب أن لا يكون القانون سيفاً مسَلَّطاً على الرِّقاب وإنما فاعلاً ورقيباً، ومن هنا فالنموّ الثقافي له دورٌ في النمو اللغوي، وكذا الضعف اللغوي سببٌ في اضمحلال شخصية المتكلِّم.
وأشاد د. ضرغام بالتجربة العراقية النادرة الفريدة في السبعينيات التي أخذت على عاتقها مراقبةَ تطبيق القوانين حيث جعلت في كل وزارة ومؤسسة أو حتى دائرةٍ صغيرة خبيراً لغوياً يضبط اللغة في الكتب التي كانت تُردُّ إن ظهر فيها خطأ لغوي واحد على أهميتها الرسمية، فكان رأس الدولة الرئيس صدام حسين رحمه الله يردُّ أي كتاب أو معاملة – مهما كانت أهميتها وأحقيتها- إن احتوت خطأً لغوياً واحداً ويُحاسب المسؤول عن ذلك، ومن هنا تأتي حماية السلطة والقوانين – إن كانت فاعلة- للغة.
- أ. د. حمدان نصر/ جامعة اليرموك
أخذ على أغلب المؤتمرات طرحها لحلولٍ نظرية للمشكلات، وإغفالها للحلول العملية التطبيقية، ويلقي باللوم على جميع المؤسسات التعليمية من مدارس وجامعات ومؤسسات دولة وقوانين وأنظمة تشريع تحكم عملية اكتساب اللغة وأسس الترقية في المدارس والجامعات؛ فكلها مسؤولة عن هذا الوضع المتردي الذي آلت إليه اللغة العربية.
وقال إن الجهود التي تُبذل في الجامعات في إطار اللغة العربية من برامج لتطوير وتحسين وتعديل وسائل اكتساب اللغة لا يؤخذ بها، وإنما تقدَّم من أجل الدرجات العلمية وحسب.
وأشار في هذا السياق إلى أن مانحي الدرجات العليا (ماجستير ودكتوراه) – في ظل هكذا تشريع- يضطرون للموافقة على منح هذه الدرجات لطلبة لا يتقنون أبجديات اللغة العربية رغم تفوقهم في مجال تخصصاتهم الأخرى، كما تجيز الجامعات أطروحات جامعية تغصُّ بالأخطاء اللغوية المختلفة؛ لذا لا بد من قرار سياسي لضبط هذه القضية التي لا يمكن أن تغيرها مؤسسة بمفردها وإنما لا بد من تضافر الجهود إلى جانب قرارٍ سياسي داعمٍ وفاعل.
- أ. د. أحمد العلوي/ المغرب
ردَّ استخفاف الطلبة باللغة العربية إلى استخفافهم بمعلم اللغة العربية الذي يواجه بدوره استخفافاً من الدولة والمجتمع.
- مروّح نايف الرفاعي
تحدث عن الأخطاء اللغوية القاتلة لدى أساتذة اللغة العربية في المدارس؛ ويرى في هذا مبرراً للأخطاء لدى الطلبة، فإن كان الأستاذ على هذا القدر من الجهل باللغة فلا لوم على الطالب، ويرى أن الأساتذة أولى بتقويم ألسنتهم من الطلبة، وهذه المهمة يجب أن يتولاها مجمع اللغة العربية في الدرجة الأولى.
- أ. د. عبدالعلي الودغيري/ المغرب
رأى أن الأمة العربية بأسرها تعيش فترة ضعف وتبعيَّة، ولا بدَّ أن تنال العربية نصيبها من هذا الضعف والهزال.
واقترح توحيد المصطلحات في مجال التشريع والقضاء وكتابة النصوص التشريعية والعقود، وأهمية أن يكون التعليم على جميع مستوياته باللغة العربية؛ لأن ازدواجية اللغة في التعليم تضعف اللغة العربية وتزيد المتعلِّم إرباكاً.
وأشار إلى أن سبب الأخطاء الشائعة في اللغة على مستوى الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه راجعٌ إلى ضعف مستوى التعليم بصفة عامة وضعف مستوى تعليم اللغة العربية بصفة خاصة، إلى جانب أن أساتذة العلوم الأخرى غير اللغة العربية يرون أن ليس من مهامهم تصويب أخطاء الطلبة في اللغة العربية.
وتزداد المشكلة سوءاً بالسكوت على الخطأ الذي هو خطأ أكبر من المشكلة بحد ذاتها، فتمرّ الأخطاء تباعاً في الغرف التدريسية وفي الصحافة والإعلام على مرأى ومسمع العالم العربي ولا أحد يأبه لتصويبها.
- رد الأستاذ فهد أبو العثم
أتفق مع الدكتور الودغيري حول أهمية توحيد المصطلحات التشريعية والقانونية على مستوى الوطن العربي، كما يرى أهمية نشر ثقافة الاهتمام باللغة العربية.
وأكد على أهمية توافر إرادة سياسية فيما يخص سن قانون اللغة العربية، وتحدَّث في هذا السياق بأسف شديد حول ما تواجهه اللغة العربية من استخفاف ليس من الطلبة والمجتمع وحسب وإنما من أصحاب القرار أنفسهم، وسرد حادثة دالّة حين كان في الوزارة وأرسل إليه أ.د عبد الكريم خليفة رئيس مجمع اللغة العربية الأردني آنذاك مشروع قانون اللغة العربية المتواجد في أدراج ديوان التشريع منذ زمن للنظر فيه، وقد باشر –بالفعل- بالسعي الجاد لإخراج القانون إلى النور ولكنه قوبل باستخفاف المسؤولين وذهبت الجهود أدراج الرياح.
وفي السياق نفسه أشاد بتجربة بعض المحامين في مصر حيث كانوا يخرجون المرافعة قطعةً أدبية فنية رائعة بعيداً عن الأسلوب التقليدي في المرافعات وإخراج القرارات.
وأشار إلى اجتماع عُقد مؤخراً في مركز المرحوم حسن التل للعمل على تقديم قانون للغة العربية، وتمنَّى أن تتضافر الجهود لإنجاح هذا المشروع.