الإجابة:
بل السؤالُ : أعذبُ ، بالذّالِ المُعجَمَة
تكلّمَ النّقّادُ في هذه المسألَة، وحاولوا أن يُبرهنوا على وجه الصحّةِ فيها :
فالعسكري في الصناعتين يرى أن أكثرَ الشعر مبنيٌّ على الكذب والاستحالة في الصفات الممتنعة، والنعوت الخارجة عن العادة،
والألفاظ الكاذبة: من قذف المحصنات، وشهادة الزور، وقول البهتان، ولا سيما الشعر الجاهلي الذي هو أقوى الشعر وأفحله.
قال: وليس يُرادُ منه إلا حسنُ اللفظ وجودة المعنى؛ فهذا الذي سَوَّغَ استعمالَ الكذبِ وغيرِه مما جرى ذكْرُه فيه. وقيل لبعض الفلاسفة:
فلان يكذب في شعره، فقال: يُراد من الشّعر حُسنُ الكلام، والصدقُ يراد من الأنبياء عليهم السلام.
وقال ابن أبي الأصبع في كتابه تحرير التحبير: وأنا أقول قد اختلف في المبالغة، فقوم يرون أن أجود الشعر أكذبه، وخير الكلام ما بولغ فيه
وقالَ القلقشندي في صبح الأعشى في صناعَة الإنشا: وقومٌ يرونَ المبالغةَ من عيوب الكلام، ولا يرون محاسنه إلا ما خرج مخرج الصدق،
وجاء على نهج الحق؛ ويزعمون أن المبالغة من ضعف المتكلم وعجزه عن أن يخترع معنى، أو يفرع معنى من معنى؛ أو يحلي كلامه شيئاً
من البديع، أو ينتخب ألفاظاً موصوفة بصفات الحسن، و يُجيد تركيبها، فإذا عَجَزَ عن ذلك كلّه عَدَلَ إلى المبالغة يسد بها خَلَلَه ويتم نقصه؛
لما فيها من التهويل على السامع، ويدعون أنها ربما أحالت المعاني فأخرجتها عن حد الإمكان إلى حد الامتناع.
قالَ القلقشندي: وعندي أن هذين المذهبين مردودان، أما الأولُ فلِقَولِ صاحبه: إن خيرَ الكلامِ ما بولغ فيه، وهذا قولُ من لا نَظَرَ له، لأنا نرى
كثيراً من الكلام والأشعار جارياً على الصدق المحض خارجاً مخرج البحث، وهو في غاية الجودة، ونهاية الحسن، وتمام القوة؛ وكيف لا والمبالغة
ضرب واحد من المحاسن، والمحاسن لا تحصر ضروبها؛ فكيف يقال: إن هذا الضرب على انفراده يفضل سائر ضروب المحاسن على كثرتها! وهذا
شعر زهير والحطيئة وحسان، ومن كان مذهبه توخي الصدق في شعره غالباً، ليس فوق أشعارهم غاية لمترق، ألا ترى إلى قول زهير:
ومهما يكن عند امرىء من خليقةٍ ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم
و إلى قول طرفة:
لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه في اليد
و إلى قوله:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
و إلى قوله الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
فإنك تجد هذه الأشعار في الطبقة العليا من البلاغة، وإن خلت من المبالغة فهذا موقف وَسَط وَقَفَه القلقشندي من القضية ولم يجعَلِ الشعرَ
بابه الشّرّ والكذب
[يُرجَعُ إلى الصناعَتَيْن لأبي هلال العسكري-صُبح الأعشى في صناعة الإنشا للقلقشندي-تحرير التحبير لابن أبي الأصبع]