عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 04-07-2016 - 01:48 PM ]


هذا فيما يخص المفاهيم والاتجاهات النقدية الكبرى، فما بالك بالمقولات التي تندرج ضمن هذا المفهوم أو ذاك، أو ضمن هذا التيار أو ذاك!. وما دامت المفاهيم الكبرى، والمقولات التحليلية، لم يتفق بشأنها معنى وترجمة، فمن الطبيعي أن تتضارب التصورات النقدية القائمة حولها. ومع أن العقد الأخير شهد نوعا من الاستقرار في استخدام بعض المفاهيم، لكن الحقبة الأولى من الدراسات السردية شهدت اضطرابا منقطع النظير أدى إلى بلبلة الحركة النقدية العربية، إذ شغل كثيرون بالمفاهيم، والإجراءات التحليلية، ولم تنصرف إلا أقل الجهود للتحليل النقدي الحقيقي. ولم تظهر موسوعة شاملة للمصطلحات السردية، فلجأ كثير من الباحثين والمترجمين إلى إعداد مسارد بالمصطلحات تظهر ذيولا لكتبهم، ولا نجد فيها أي اتفاق، فالتضارب هو السنة الشائعة في كل ذلك.
وعلى الرغم من ذلك أنجزت السردية مهمة جليلة، إذ خلخلت ركائز النقد التقليدي، ودفعت برؤية جديدة لعلاقة النقد بالأدب، وأزاحت الانطباعات الذاتية إلى الوراء، وزجت بمفاهيم جديدة إلى الممارسة النقدية، وفي بعض الأحيان قدمت أمثلة تحليلية جيدة. وحالة الاضطراب التي رافقت دخولها إلى النقد العربي الحديث أمر متوقع في ثقافة تموج بالمتناقضات، ولم تفلح بعد في تطوير حوار عميق بين مواردها المتعددة، وينبغي أن نتعامل مع كل ذلك على أنه مقدمات لقبول الأفكار الجديدة، وتكييفها، وإعادة إنتاجها بما يفيد الأدب العربي. ولقد شهدت حقبة الثمانينيات من القرن الماضي هزة في التصورات النقدية، ولم تزل تتفاعل توابع تلك الهزة، لكن ردة فعل المناهج التقليدية كانت عنيفة أيضا، وبمرور الوقت خفت التنازع بين الطرفين، ولكن الأفكار الجديدة لم تقبل كما ينبغي، فما زالت صورة النقد السردي متقلبة، ولم تستقر بعد على أرضية متماسكة من الفرضيات والمفاهيم.

4- الآفاق
ظهرت )السردية( بوصفها المبحث النقدي الدقيق الذي يهدف إلى تحليل النصوص السردية في أنواعها وأشكالها المختلفة، فالسردية وليدة الدقة التحليلية للنصوص، وثمارها متصلة بمدى تفهم أهمية تلك الدقة، وإدراك ضرورتها في البحث الأدبي، وتقدير الحاجة إليها، وهي ليست جهازا نظريا ينبغي فرضه على النصوص، إنما هي وسيلة للاستكشاف المرتهن بالقدرات التحليلية للناقد، فالتحليل الذي يفضي إليه التصنيف والوصف، متصل برؤية الناقد، وأدواته، وإمكاناته في استخلاص القيم الفنية والدلالية الكامنة في النصوص. وبما أن الدقة لا تتعارض مع كلية التحليل وشموليته، فالحاجة تقتضي من السردية الانفتاح على العلوم الإنسانية والتفاعل معها بما يكون مفيدا في مجال التأويل وإنتاج الدلالات النصية، ويمكن استثمارها في تصنيف المرجعيات، ثم كشف قدر ة النصوص على تمثيلها سرديا. إلى ذلك يمكن أن توظف في المقارنات العامة، ودراسة الخلفيات الثقافية كمحاضن للنصوص، ومن المؤكد أن ذلك يسهم في إضفاء العمق والشمولية على التحليل النقدي، بما يفيد السردية التي يظل رهانها متصلا برهان المعرفة الجديدة.
لا يشجع واقع الدراسات السردية العربية كثيرا على استخلاص مسارها المستقبلي؛ ذلك أن الدرس النقدي في الأدب العربي الحديث لم يستقر على أسس منهجية متينة تضفي على التطورات اللاحقة شرعية ثقافية، فقد تداخلت معا المناهج الخارجية والداخلية، ففي آن واحد نجد المناهج التاريخية، والاجتماعية، والانطباعية، والنفسية، مختلطة بالمناهج الشكلية، والبنيوية، والتفكيكية، ونظرية التلقي، وإلى جانب ذلك نجد كتابة تختلط فيها الشروحات، والتعليقات، والانطباعات، والمقارنات، والخلاصات، والأحكام، وكل هذا مربك للعملية النقدية.
وفي وقت تحاورت فيه المناهج النقدية طويلا في الثقافة الغربية، وفي سواها، واستفادت اللاحقة من السابقة، واستثمرت كشوفاتها، وأدرجتها فيها، وجددتها، حدث العكس في نقدنا الحديث، فصورة النقد ملتبسة لدينا، فإذا أخذنا الممارسة النقدية في الدرس الجامعي، وجدنا أن كثيرا من الجامعات لم يزل يدرس النقد على أنه جزء من تاريخ الأدب، ويعتمد الشروحات والأحكام، ولم يقترب بعد من المفهوم النظري للنقد الحديث القائم على الاستنطاق والتحليل والتأويل، وتوفير الظروف المنهجية المناسبة لقراءة النصوص قراءة نقدية فعالة تفكك مكونات النص، وتنتج منه معرفة أدبية جديدة تساعد القارئ على تلقيه بطريقة أفضل، ولعلنا نعثر على هذه الظاهرة في كثير من الجامعات التي تتغذى على فكرة التعليم التقليدي، حيث لا تتوافر مقومات التفكير الحديث، فيما نجد حامعات لم تتبن فكرة الحداثة النقدية فحسب إنما استعارت السياق الثقافي الحاضن لها، فغرقت في المشكلات النظرية للنقد، وتمحّلت في تبني مناهج نقدية بمعزل عن حركة الأدب نفسه، ونجد في جامعات أخرى أن التعلق بفكرة الأصالة، وإضفاء المعطى الديني على الدرس الأدبي، قد حال دون الإفادة من الأفكار الحديثة التي أفرزتها الحركة النقدية خلال القرن العشرين.
هذه الخلفية الملتبسة لحال النقد لا تفسر الارتباك الحاصل في الدراسات السردية العربية فحسب، إنما تكشف لنا أنها تمربأزمة جدية، فقد انزلقت المجتمعات العربية إلى منطقة ثقافية مشوشة، وانتهى التعليم الجامعي إلى تبني فكرة التلقين، واعتمد مبدأ التلخيص، والاختزال، وليس التمثل، والحوار، والمشاركة، وإنتاج معرفة نقدية جديدة، ولعل ظهور الدراسات السردية في حقبة التحول هذه حال دون تقدير أهميتها، وتطويرها كمبحث نقدي جديد، وعليه فمن الصعب الحديث عن آفاق محددة للسردية العربية، إنما يمكن الحديث عن جهود فردية لم يقع هضمها وقبولها بصورة كاملة، وأحيانا يقع رفضها واستبعادها.
إلى ذلك لا نكاد نعثر على قواسم مشتركة في الدراسات السردية، بسبب الفوضى في المناهج، والمفاهيم، والتصورات، والخلفيات الفكرية التي يصدر النقاد عنها.
وبالإجمال فواقع الدراسات السردية العربية متصل بواقع الدراسات النقدية في الأدب العربي الحديث، وهذا الواقع مرتبط بحال ثقافة تتنازعها أفكار ومواقف متناقضة بعضها يرتمي في أحضان الفكر التقليدي، وبعضها يستعير من الآخر كل شيء، ولم يقع جدل عميق لننتهي إلى بديل مناسب يتفق بشأنه بشكل عام، ومن الطبيعي أن تظهر تجليات ذلك في النقد، ومنه الدراسات السردية.


ملحوظة : من أهم مؤلفات الدكتور عبد الله إبراهيم ما يأتي :
1- المطابقة والاختلاف، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2004 .
2- موسوعة السرد العربي، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2005 .
3- المركزية الغربية، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1997 والمؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2003 .
4- المركزية الغربية، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1997 والمؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2003 .
4- المركزية الإسلامية: صورة الآخر في المخيال الإسلامي، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2001 .
5- الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1999 .
6- التلقي والسياقات الثقافية، بيروت، دار الكتاب الجديد، 2000 وط 2 دار اليمامة، الرياض، 2001، وط 3 منشورات الاختلاف، الجزائر.
7- السردية العربية، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1992، المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2000 .
8- السردية العربية الحديثة، بيروت، المركز الثقافي العربي، 2003 .
9- المتخيل السردي، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1990 .
01- معرفة الآخر، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1990، ط 2، 1996 .
11- التفكيك: الأصول والمقولات، الدار البيضاء، 1990 .
12- تحليل النصوص الأدبية، بيروت، دار الكتاب الجديد المتحدة، 1999 .
13- النثر العربي القديم، الدوحة، المجلس الوطني للثقافة، 2002 .
14- الرواية والتاريخ، الدوحة، المجلس الوطني للثقافة، 2006

رد مع اقتباس