الإمام "الشاطبي رحمه الله
اسمه وكنيته و نسبه
هو إبراهيم بن موسى بن محمد أبو إسحاق اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي , و كنيته التي عرف بها أبو إسحاق , أما نسبه فليس بالعربي مع أنه نال علوم العربية فبرع بها, فلم ينته نسبه إلى قبيلة من قبائل العرب , بل هو عالم أعجمي منْ مَن سبق أجداده للإسلام , و نسب إلى لخام وغرناطة و شاطبة فقيل اللخمي و الغرناطي و الشاطبي.
ولادته و نشأته و وفاته
تعرض الريسوني لمكان ولادة الشاطبي فقال : " فالأظهر أنه ولد بغرناطة" و سبب هذا أن الإمام الشاطبي نشأ و ترعرع بها و لم يُعلم أنه غادرها , و سبب عدم ترحاله أن أسفار العلماء كانت طلبةً للعلم , أما الشاطبي فكان العلم حاضر بلدته ,أما عن و فاته فهي يوم الثلاثاء من شهر شعبان سنة 790 هجري .
شيوخ الشاطبي
تتلمذ الشاطبي على يد الكثير من العلماء من شيوخ الغرناطيين و الوافدين الذين أحسنوا إعداده الأدبي و العلمي في شتى الفروع العلمية , ومن هؤلاء
أولاً : علماء غر ناطة
من أبرز شيوخه ابن الفخار البيري المتوفى سنة 754هـ , و أبو جعفر الشقوري , و أبو سعيد بن لب المتوفى سنة 782هـ , و أبو عبد الله البلنسي المتوفى سنة782هـ .
ثانياً: العلماء الوافدين إلي غر ناطة
أما شيوخه من العلماء الوافدين فمنهم : أبو عبد الله الشريف التلمساني ,أبو عبد الله المقري ,أبو القاسم السبتي ابن مرزوق الخطيب " الجد" أبو علي الزاوي .
تلاميذ الشاطبي
تتلمذ على يد الإمام الشاطبي الكثير من العلماء الأجلاء الذين شُهد لهم بالفضل في العلم و قد تنوعت علومهم و إبداعاتهم في جوانب شتى من العلم و قد اشتهر منهم , العلامة أبو يحيى بن عاصم , و القاضي الفقيه أبو بكر بن عاصم, و الفقيه أبو عبد الله البياني , وأبو جعفر القصار , و أبو عبد الله المجاري .
طلبه للعلم
كان الإمام الشاطبي شغوفاً بالعلم طالباً له من أهله , باحثاً عن كنوزه كاشفاً لأسراره , حيث جمع أصول العلوم الشرعية ففقه وفنونها على يد شيخه ابن الفخار , و فقه النحو على يد شيخه أبي جعفر الشقوري , وفقه الفقه و الفتوى على يد شيخه أبي سعيد بن لب , و فقه التفسير على يد شيخه أبي عبد الله البلنسي , و فقه أصول الفقه على يد شيخيه أبي عبد الله الشريف التلمساني و أبي علي الزاوي , و فقه القواعد الفقهية على يد شيخه أبي عبد الله المقري , و فقه العلوم اللسانية على يد شيخه أبي القاسم السبتي , و فقه علوم الحديث على يد شيخه ابن مرزوق , الملقب بالجد. فيكون بذلك الإمام الشاطبي حاز فنون كل علوم الشريعة , و هذا ما أهله بعد ذلك لينتج نظرياته الفقهية و الأصولية التي أوقفت أهل العلم عندها طلاب , و أفصحت عن مراد الشارع , و كشفت لأهل العلم عنه الحجاب , حيث عمت به فائدة كبيرة لأهل العلم.
منزلته العلمية بين العلماء و مؤلفاته
لقد تميز الشاطبي رحمه الله تعالى بمنزلة عالية رفيعة بين علماء الشريعة الإسلامية , فتمهر على يديه الكثير من العلماء الذين خرًّجوا الكثير من العلماء , فكان الشاطبي , نجماً ساطعاً بين علماء عصره , حيث ارتقى الشاطبي , مرتبة العلماء الذين خلد التاريخ ذكرهم , فهم الذين أثْرَََو المكتبة الإسلامية بالفكر الذي تستند الأمة عليه , و قد وصفوه فقالوا :" هو الإمام العلامة المحقق القدوة الحافظ الجليل المجتهد الأصولي المفسر الفقيه المحدث اللغوي النظارة المدقق البارع صاحب القدم الراسخ و الإمامة العظمى في سائر فنون العلم الشرعي , الإمام المحقق العلامة الصالح " , و للإمام الشاطبي مؤلفات كثيرة في مختلف علوم العربية و الشرعية , كالنحو و الصرف و الإشتقاق و الأدب و الشعر و علوم الحديث و فقهه و الفقه و أصوله و التصوف و البدع إلى غير ذلك من علوم , ومن كتبه المطبوع و منها غير المطبوع علي النحو التالي:
أولاً : المطبوع
طبع للإمام الشاطبي العديد من الكتب التي لاقت القبول عند أهل العلم و هي:
كتاب الموافقات في أصول الشريعة وهو من أنبل الكتب في بابه.
كتاب الإفادات و الإنشادات و فيه طرق و تحف و مدح أدبية و إنشاءات
كتاب الإعتصام في أهل البدع و الضلالات
ثانياً : غير المطبوعة
ولم تحظ مجموعة أخرى من كتابات الإمام الشاطبي بالطباعة , وهذه الكتب هي :
شرح جليل على الخلاصة في أربعة أجزاء
كتاب المجالس و هو شرح لكتاب البيوع من صحيح البخاري
عنوان الإتفاق في علم الإشتقاق قيل أنه أتلف في حياة الشاطبي واستفاد منه أهل عصره فقط
كتاب أصول النحو , قيل أنه أتلف في حياة الشاطبي
شرح الألفية يعني ألفية ابن مالك
ذكر الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى في آخر كتابه الإعتصام عن عزمه تأليف كتاب يعالج فيه التصوف و أسماه "مذهب أهل التصوف" , ولكنا لا ندري هل قام بتأليفه أم لا .
بيان منهجه الأصولي و مذهبه الفقهي
نبذة عامة عن منهجه العلمي
كان للإمام الشاطبي رحمه الله تعالى منهجاً علمياً متزناً , حيث كان له مزايا على ما ذكر هو بنفسه فقال :" وذلك أني ولله الحمد لم أزل منذ فتق للفهم عقلي , و وجه شطر العلم طلبي , أنظر في عقلياته وشرعياته , و أصوله وفروعه , لم أقتصر منه على علم دون علم , ولا أفردت من أنواعه نوعاً دون أخر , حسبما إقتضاه الزمان و الإمكان و أعطته المنة المخلوقة في أصل فطرتي , بل خضت في لجاجه خوض المحسن للسباحة , و أقدمت في ميدانه إقدام الجريئ .......إلى أن من علىًّ الرب الكريم , الرؤوف الرحيم , فشرح لي من معان الشريعة ما لم يكن في حسابي ......." و لعلها نظرته الشاملة في أخذه للعلوم , ثم رعته يد الله تعالى لينشأ نشأً بعد آخر , لمرحلة يكون الإسلام أحوج إلى علمه الزاخر , تماشياً مع حاجة الإسلام المتنامية يومأً بعد يوم , لما يَجِدُّ من حوادث , فيكون امتداداً بأصل التشريع إلى فرعه , لتكتب السلامة و النجاة لأهل هذا الدين الحنيف , و لم تكن الطريق ممهدة أمام الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى , بل واجه العديد من الصعاب التي أوشكت أن تثقله إلى الأرض , و كان من أبرزها , ما أثاره بعض أهل العلم الذين عجِّلوا عليه أمره ممن عاصره منهم , ففهموا مقصده على غير وجهته , بالإضافة إلى أهل البدع و الضلالات الذين لا يذرون في مؤمن إلاً و لا ذمةً , فاتهموه بكثير من الأمور التي لا تقبل فيمن هو دونه , فاتهموه بأنه يقول أنَّ الدعاء لا ينفع , و كل أمره أنه لم يلتزم الدعاء الجماعي في إمامته للناس , ونسب إلى التشيع و الرفض و بغض الصحابة , لأنه لم يلتزم ذكر الخلفاء الراشدين في الخطبة , ونسب إليه تجويز الخروج على الأئمه , لأنه لم يلتزم ذكرهم في الخطبة , و اتهم بالغلو و التشدد لأنه التزم الفتوى بمشهور المذاهب , إلى غيرها من أمور , و قد عبر عمًّا لاقى منهم بما جادت عليه فصاحته فقال: "بُليتُ يا قومِ و البلوى منوعةُ ..... بمن أُداريه حتى كاد يُرديني . دفع المضرة لا جلبُ لمصلحةٍ ..........فحسبيَ الله في عقلي و في ديني " . و كان لنشأته السليمة دوراً كبيرأ في المضي قدماً في دربه الصعب , بل و خط لنفسه آليةً لأخذ علومه عَبر عنها بنفسه فقال :" فمن هنا قويت نفسي على المشي في طريقه بمقدار ما يسَّر الله فيه , فابتدأت بأصول الدين عملاً و اعتقاداً , ثم بفروعه المبنية على تلك الأصول " , فأقبل على أصول الدين بادئ ذي بدء اعتقاداً و عملاً , ثم ألَّم بفروعه المبنية على تلك الأصول , و هي طريقة سليمة. ثم شرط على نفسه شروطاً لا يحيد عنها مهما كان الأمر فقال: " كثيراً ما كنت أسمع الأستاذ أبا علي الزاوي يقول : قال بعض العقلاء : لا يسمى العالم بعلمٍ ما عالماً بذلك العلم على الإطلاق , حتى تتوفر فيه أربعة شروط .... . وهي :
أن يحيط علماً بأصول العلم الذي يطلب على الكمال , .
ثم تكون له القدرة على العبارة عن ذلك العلم , .
ثم يكون عارفاً بما يلزم عنه , .
و آخرها أن تكون له القدرة على دفع الإشكالات الواردة على ذلك العلم "
و تميز بالتأني قبل الكتابة فقال:"ولما بدى من مكنون السر ما بدا , و وفق الله الكريم لما شاء منه وهدى , لم أزل أقيد أوابده ....." بل و المشاورة في ذلك حيث إنه كان يباحث تلميذه أبا جعفر القصار أثناء تأليفه لمباحث الموافقات , ولقد وضُح أثر هذه الطريقة في منهجه فبان متانة صنعته .
منهج الإمام الشاطبي الأصولي
تميز الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى بنظرةٍ خاصةٍ لم يعتبرها كثيرٌ من الأصوليين و الفقهاء , و تمثلَ ذلك باعتبار عدة أمورٍ :
من جهة النصوص: و ذلك باثبات الكلية و الجزئية , و اثبات الاستقراء كدليل لاثبات الحكم بمجموع الصور لا بعضها , و ربط أطراف المسائل النقلية بقرينتها العقلية , و استنباط الأحكام منها.
من جهة المعاني :فأخذ بالمصالح وضبطها بضوابط سليمة , ثم قسَّمها , ثم نظر إلى علاقتها بالتعليل .
من جهة المصادر و ضوابط الاستدلال :و التي تحتوي على عدة أمور مهمةٍ , مما نلمس فيه الكثير من المسائل التي تُؤثر في علم أصول الفقه , و التي سوف نعرض لها على النحو التالي :
يتبع :