– المنهج المعتمد :
لا مراء في أن طبيعة الموضوع هي التي تحدد المنهج، فالمعول عليه في كل دراسة هو وضوح التصور وقوة المنهج. وإحساسا مني بهذه الأهمية كان لزاما علي تحديد منهج هذه الدراسة، التي كان همها هو النظر في السؤالين المركزيين اللذين تنبني عليهما( وقد سبقت الإشارة إليهما).
وبذلك يلزمنا الوقوف عند الجوانب التي ركز عليها الطاهر بن عاشور في دراسته لعنصر الشاهد الشعري، وكذلك الآليات والعناصر التي استعان بها لتوظيفه بغية الوصول إلى معنى كلام الله عزوجل.
وللإجابة عن هذه التساؤلات الكبرى ارتأيت الاستعانة بالمنهج الوصفي التحليلي، حتى أبين مدى نجاح المفسر في جلب الشاهد، وتوظيفه في السياق المناسب، والوصف الذي نعتمده هنا ليس وصفا محايدا، بل إنه يعتمد على الفهم، والمقارنة، والاستنباط، والتحليل، لأن:» المنهج الوصفي كما يدل عليه الإسم هو المنهج الذي يقوم على تقرير ما هو واقع أو تفسيره تفسيرا لا يخرج به عن نطاق اللغة –إذن- إما تقريري أو تحليلي « 7.
كما عملت على الاستفادة من الإحصاء باعتباره تقنية، وآلية، تساعد على تصنيف المادة الشعرية، وضبط نسبتها للوصول إلى نتائج تتسم بالدقة والضبط.
– خطة الدراسة :
انطلاقا من طبيعة الموضوع ومنهجه، وتبعا للمادة الشعرية المتوفرة في “التحرير والتنوير” تبين لي أن خطة الدراسة التي تناسب محاور هذا العمل يمكن أن تقوم على بناء هيكلي متماسك، ينقسم بعد المقدمة والتمهيد إلى ثلاثة فصول وخاتمة.
أما التمهيد فقد نظرت فيه إلى ثقافة ابن عاشور الموسوعية التي تجاذبته بين الأدب والتفسير.
وبعد هذا التمهيد، دلفت إلى الفصل الأول الذي خصصته لرصد الشاهد في مجالات من المعرفة مختلفة، ابتداء من حضوره في المعاجم وكتب اللغة، حيث وقفت على الدلالات التي استعمل فيها لأتتبع مفهوم الشاهد في كتب النقد والبلاغة، والشروح الأدبية، وكيف عرف تطورا دلاليا واختلافا نوعيا في تصوره من حقل لآخر.
أما الفصل الثاني وهو يمثل الجانب الأول من العنوان المتعلق بالتصنيف، فقد خصصته للحديث عن سؤال الشواهد الشعرية وتواترها في تفسير “التحرير والتنوير”، وحاولت قبل الشروع في الدراسة الإحصائية أن أقدم لها بمفاهيم إجرائية توطئة للحديث عن الشاهد الشعري في التحرير والتنوير.
وعملت في المبحث الأول من هذا الفصل على قراءة المعطيات الإحصائية على ضوء علوم الأدب، وكيف ارتفعت نسبة الاستشهاد بإنتاج شاعر على آخر من خلال تجاربهم الشعرية.
ولقد اعتمدت في تحديد العصر الذي ينتمي إليه الشاعر على معاجم الشعراء وبعض الموسوعات( وقد أشرت إلى ذلك في مقدمة البحث).
وحاولت في المبحث الثاني من هذا الفصل إبراز منهج ابن عاشور في الاستشهاد بالشعر في “التحرير والتنوير”،
وآثرت في مبحث ثالث الحديث عن مستويات تلقي الشاهد الشعري في التحرير، لأقسمها إلى ثلاثة مستويات، ناقشت فيها تموضع الشاهد الشعري وخدمته للتفسير من جانب معين وهي كالتالي:
1- مستوى شرح الشاهد المعجمي.
2- مستوى شرح الشاهد النحوي.
3- مستوى شرح الشاهد البلاغي.
وأما الفصل الثالث والأخير، فقد تناولت فيه الشاهد الشعري ومستويات التفسير في “التحرير والتنوير”، وأبرزت في المبحث الأول أثر الشاهد الشعري في تفسير الآيات وتأويلها، حتى أناقش مدى التأثير الذي يمارسه الشاهد الشعري على عملية التأويل لدى المفسر. و تناولت في المبحث الثاني الشاهد الشعري وتعدد السياق، لأبين من خلاله بعض السياقات التي يرد فيها الشاهد الشعري خدمة لعلم معين كالإعجاز، والقصة القرآنية، والقراءات القرآنية.
وقد خصصت المبحث الثالث والأخير للحديث عن الشاهد الشعري وتعدده واختلافه، ورصدت فيه أهم العلاقات التي تجمع بينها، خدمة لمقصود القرآن ومعانيه التي يتوخاها المفسر.
أهم نتائج البحث:
وقد توصلت من خلال البحث في هذا الموضوع إلى جملة من النتائج والخلاصات، وأهمها:
1- إن تصنيف المادة الشعرية المبثوثة في تضاعيف التحرير والتنوير، والقراءة في الجداول الإحصائية أسعفتنا في تسجيل النتائج التالية:
• اعتماد الطاهر بن عاشور مادة شعرية غزيرة منذ العصر الجاهلي إلى عصرنا الحالي، ما يدل على العناية الكبيرة بأشعار المرحلة الأولى من الإبداع الشعري.
• ارتفاع نسبة الأبيات المتواترة المنسوبة في التفسير، بينما تقل بكثير النماذج المنسوبة غير المتواترة، في مقابل تقلص النماذج مجهولة النسب.
• حرص ابن عاشور على الاستشهاد بالأشعار المنسوبة.
• اعتماد الطاهر بن عاشور على أشعار النابغة الذبياني، وأصحاب المعلقات بنسبة كبيرة.
• احتفاؤه بالتجارب الفردية لشعراء مرموقين، ذاعت أشعارهم في الآفاق عبر الأطوار كلها، ولعل في ذلك وفي غيره ما يؤكد أدبية الرجل، ويدل على منهجه التفسيري الذي يروم فيه التركيز على مقومات اللغة، حتى أضفى على تفسيره مسحة أدبية ولغوية، قل نظيرها في باقي التفاسير.
2- إن بنية الشاهد الشعري لدى ابن عاشور متناسقة، فهو يورد الشواهد الشعرية في اتساق تام مع الآيات القرآنية من غير تنافر، وذلك لشرح مفردات القرآن الكريم، وما ترشد إليه الآية الكريمة، وكذلك بيانا وتأييدا لأوجه الإعراب النحوي، أو السياق البلاغي، وبذلك تحقق الربط الوثيق بين الشاهد الشعري والنص القرآني، إذ اعتبر ذلك بمثابة ربط الأصل بالفرع، بمعنى أنه لا يفسر القرآن بالشعر تفسيرا مباشرا، وإنما يحتكم إلى الشعر للاستدلال على صحة ما ذهب إليه من تفسير.
3- أما عن مستويات تلقي الشاهد الشعري في التحرير والتنوير، فإننا خلصنا إلى النتائج التالية:
• إن الطاهر بن عاشور لا ينتقل إلى مرحلة تفسير المعاني القرآنية دون الحسم في شرح المفردات اللغوية، وفي ذلك لا يتوانى عن الاستشهاد بالشعر العربي الفصيح،كما سجلنا أيضا اهتمامه بالناحية الشكلية للألفاظ الشعرية، دون الخوض في جمالية الشاهد وصوره البلاغية وتلويناته اللغوية.
• إنه يعتبر أن تفسير الألفاظ القرآنية بمفردها ما هو إلا مرحلة أولية في التفسير، تليها مراحل التنقيب عن المعنى المقصود من قوله تعالى.
• إن مستوى الشرح اللغوي بالمترادف، والمشترك اللفظي، والتضاد، قد فتح باب التأويل لدى ابن عاشور، كباقي المفسرين ، مما أكسبه مجالا للتوسع في معاني الآي القرآنية.
• إن ابن عاشور لم يغفل السياق القرآني أثناء العملية التفسيرية، وكذلك تدرجه في تفسير المادة القرآنية من المعنى الذي تؤديه على المستوى المعجمي إلى المعنى السياقي الواردة فيه.
• إن ابن عاشور يعرض الأساليب القرآنية على الاستعمال العربي، لخلوصه أن لغة القرآن من جنس أساليب العرب في خطبهم، وأشعارهم، وتراكيب بلغائهم، ومن ثم جعل هذا الاستعمال حجة ومرجعا لغويا إلى جانب الروافد اللغوية الأخرى.
إلى غير ذلك مما أظنه جديرا بالاطلاع والمعرفة، ويفتح فيما أرى آفاقا جديدة لمواصلة البحث في هذا الجانب.
وفي الختام، هذه صورة موجزة عن موضوع البحث، وطبيعته، وحدوده، ومنهجه، وخطته، وأهم نتائجه، وهي تعكس بعض ما بذلته من جهد على امتداد سنوات إنجازه، وجمع مادته ومصادره، ودراستها، وتحليلها، رغم ما اعترضني في ذلك من صعوبات وعراقيل متعددة، منها خصوصية وقداسة النص القرآني، وكذلك تعدد وتنوع العلوم المرتبطة والموظفة في دراسة الشاهد الشعري، بالإضافة إلى عقبات منهجية، ثم ضخامة المتن الشعري داخل هذا التفسير المعتمد في ثلاثين جزءا، ناهيك عن صعوبات ارتبطت بتغيير الموضوع أولا، ثم المشرف ثانيا، مما انعكس على تغيير التصور والإنجاز، لأستجمع قواي من جديد مهتديا بتوجيهات وتصويبات أستاذي المشرف الدكتور عبد الرزاق صالحي، وهذا ما يجعلني أجزم بأن هذا البحث لا يدعي لنفسه الكمال أو الحسم في الموضوع، فهو بمثابة اللبنة في البناء، وأعمال الإنسان تتسم بالنقص، فهو جهد المقل.
ومهما يكن فهو محاولة تستشعر أهمية الموضوع، وتلامس بعض إشكالاته دراسة وبحثا، وحسبي فيه مصاحبة هذا الطود العظيم من المفسرين، لمناقشة جانب من أدواته التفسيرية التي لها وزنها بين باقي الأدوات.
ومما يقتضيه العرفان لذوي الفضل بفضلهم والوفاء لإخلاصهم في العطاء، أتقدم بالشكر الجزيل إلى أستاذي المشرف الدكتور عبد الرزاق صالحي، الذي استكمل الإشراف على هذا البحث بكل تفان وإخلاص، فكانت ملاحظاته دقيقة وصارمة جعلتني أسير بالبحث في خطوات علمية نحو جادة الصواب، كما أكرر له الشكر ثانية على اهتمامه بالتصحيح والتصويب لهذا البحث، إذ ما أقدم له الجزء أو الفصل حتى تجده قد هداني إلى تقويم اعوجاجه والتنبيه إلى عثراته، فكان لتوجيهاته الأثر الجميل في تذليل صعاب البحث، فلم يبخل علي بتوجيهاته القيمة وإرشاداته النيرة، بل حتى بمدي ببعض الكتب التي يعز توفرها في مكتبات المغرب، ليتخذ هذا البحث الصورة التي هي عليه الآن، فجزاه الله عني خير الجزاء، وأبقاه نبراسا للبحث العلمي، ونموذجا يقتدى.
كما لا يفوتني أن أتقدم بالشكر الجزيل إلى أعضاء اللجنة العلمية الموقرة أساتذتي الأفاضل: الدكتور محمد الواسطي، والدكتور عبد الرحيم الرحموني، والدكتور عبد الحي القرشي الورياغلي، والدكتور عبد العالي مسئول، هؤلاء الأفاضل الذين تجشموا عناء فحص هذا العمل آخذين من وقتهم الثمين لسد ما اعترى هذا البحث من الخلل والنقص، فلهم مني جزيل الشكر والتقدير على ما سيقدمونه من ملحوظات وتصويبات هي سلفا محل قبول واعتبار، ثم الشكر الجزيل إلى والدي الذي شد أزري، وشاركني أمري، فاللهم أمده بالصحة والعافية وأقر عينه بي، والشكر موصول إلى كل من ذلل صعاب هذا البحث، وكذلك لن أنسى طلب الرحمة والغفران والسكن في فسيح الجنان لأستاذي محمد الأمين، وأسأله عز وجل أن يثيبه بما علمنا إياه في دروب المعرفة والأخلاق، وأن يجعل تعليمه إيانا من صدقاته الجارية في الدنيا، إنه على ما يشاء قدير.
الهوامش:
1- التفسير والمفسرون، محمد حسين الذهبي، 1/68.
2- الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين السيوطي: 1/119.
3- التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور، 1/ 18.
4- الثابت والمتحول، أدو نيس: 1/147.
5- التحرير والتنوير: 1/21.
6- الإنسان والقرآن وجها لوجه، احميدة النيفر، ص: 36.
7- الدراسات اللغوية عند العرب إلى نهاية القرن الثالث، محمد حسنين آل ياسين، ص: 374.