حاجة المفسرين إلى الإعراب
لقد وضع العلماء شروطًا خاصة للشخص الذي يريد تفسير القرآن الكريم، حيث لا بد له أن يكون عالمًا ملمًّا بمجموعة من العلوم والمعارف تَعْصِمُهُ من فهم معاني آيات كتاب الله العزيز على غير حقيقتها فتوقعه في الخطأ والزلل.
وأوضح العلماء أن هذه العلوم تشتمل على خمسة عشر علمًا لا بد للمفسر من الإحاطة بها والتمكن منها ليستطيع تفسير كلام الله، ومن هذه العلوم علم الإعراب، وذلك لأن المعنى يختلف ويتغير باختلاف الإعراب وتغييره، ووظيفة الإعراب ومهمته تمييز المعاني عن بعضها البعض والوقوف على أغراض المتكلمين 35
ومن قول الإمام الزركشي في بيان أهمية الإعراب بالنسبة للتفسير وحاجة المفسر إلى هذا العلم، إذ يقول: «وعلى الناظر في كتاب الله، الكاشف عن أسراره النظر في هيئة الكلمة وصيغتها ومحّلها، ككونها مبتدأ أًو خبرا، أو فاعلة أو مفعولة،مضافًا أو مضافًا إليه أو في مبادئ الكلام أو في جواب، إلى غير ذلك« 36
أثر اختلاف الإعراب في تعدد المعاني التفسيرية
ولبيان وثيق الصلة بين أهمية الإعراب بالنسبة للتفسير التحليلي وحاجة المفسر إليه، فإن التخلي عن الإعراب في لغة تعتمد حركات الإعراب للتعبير عن المعاني النحوية كاللغة العربية هدم لها وإماتة لمرانتها.37 وإن في ترك حركات الإعراب إلباسًا لكثير من الجمل والتعبيرات لباس الإبهام والغموض. وإن كثيرًا من الجمل تضيع معانيها بضياع الإعراب فيها، ومن ذا الذي يستطيع أن يقرأ من غير الإعراب ويفهم مثل قول الله تعالى: {إنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ} سورة فاطر، الآية 28.
وهذه العلاقة الوثيقة أطلق عليها الدكتور تمام حسان المعني الدلالي على اعتبار أن الدلالة النحوية لها تأثير في الدلالة اللغوية المفهومة من النص. 38
ومما سبق يتبين أن العلامة الإعرابية لها معناها الدلالي الخاص بها، حيث إنها لا تقتصر على وظيفتها النحوية فقط؛ بل تقوم بوظائف مزدوجة بين الوظيفة النحوية والمعنى الدلالي.39
وتطبيقًا على القرآن الكريم فقد اختلف النحويون كثيرًا في إعراب آياته مما أدى إلى تعدد المعاني الناجمة عن اختلافاتهم تلك. وقد أرجع الأستاذ عبد الخالق عضيمة الاختلاف في الإعراب إلى سببين:
الأول: أسلوب القرآن المعجز، بحيث لا يستطيع أحد الإحاطة بجميع مراميه وأهدافه، فاحتمل كثيراً من المعاني والوجوه.
الثاني: إن النحويين لا يعرفون الحجر على الآراء، ولا تقديس آراء الغير، فاحتفظوا لأنفسهم بحرية الرأي والتعبير.40
وأضيف أمرا ثالثًا: صلاحية القرآن الكريم لكل زمان ومكان ولجميع الأجيال، فجاء للناس كافة فاختلاف الحركات يؤدي إلى مرونة المعاني وتنوعها وطواعيتها، وكل معنى يخدم جيلاً وعصرًا وثقافة وحضارة، ويواكب ويعالج القضايا المستجدة في حياة الأمة. ويَرْكَبُ التكنولوجيا والعلمنة، وكأن الكلمة القرآنية أو العبارة بمثابة قطعة ألماز، كلما نظرت إليها من جهة أرتك ألوانًا جديدة من الإشعاعات والأضواء، فيا لها من عظمة الإعجاز البياني للنص القرآني، وخالق النص القرآني.
ولمزيد من الإيضاح والبيان سأضرب بعضاً من الأمثلة على الاختلاف في إعراب الكلمة في حركات بما يغير معناها، ولا يزيلها عن صورتها في الخط نحو: قوله تعالى: {رَبُّناَ باِعدْ بينَ أسْفَارِنَا} سورة سبأ، الآية 19. و{رَبَّناَ بَاعَدَ بيْنَ أسْفَارِنَا}.
الكلمتان: (رَبّنَا( و(بَاعِد) ، فيهما قراءتان بما لا يزيلهما عن صورتهما في الخط:
الأولى: قراءة يعقوب 41برفع باء (رَبُّنَا)، وبإثبات الألف بعد باء (بَاعد) مع فتح العين مخففة وفتح الدال، أي: (رَبُّنَا بَاعَدَ).
و(رَبُّنَا بَاعَدَ) على أنَّها جملة اسمية، والخبر فيها الجملة الفعلية (بَاعَدَ)، وهذا الخبر صادر من القائلين على أنه شكوى لبعد أسفارهم؛ وذلك إفراطًا منهم في الترف، وعدم شكر الله تعالى على ما أنعم به عليهم.42
الثانية: قراءة الباقين بنصب باء (رَبَّنَا) وإثبات الألف بعد باء (بَاعِدَ) مع كسر العين مخففة وإسكان الدال، أي: (رَبَّنَا بَاعِد) 43
و(رَبَّنَا بَاعِد)، حيث نصب (رَبَّنَا) على النداء، والفعل (بَاعِد) على أنه فعل دعاء وطلب من الله تعالى أن يباعد بين أسفارهم. و(بَيْن) مفعول به وليست ظرفًا.44
مثال ثانٍ: وردت قراءتان في الفعل (وليحكم) في قوله تعالى: {وَلِيَحْكمُ أْهَلْ الإنِجْيِلِ بِمِا أنَزْلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُوَلئكِ هُمُ الفَاسِقوَن}. سورة المائدة، الآية47.
الأولى: قراءة حمزة45 بكسر اللام ونصب الميم، أي: (ولِيَحْكُم). ومعناها: آتيناه الإنجيل لكي يحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه وكأنه بَيَّنَ هنا الحكمة من إنزال الإنجيل. 46
الثانية: قراءة الباقين بإسكان اللام والميم، أي: (ولْيحكُمْ) .47 أفادت معنى: الأمر، أي أمر الله تعالى أهل الإنجيل بالحكم بما أنزل الله في الإنجيل، وفيه تهديد ووعيد لهم. 48
مثال ثالث: جاءت قراءتان في كلمة (خالصة) في قوله تعالى: {قُلْ منْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتيِ أَخْرَجَ لعِبَاِدهِ والطِّيبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ للِّذِينَ آَمَنُوا فِي الَحيَاةِ الدُّنْيَا خَالصِةً يوْمَ القِيَامَة كَذَلكِ نُفَصِّل الآَيَاتِ لقِوْمٍ يعْلَمُوَن}. سورة الأعراف الآية 32.
الأولى: بالرفع وهي قراءة نافع المدني ،49 أي: (خَالِصَةٌ)، وحجة من قرأ بالرفع جعلها خبرا للمبتدأ (هي)، وتكون (للذين آمنوا) تأكيدا وتثبيتًا للخلوص، ومنهم من جعل (خالصةٌ) خبرا آخر، أي بعد الخبر الأول (للذين آمنوا)، وعليه فإن معنى قراءة الرفع: أن هذه الزينة والطيبات تخلص للمؤمنين في الآخرة، وإن شاركهم فيها الكافرون في الدنيا.50
الثانية: بالنصب وهي قراءة الباقين، أي: (خالِصَةً) .51 وحجة من قرأ بالنصب جعلها حالاً والمعنى: هي ثابتة للذين آمنوا في حال خلوصها لهم يوم القيامة52
وأما بالنسبة لاحتمال الكلمة القرآنية لأكثر من وجه إعرابي وإن لم تتغير علامتها الإعرابية أضرب ثلاث أمثلة ورد اثنان منهما في كتاب مشكل إعراب القرآن.
المثال الأول: قوله تعالى: {لَا يسَمَعوُن فَيِهاَ لغَوْاً إلِّا سَلاماً ولَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيْهاَ بُكرْةً وَعَشِيا}. سورة مريم الآية 62.
اختلف النحاة في إعراب كلمة (سَلامَا) ودار خلافهم فيها على ثلاثة أقوال:
الأول: النصب على الاستثناء المنقطع، أي: إن ما بعد حرف الاستثناء يكون من غير جنس المستثنى منه. ويكون المعنى على هذا الإعراب أن السلام ليس من جنس اللغو؛ بل يقصد به سلام المؤمنين بعضهم على بعض، أو سلام الملائكة عليهم، أو تسليم الله عليهم.
الثاني: البدل من اللغو، ولا يجوز اعتبار هذا الرأي؛ لأنه لا يمكن أن يكون السلام من اللغو
الثالث: النصب على الاستثناء المتصل، أي إن ما بعد حرف الاستثناء يكون من جنس المستثنى منه، ولكنه هنا استثناء متصل بطريق التعليق بالمُحال، والمعنى أن المؤمنين لا يسمعون أي لغوٍ ما إلا سلاما، فكما استحال كون السلام لغوا استحال سماعهم لهذا اللغو بالكلية.53
المثال الثاني: قوله تعالى:{ذلَكِ ومَنْ يُعَظِّمْ حْرُمَاتِ الله فَهَوُ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبَهِّ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إلِّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ}. سورة الحج الآية 30.
اختلف النحاة في إعراب اسم الإشارة (ذلك) على أربعة أقوال:
الأول: اسم الإشارة في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره: الأمرُ ذلك، أو: الواجب ذلك، أو: الفرض ذلك.
الثاني: اسم الإشارة في محل رفع مبتدأ، والمعنى: ذلك الأمرُ، فالخبر محذوف، والله تعالى يشير إلى ما فرضه على المؤمنين من قضاء التفث والوفاء بالنذور.
نلاحظ أن الفرق بين الخلاف الأول والثاني والفرق بين المعنيين فرق في درجة التأكيد، فلا يقدم الخبر على المبتدأ إلا لغاية في المعنى. ولا يقصد بالرأي الثاني سوى الإخبار في فرض الحج وواجباته، أما في الرأي الأول ففيه توكيد وتركيز على الفرض، فكأن فيه توكيد خطاب الأمر، ولذلك اشتم بعضهم رائحة الأمر في هذه الآية.54
الثالث: اسم الإشارة في محل نصب مفعول به، والمعنى: اتبعوا أو امتثلوا ذلك من أمر الله تعالى باتباع ما سبق ذكره من واجبات الحج.
الرابع: اسم الإشارة في محل جر صفة للبيت العتيق، وهذا في قوله تعالى: وليطوفوا بالبيت العتيق ذلك ومن يعظم، أي: "وليطوفوا بالبيت "المشار إليه.
وأرجح ما ذهب إليه الزمخشري 55في الكشاف: أن اسم الإشارة هنا جيء به لربط الكلام أي بذلك أداة لاستمرار المتُكلِّم بكلامه، فهو أداة للفصل بين جملتين يلجأ المتكلِّم إليها عندما يريد الانتقال بها من معنى إلى آخر 56. والله أعلم.
ويظهر لنا من خلال هذين المثالين كيف اختلف المعنى وبدا واضحًا جليًّا بناء على اختلاف الإعراب.
المثال الثالث: حول اختلاف النحاة في إعراب كلمة (غير) التي وردت في قوله تعالى: {اْهدِنَا الصِّراطَ اُلمسْتَقِيمَ، صِرَاطَ اَّلذِيَنَ أنْعَمَتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ علَيْهِمْ ولَا الضَّالِّينَ}. سورة الفاتحة الآية 6 ـ 7.
الأول: الجر على البدل من (الذين) أو من الضمير في (عليهم).
الثاني: الجر على الصفة لـ: (الذين).57
* معاني الإعراب:
المعنى الأول: أفاد أن المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين هم أنفسهم الذين قد سلموا مما يسبب غضب الله تعالى من الكفر والفساد في الأرض كما فعل اليهود، وسلموا أيضا من الضلال الذي وقع فيه النصارى، فعبد هؤلاء ربهم حق العبادة.58
وقال الطبري في توجيه المعنى على هذا الإعراب: وإذا وُجِّهَ إلَى ذلك –يعني البدل– كانت (غير) مخفوضة بنية تكرير "الصراط" الذي خُفض «الذين عليها، فكأنك قلت: صراطَ الذين أنعمت عليهم، صراطَ غير المغضوب عليهم».59
المعنى الثاني: أفاد أن هؤلاء المنعم عليهم من الله تعالى بنعمٍ عديدة، منها ما هو وارد في الآية من نعمة الإيمان والهداية، وكذلك نعمة السلامة من غضب الله تعالى. فكأن هؤلاء قد جمعوا بين نعمتي الإيمان المطلق والسلامة من الغضب والضلال60. وهذه في حقيقتها نعمة عظيمة جليلة.
وعليه فإن المؤمن لما سأل الله تعالى أن يهديه الصراط المستقيم، بَيَّن أنَّه الصراط الذي أنعم الله تعالى به على النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وفي هذا مبالغة منه في طلب الهداية إلى ذلك الطريق المستقيم، طريق الحق الذي يوصل إلى رضا الله61
وقد رجح كل من أبي السعود62وأبي حيان كون (غير) مجرورة على الصفة، وعدا القول الأول مرجوحًا؛ وذلك لأن البدل من شأنه أن يفيد متبوعه المبدل منه مزيدًا من التأكيد والتقرير، ومزيداً من الإيضاح والبيان، وليس هو كذلك هنا.63 فهما يرجحان جر (غير) على الصفة، وهو ما أراه مناسبًا.
خاتمة:
يرتبط علم الإعراب بتفسير كلام الله العظيم ارتباطًا وثيقًا، لما له من أثر بالغ في بيان مراد الله تعالى، وفهم آياته فهمًا سليمًا، وإزالة اللبس والإشكال عنها، وبدون هذا العلم يبقى المفسر فاقدًا لأداة مهمة من أدوات التفسير.
وقد نتج عن هذا الاختلاف في القراءات أنه اختلاف تنوع في المعاني والدلالات. فهو اختلاف تنوع وليس اختلاف تناقض أو تضاد، وهذا مما يثري المعاني التفسيرية، ويفتح آفاقًا في ميدان التفسير.
والقرآن الكريم هو آية في البلاغة والفصاحة، فيه من الأسرار والروائع الباهرة والجليلة في ألفاظه وتراكيبه، وما علينا إلا أن نقف عليها ونتذوقها بحس نحوي، وننهل من معين هذا الصافي، ونرتشف من رحيقه. فإن تفسير آياته وتحليلها وفهم معانيها يحتاج إلى فهمٍ واعٍ وجاد لعلم الإعراب.
لذا أوصي طلبة العلم بالإقبال على تعلم الإعراب وفهم قواعده وأصوله، والاهتمام به، وتطبيقه، وإقامة أيام دراسية لإبراز دوره في تفسير القرآن الكريم.
كما أوجه عناية المشتغلين بعلم التفسير إلى ضرورة الاستفادة من علم الإعراب، وألاّ يمروا مر الكرام على المواضع التي تتعدد فيها الأعاريب؛ بل عليهم أن يبحثوا عن سبب اختلاف النحاة في إعراب الكلمة القرآنية، فهي كلمات نورانية مشعة، وإظهار ما يضيفه كل إعراب من معنى جديد.