2-3- فضاء النص الروائي:
صرّح محمد عزام بالتزامه المنهج البنيوي التكويني في كتابه الثالث في النقد الروائي «فضاء النص الروائي: مقاربة بنيوية تكوينية في أدب نبيل سليمان»(8)، وسوّغ التزامه بهيمنة الدراسات المضمونية والسوسيولوجية على الأبحاث النقدية الروائية، بالإضافة إلى طغيان الانطباعات الشخصية والأحكام الذاتية، اكتفاء «بتلخيص مضمون الرواية، في محاولة لتأكيد أحكام القيمة المستمدة من العرض السريع للمضمون»، وانتقد هذه النزعة المضمونية في النقد الروائي لإهمالها الشكل، بل إن الشكل غدا المضمون نفسه في هذه الأبحاث.
بينما استفاد عزام من الإنجازات الألسنية في تحليل الخطاب الروائي، وتوخى الوضوح النظري لمعالجة تقنية الأسلوب الذي تقدم فيه الروايات مادتها الحكائية، واعتمد على الدراسات البنيوية والألسنية في تحليل النص الروائي، باعتباره بنية دلالية منتجة في إطار بنية سوسيونصية، وبوضع النص في سياق بنيته الثقافية والاجتماعية والتاريخية التي أبدع فيها، للكشف عن خصوصيته، من خلال استخلاص رؤاه وأصواته وشخصياته المهيمنة.
وسعى عزام في كتابه إلى تحليل النص باعتباره بنية دلالية تعتمد المقولات البنيوية المفتوحة على الحقول الدلالية والثقافية والإيديولوجية والاجتماعية، مجاوزة لحدود المؤثرات إلى التفاعل النصيّ والتناص. وتبنّى منهجاً للقراءة يحلل بنيات العمل الأدبي الداخلية والخارجية، وأهتم بالربط الجدلي بينهما، من أجل الوصول إلى الحقيقة، ونقد اختيار المناهج الشكلانية والشكلية وحدها، لأنّ المنهج البنيوي التكويني يربط بين داخل النص وخارجه ضمن تعالقات المناهج النقدية الجدية. وعلل التزامه بهذا المنهج لمجاوزته تفسير البنيات الخارجية في المجتمع. ذلك أن اختراق البنية الثقافية والإيديولوجية والاجتماعية لفضاء النص الأدبي يعني وضعه في سياقه التاريخي وربطه بالبنيات الاجتماعية التي أسهمت في إبداعه. ما دام النص، عنده، نتاج ظروف اجتماعية خارجة عن إرادة المبدع، وما دامت هنالك علاقة بين الفكر والواقع. وبهذا ينفتح النص الأدبي على مستويات أعلى من الوعي والإدراك، ويتحول إلى «رؤية» للعالم، ذات دلالة اجتماعية، تنظّم فضاءه.
وأكد خياره لربط غولدمان الوعي الجماعي الكائن بالوعي الجماعي الممكن، وعدّ النتاج الإبداعي ليس فقط من صنع مبدعه، ولكنه موجود في فكر الجماعة التي يعيش المبدع بينها. ومن هنا استجابة الجمهور لما يكتبه الكاتب، لأنه يقدم «الصورة الفنية» للفكر الجماعي، أو «الصياغة الجمالية» لهذا الوعي.
واختار عزام روايات نبيل سليمان موضوعاً رئيساً لكتابه، وهي إحدى عشرة رواية حتى تأليف كتابه، وعالجت جميعها تاريخ سورية الحديث والمعاصر منذ العهد العثماني حتى اليوم، وكانت رغبته في تطبيق المنهج البنيوي التكويني على هذا الإنتاج الذي يعيد تصوير مراحل تاريخية حديثة، كما يصور فترات اجتماعية معاصرة.
ونظر عزام إلى المناهج النقدية التقليدية نظرة محدودة تضيّق اعتمالها بالمبدع، على أنها تقتصر على حقول معرفية خارجية كالتاريخ وعلم النفس وعلم الاجتماع، وتسقط منجزاتها بتعسف على النص الأدبي، فتحضر هذه العلوم أكثر من حضور النص الأدبي ذاته، بينما تبحث المناهج البنيوية عن النص الأدبي وأنساقه وعلاقاته ونظامه وقوانين تبنيه، وعرض لذلك تحليله للخطاب الروائي والشكلاني والبنيوي الشكلي، والبنيوي التكويني للرواية.
واستعان بالمنهج العلامي (السيميائي) في تحليل الخطاب الروائي الذي تعامل مع النص على أنه «دليل منفتح»، ومتعدد الدلالات. وهذا التحليل الدلالي (السيميولوجي) ينطلق من اللسانيات، باعتبار النص ينتج من خلال اللغة. ثم يتجاوز إلى «الدلالة»، على أن النص ليس مظهراً لسانياً فحسب، بل هذه «دلالة» ذات معنى.
وأشاد عزام بالتحليل الشكلاني للرواية عند أعلامها: شكلوفسكي وتوماشفسكي وايخنباروم وبروب وجاكوبسون (ولا ينتمي لهذا المذهب) وتينيانوف الذي رفض التحليل الأدبي المعتمد على سيكولوجية المؤلف وعلاقاته مع بيئته وحياته وطبقته الاجتماعية.. الخ، لأنّ إقامة مثل هذه العلاقات هي من شأنه التاريخي الذي يضطلع بوصف العلاقات القائمة بين عناصر منظومة معينة. أما التطور فهو تغيير للنظم. وهذا التغيير يعطي العناصر الشكلية وظيفة جدية. وكل تيار أدبي يقوم بالبحث عن نقاط معينة، خلال فترة ما، يستند إلى ما سبقه من نظم. ودراسة التاريخ الأدبي هي اعتبار هذا التاريخ بمثابة نظم أو سلسلة متعالقة مع سلاسل أو نظم أخرى..
لقد استفاد عزام كثيراً من الشكلانية الروسية في تحليل الخطاب الروائي، وهو الاتجاه الذي استندت إليه البنيوية التي أورثت اتجاهات نقدية متعددة مثل البنيوية التكوينية والحفر المعرفي والتفكيكية والظاهراتية والأسطرة والأسلوبية والنصية... الخ.
وأوجز تعريفه للتحليل البنيوي للخطاب الروائي على أساس العوامل
(أو نظام الفاعلين)، عند غريماس، وتودوروف، وهامون (في شعرية السرد)، وتوماشفسكي (ضمن نظرية الأدب). واقترح تصنيف الشخصيات حسب أفعالها، وسمّاها «العوامل».
وأعاد عزام في تحليله البنيوي التكويني للرواية، ما اهتم به في كتابه «وعي العالم الروائي» من مفاهيم أساسية عند غولدمان مثل مفهوم البنية الدالَّة ومفهوم رؤية العالم الذي يشكل مع البنية الدالّة وحدة متكاملة، والرؤية المأساوية الناظمة لمعرفة نظرية العالم، والوعي والواقع الاجتماعي، والوعي الممكن، وهي المفاهيم الأساسية لسوسيولوجيا الآداب عند غولدمان الذي أعطاها شكلها النظري النهائي، وطبّقها منهجاً نقدياً بنيوياً تكوينياً في دراسة الآثار الأدبية والفكرية لراسين، وباسكال، وكانط، ومالرو، وسارتر.. الخ. رافضاً كل نزعة تريد أن تفهم الأعمال الأدبية بالوقوف عند جزئياتها، ومحاولاً إدراك المجتمع في «كلّيته»، ورابطاً ما هو اقتصادي بما هو سياسي، بل وحتى بما هو أدبي وفني، وكاشفاً عن العلاقات الوظيفية بين المؤسسات الاجتماعية والأعمال الأدبية، ومتبنياً مفهوم «الكليّة» الذي يرى أن التجربة المجتمعية والتاريخية في كليتها تتكونه وتتكشف عن ذاتها من خلال الممارسة الاجتماعية.
ورصد عزام بنية النص الروائي من خلال قراءة داخلية، وعالج الرواية والحداثة ووجهة النظر أو المنظور الروائي والفضاء الروائي (بنية المكان في النص الروائي، وهذه مقاربة غير دقيقة)، وبنية الزمان في النص الروائي (لأن الفضاء يتعالق فيه المكان والزمان)، وشرح وجهة النظر عند علماء السرد، دون أن يفرد الآراء حول الموقف من الوظيفة أو المنظور السردي
أو الأغراض أو المقاصد فيما يتصل بالمغزى، لأنه ناجم عن الخطاب القصصي ضمن ضبط التحفيز.
وصنّف الشخصيات فيما يتيحه علم السرد، وحللها في عدة روايات لنبيل سليمان، وفعل الأمر نفسه في معاينة بنية المكان وبنية الزمان، ويشير شغله إلى تمكنه من المنهج كما هو الحال مع تحليل تداخل أزمنة عديدة في رواية «المسلّة»:
1- زمن الحكاية المرتبط بوقائع النص الروائي، وهو حرب تشرين الأول 1973، حيث اشتركت فيها معظم الجيوش العربية.
2- زمن الكتابة المرتبط بالعوامل الخارجية المؤثرة في الروائي. حيث تتداخل فيه وقائع حياة المروي بوقائع حياة الراوي، لتعميق نفسيات أبطاله.
وأعتنى بالسارد بوصفه الكائن التخييلي الذي يتقاطع مع «المؤلف» أحياناً، ويمتزج به أحياناً أخرى، في سرد يكسر خطية الرواية، حيث يعتمد على المونولوج، والتداعي، والرؤى، والتناصّ، والإشارات.
3- زمن القراءة المرتبط بالعوامل الخارجية المؤثرة في قراءة النص الروائي، ذلك أن قراءة «الموحيات» هي قراءة ثانية، رمزية، للنص الروائي، وأفق جديد ينتقل المتلقي إليه على أجنحة التخييل. وأشار إلى أن القارئ يفتّت المركّب، ليمنحه نظاماً جديداً.
وأكمل عزام منهجه البنيوي التكويني في قراءة خارجية للنص الروائي لتوصيف الفضاء السوسيولوجي للرواية عند نبيل سليمان، فأوضح سوسيولوجيا الرواية، ومشروعات اختراق الفضاء الثقافي والإيديولوجي والفضاء الاجتماعي والفضاء التاريخي للخطاب الروائي، ولجأ إلى جورج لوكاتش وميخائيل باختين وبيير زيما وسعيد يقطين على وجه الخصوص، وبلغ المنهج ذروته عند زيما الذي يرى أن هذا المنهج البنيوي التكويني كما بلوّره غولدمان، يعتمد على حدس الناقد وذوقه، دون أن يحاول تطبيق مقترحاته بوسائل محددة. كما يخشى زيما الحضور المكثف للعناصر الخارجية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في التحليل البنيوي التكويني، كما يخشى غياب النص الأدبي.
إن تفسير النصوص الروائية حسب منهج لوكاتش، أي عن طريق مقابلتها مع الإيديولوجيات المناظرة لها، لا يمثل سوى إمكانية واحدة من التفسيرات الممكنة للنص، ولهذا مضى زيما ينتقد علم الاجتماعي الأدبي الذي يمثله روبير اسكاربيت، ويحصر اهتمامه في العناصر الخارجية عن الأدب (الجمهور، والكاتب، والطبقة)، دون أن يعير المضمون التاريخي للنص أي اهتمام. كما انتقد زيما سوسيولوجيا «المضمون» التي تحيل على الأحداث والوقائع، وتتعامل مع الأدب كما يتعامل المؤرخ مع الوثائق التاريخية. وذلك من أجل إقامة تصور لسوسيولوجيا نصية قادرة على تجاوز الصراعات المحتدمة بين الاتجاهات الاجتماعية والشكلانية. وهذا التصور يقوم على النسق اللغوي الذي تلتقي فيه المصالح الاجتماعية. فالمشكلات الاجتماعية والاقتصادية تظهر في النص الأدبي على شكل قضايا لسانية تتجسد من خلال التناصّ. وهنا يقترب زيما من موقف باختين في التحليل الروائي.
وقد عبّرت رواية «ينداح الطوفان» تعبيراً واضحاً عن انعكاس الإيديولوجيا في الأدب، والواقع الاجتماعي في أشمل معانيه: السياسية والثقافية والأدبية.
وبحث عزام في مشروع اختراق الفضاء الاجتماعي للنص الروائي في روايتي «المسلة» و«جرماتي»، ومشروع الاختراق التاريخي في رباعية «مدارات الشرق» و«هزائم مبكرة» و«ينداح الطوفان» و«ثلج الصيف» و«المسلّة».
يكاد يندرج نقد عزام في كتابه في الاتجاه البنيوي التكويني، فقد اعتمد على ثمار النقد الاجتماعي في علم السرد الناهض من التحليل الشكلاني الذي يستقل فيه النص السردي، وتنتظم بناه وفق معطيات صوغ المتن الحكائي بمستوياتها الإبلاغية العديدة.
2-4- شعرية الخطاب السردي:
جاء كتاب محمد عزام «شعرية الخطاب السردي»(9) ذروة التزامه بالاتجاه البنيوي التكويني في النقد الروائي. وانطلق من إسهام المنهجيات الحديثة في تدشين عصر جديد للدرس النقدي، حين قدمت الكثير من التقنيات والآليات والمناهج التي دفعت بالقراءة والتلقي إلى تعمق متاهات النصوص الأدبية لاستجلاء كوامنها. وطمحت دراسته إلى البحث في «مكونات الخطاب الروائي الجديد» على ضوء المنهج البنيوي، كما طمحت إلى استعمال أدوات ومفاهيم جديدة تمتح من السرديات التي يعمل الباحثون على بلورتها لتصبح اتجاهاً متميزاً في تحليل الخطاب السردي.
واستفاد من الإنجازات الألسنية في تحليل الخطاب السردي، وهو يتوخى استنباط «الأدبية» من النص السردي، ومعالجة تقنيات الأسلوب الذي يقدم فيه السرد مادته الحكائية، اعتماداً على الأبحاث البنيوية، والدراسات الألسنية في تحليل النصوص السردية، باعتبار النص بنية دلالية منتجة في إطار بنية سوسيو نصية.
وقارن بين النقد الروائي التقليدي والمنهجيات الحديثة في النقد، فالتقليدي يُعنى بالمضمون وحده، ويربطه بقضايا المجتمع وأزمات الواقع، ولا سيما عند نقاد المنهج الاجتماعي، فالنقد الروائي الجديد تجاوز ذلك، مستفيداً من إنجازات الشكلانيين الروس، واجتهادات البنويين الفرنسيين، وتنظيرات النقاد الغربيين، إلى فتح باب جديد في النقد الروائي هو علم السرد: تقنياته ومكوناته، معالجة الوظائف، والعوامل، والفواعل، وفضاء المكان، والزمان، والراوي، وجهة النظر، والمونولوج الداخلي... من خلال نقد سردي حداثي يقوم على تحليل النص ووصف بنياته، لا على جدلية مرجعيته الفكرية أو الاجتماعية.
وسعى عزام إلى تقديم رؤية نقدية، وطريقة تحليل موضوعية للخطاب الروائي، من أجل إنتاج معرفة منهجية ترقى إلى مستوى نموذج نقدي مشروع هو الهدف، ثم عني بتوضيح القضايا الإجرائية بُغية تحليل الخطاب ومكوناته السردية، وعلى الرغم من أن كل قضية من قضايا السرد تصلح أن تكون بحثاً مستقلاً في كتاب، فقد آثر عزام الكلية (أو البنية) في التجديد السردي الذي تخلى عن البطولة، وجعل «المضمون» مراوغاً، وأظهر تشكيلات لغوية مبتكرة، من أجلى مظاهرها الانزياح، واعتمد الخطاب الداخلي، وطرح المتناقضات، واعتمد على السرد المفصل، وتخلى عن الخطية الزمنية.
2005.