عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
الصورة الرمزية إدارة المجمع
 
إدارة المجمع
مشرف عام

إدارة المجمع غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 21
تاريخ التسجيل : Feb 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 2,874
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
Post عالم ورأي (27) - أ.د. مصطفى الشكعة، ورأيه في التمسك باللغة العربية الشريفة

كُتب : [ 03-14-2016 - 11:52 AM ]




سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.



الحلقة السابعة والعشرون: الأستاذ الدكتور مصطفى الشكعة- يرحمه الله – أستاذ اللغويات بكلية الآداب جامعة عين شمس، وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، ورأيه في التمسك باللغة العربية الشريفة:

اللغة العربية لغة شريفة لأنها لغة القرآن كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والقرآن كلام الله ومصدر أحكامه، واللغة العربية لغة سيد البشر وخير خلق الله وصاحب الرسالة الخاتمة، وهو أفصح الفصحاء. وهي اللغة التي حملت العلوم كلها، العلوم الدينية والعلوم الدنيوية والتطبيقية، وباللغة العربية قيل عذب الشعر وأجمله وأحكمه، وبها كُتبت أبلغ الرسائل وأرق المكاتبات.
لقد وسعت اللغة العربية جميع العلوم من فلسفة ومنطق ورياضة وفلك، وحساب وجبر، وطب وصيدلة، وفيزياء وكيمياء، وكانت لغة الحضارة العالمية لقرون عديدة متتالية، فسما شأنها وذاع فضلها؛ لأنها كانت لغة الدين والدنيا، وأما أدبها من شعر بفنونه ونثر بفروعه فقد اشترك العالم الوسيط من حدود الصين شرقًا إلى ساحل الأطلسي غربًا في التغني بها والإبداع في محيطها.
واللغة العربية هي حاضنة تراث العالم القديم، فهي خازنة حكمة الهند وحضارة الفرس وفلسفة اليونان، قام على ترجمة هذه الحضارات مترجمون بعضهم فرس وآخرون سريان وغيرهم من العرب.
وأكثر الترجمات كانت لكتب الفرس وكتب اليونان؛ فمن الكتب الفارسية التي تُرجمت إلى العربية، هزار افسانه، خرافة ونزهة، عهد آرد شير في التدبير، توقيعات كسرى، أيين نامة، التاج في سيرة أنوشروان، كتاب كليلة ودمنة وهو بدوره كان مترجمًا عن الهندية، وكان أشهر المترجمين – وكان يطلق عليهم أصحان اللسانين – عبد الله بن المقفع، وسهل بن هارون، والفضل بن سهل، وموسى بن سيار، وعمر بن الفرخان، والكندي الفيلسوف. وأما العلوم اليونانية من طب وفلسفة ومنطق وسياسة فقد قام على ترجمتها إلى العربية علماء سريان من نصيبين والرها ومن علماء نيسابور.
هكذا تجمعت علوم الدنيا في الحظيرة الإسلامية مكتوبة بالعربية، مهضومة في عقول العلماء المسلمين ووجداناتهم، ولقد توفر علماء المسلمين على العناية بهذه العلوم الكثيرة فحافظوا عليها وأضافوا إليها بعد أن ضاعت معالمها بلغاتها الأصلية من فارسية وهندية ويونانية.
والعجب العجاب أن أصحاب الحضارات التي أشرنا إليها حين أرادوا التعرف على تراثهم لم يجدوه إلا في اللغة العربية، فأعادوا ترجمته منها إلى لغاتهم، هكذا صنع الفرس في علومهم، ومن الطريف أن كليلة ودمنة مفقودة في النص الفارسي، فأعيدت ترجمتها إلى الهندية من العربية.
والشيء نفسه حدث مع الفلسفة التي نماها وأضاف إليها فلاسفة المسلمين، وكان أشهرهم في المشرق أبا نصر الفارابي الذي لُقِّب بالمعلم الثاني بعد أرسطو، وكان أشهرهم في المغرب والأندلس أبا الوليد بن رشد الحفيد الذي شرح فلسفة أرسطو ثم أعيدت ترجمتها إلى اللغات الأوربية؛ ومن ثم أطلقوا على ابن رشد لقب الشارح الكبير.
إن اللغة العربية الفصحى هي ثقافتنا وهي هويتنا؛ ولذلك فإن مما يسبب الخجل لأجيالنا جهلها بهذه اللغة العربية الشريفة وغربتها في وطنها، ذلك أن لغة التدريس في الجامعات في الوطن العربي هي اللهجة العامية أو اللغة الإنجليزية. هذا ولا ينبغي أن نغفل ذكر طائفة من أصحاب الأقلام، نادوا يومًا ما باستعمال اللهجة العامية في الكتابة، وكان أكثر هؤلاء إما من الجاهلين باللغة العربية، أو الكارهين لها لرقة دينهم، أو من الحاقدين الأجانب الأعجام. ومن المفارقات اللطيفة أن أحد الذين تحمسوا للعامية ونادوا باستعمالها في الكتابة والحديث رجل ذو شهرة كبيرة هو الأستاذ أحمد لطفي السيد، الذي انتهى به المطاف ليكون رئيسًا لمجمع اللغة العربية الذي يحتضن الفصحى ولا يعترف بالعامية.
إن اللغة الفصحى هي ركن متين من أركان هويتنا، وشعار كبير من شعارات ثقافتنا، وإنه لمما يعيب زماننا تدهور مستوى هذه اللغة في مدارس وطننا وجامعاته، واضطراب مناهجها وسوء اختيار نماذجها وتعري أكثر معلميها من معرفة أدنى قواعدها.

المصدر: مجلة الفكر الإسلامي المعاصر، الموسم الثقافي 1995، 1996م، ص 338-340.
إعداد: مصطفى يوسف


رد مع اقتباس