عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
علاء التميمي
عضو نشيط
رقم العضوية : 2146
تاريخ التسجيل : Oct 2014
مكان الإقامة : الرياض
عدد المشاركات : 725
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

علاء التميمي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-06-2016 - 05:34 PM ]


ويتضح من كلام عبد القاهر الجرجاني (ت 471 ه) أنه لا يتحقق الانسجام في النص من انسجام المعاني ووضوحها فحسب، بل من اختلافها و غموضها أيضا، وأن هذا الاختلاف دليل على حذق المنشئ الذي يتصرف في المادة اللغوية والتي تتغير بفعال المجاز والتركيب الذي يخضع لكيفيات عديدة نطق بها العرب، وأن المتلقي يجتهد في إيجاد وحدة وألفة بين المختلفات والمتنافرات، ويمكن تمثل هذا الفهم بالشكل التالي


ويعتبر كل نص تواصلا بين المنشئ والمتلقي، والوسيط النوعي بينهما هو اللغة، ويقتضي هذا التواصل منهما (المنشئ والمتلقي) اتفاقا ضمنيا، يهيئ مجالا لنمو النص في ذهن المتلقي، وبالتالي فيم آلياته واكتشاف أسراره والوصول إلى دلالاته وتحديد إيحاءاته الفكرية، وتعد هذه الحقيقة التواصلية أساسا ومنطلقا لمجال واسع من الفهم والتلقي.
إذا كان النص تواصلا بين المبدع والمتلقي، وكانت اللغة هي الوسيط النوعي بينهما، فإنّ العملية اللغوية كليا تعد حوارا متصلا بين المبدع والنّص والمتلقي، وفي ضوء هذا الفهم، فإن اللغة لا تعدو أن تكون نصا مهمته التوصيل والفهم.([30])
وهذا ما لفت انتباه أعلام مدرسة كونستانس (Constance) إلى ضرورة بلورة مفهوم جديد يحتفي بالعلاقة المتبادلة بين النص والمتلقي، إيمانا بما للقارئ من دور فاعل ومهم في صياغة معنى النص، من خلال الأسئلة العديدة التي يطرحها على النص، الذّي بدوره يجيب عنها، وفي هذه الحالة يصبح المتلقي هو الوحيد الذي يتفرد بالحكم على النص.
ويعاد عنصر المعنى أحد الركائز الرئيسة التي عول عليها النحويون العرب في تحليل البنية اللسانية، إذ لم يتوقفوا عند حدود الشكل التركيبي لها، بل تعدّوه إلى الإفادة وجعلوها أصلا، ولا يكون الكلام كلاما إلاّ بها، ويعضد هذه الحقيقة عبد القاهر الجرجاني (ت 471 ه) بقوله: "ما اللفظ لولا المعنى ؟ وهل الكلام إلا معناه ؟."([31])
وهو ما جعل النحو العربي يقوم على فكرة الإسناد، أي أنه يبحث في العلاقة التي تربط المسند بالمسند إليه، بخاصة إذا جاء المسند إليه واحدا وتعدد المسند؛ لأنه قد يأتي في عدد من الجمل، وينبغي في هذه الحالة لتحقيق الإفادة البحث عن الوسائل التي تحقق تماسك جمل النص الواحد، "ذلك أن كل جملة تمتلك بعض أشكال التماسك عادة مع الجملة السابقة، مباشرة، من جهة أخر كل جملة تحتوي-على الأقل- على رابطة واحدة تربطها بما حدث مقدما، وبعض آخر من الجمل يمكن أن يحتوي على رابطة تربطها بما سوف يأتي، لكن هذه نادرة، وليست ضرورية لتعيين النص"،([32]) وقد وردت الفكرة نفسها في الدلائل: "أن تتحد أجزاء الكلام ويدخل بعضها في بعض، ويشتد ارتباط ثان منها بأول..."([33])
وهذا يعني أن المتلقي أثناء تواصله مع المبدع فهو يتواصل مع معانيه؛ لأنها هي الأساس الذي ينهض عليه النص، و لم يغب هذا الفهم -أيضا- عن عباد القاهر (ت 471 ه) حيث قال: "أن ليس النظم شيئا إلاّ توخي معاني النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه فيما بين معاني الكلم".([34])
ويدخل المتلقي إلى عالم المبدع الفسيح من خلال ارتباطه بمعاني النص الظاهرة والخفية المستخرجة والمستوحاة من الأوضاع اللغوية المختلفة؛ لأنه لا يرتبط بما ينطق به المبدع ويثبته ويصرح بو في النص، وإنما يرتبط بمعاني الكيفيات اللغوية التي اعتماد عليها المبدع في بناء نصه، وهذا هو الذي يجذب المتلقي لقراءة الإبداع واعمال الفكر فيه وتدبر معاني؛ "لأنّ المعاني المودعة في الألفاظ لا تتغير على الجملة عما أراده واضاع اللغة، واذا ثبات ذلك ظهر منه أنه لا معنى لقولنا: كثرة المعنى مع قمة اللفظ: غير أن المتكلم يتوصل بدلالة المعنى على المعنى إلى فوائد لو أنه أراد الدلالة عليها باللفظ لاحتاج إلى لفظ كثير".([35])
ويمكن تمثل ذلك في الشكل الآتي:


ويتحدث عبد القاهر الجرجاني عن إمكانية تلقي معنى كثيف بلفظ قليل، وكأنه يومئ إلى تعدد القراءة واختلاف التلقي من متلق إلى آخر كما هو – اليوم- معروف في نظرية جمالية التلقي المعاصرة التي تبلورت في مدرسة كونستانس (constance) الألمانية.
وهي نظرية توفيقية تجمع بين جمالية النص وتلقيه، استنادا إلى تجاوبات المتلقي وردود فعله بوصفه عنصرا فعالا يربطه بالنص تواصل وتفاعل فني جمالي.


رد مع اقتباس