عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
علاء التميمي
عضو نشيط
رقم العضوية : 2146
تاريخ التسجيل : Oct 2014
مكان الإقامة : الرياض
عدد المشاركات : 725
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

علاء التميمي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-06-2016 - 05:29 PM ]


وجملة الأمر أنّ المعنى لا يدرك إلاّ في سياق آلياته اللّغوية وعلاقته بالمتلقي، أي حين تتضافر المكونات النحوية والمجازية في النّص، وترتبط بالمتلقي فيتحقق التأثير الجمالي؛ وأولى هذه المسألة النقد العربي أهمية متزايدة لاسيما الجاحظ (ت 255 ه) والجرجاني في حديثهما عن مفهوم اللذة الأدبية وكيفية الوقوف عليها في النّص، وفي هذا الشأن قال الجاحظ "الشّيء من غير معدنه أغراب، وكلما كان أغراب كان أبعد في الوهم، وكلما كان أبعد في الوهم كان أطرف وكلما كان أطرف كان أعجب وكمما كان أعجب كان أبدع".([17])
وعبّر عبد القاهر الجرجاني (ت 471 ه) عن هذا الأثر ووظيفته الجمالية بعدة مصطلحات تشكل جميعها خصائص الأثر الجمالي، وهي: التأثير- القراءة - التأمل- التأويل- بوصفها وظائف المتلقي نحو النّص الأدبي ترتبط بتقنيات أسلوبية قوامها التفاعل المتبادل، فالت أثير ال ذي أومأ إليه صاحب دلائل الإعجاز يكشف عن وعي متقدم بطبيعة النص وخصوصية تلقيه: "لا يكون لإحدى العبارتين مزية على الأخرى، حتى يكون لها في المعنى تأثير لا يكون لصاحبتها".([18])
ولا تتحقق متعة النص (la jouissance du ****e) ولذة القراءة (de la lecture le plaisir) بمفهوميها العميق إلاّ بعاد التأمل واعمال الفكر وكادّ الذهن من أجال الفهم، واذا تحقق للمتلقي ذلك أحسّ بوقع المتعة الجمالية في نفسه، وهذا ما عبّر عنه شيخ البلاغة بقوله: "ومن المركوز في الطباع إذا نيل بعد الطّلب له أو الاشتياق إليه، ومعاناة الحنين نحوه، كان نيله أحلى، وبالميزة أولى، فكان موقعه من النّفس أجل وألطف، وكانت به أضن وأشغف".([19]) ويقول في موضع آخر: "فإذا رأيتها قد راقتك وكثرت عندك، ووجدت لها اهتزازا في نفسك، فعد فانظر في السبب، واستّقص في النّظر".([20])
أمّا القراءة بوصفها ممارسة فعلية تساهم في بناء وتشكيل النص فحظيت بعناية خاصة في دراسات العرب الأقدمين، كما اهتمّوا - أيضا- بالتأويل بوصفه فعالية فكرية ينهض بها المتلقي لاكتشاف آليات النّص وفهم أسراره والوصول إلى دلالاته، وتحديد إيحاءاته الفكرية. ومادامت البنية الأدبية بنية مجازية أمكن تصور علاقة الأدب بالتأويل؛ لأن المجاز هو الفضاء الذي يتحرّك فيه التأويل.([21])
وجاء اهتمام أسلافنا بجماليات التلقي مبثوثا في جملة أحكامهم بقضايا النّص عبر حقب زمنية مختلفة، من أمثال الجاحظ (ت 255 ه) وابن قتيبة (ت 276 ه) وعبد القاهر الجرجاني (ت 471 ه) الذّين يشكّلون تطورا لحركة الفكر النّقدي العربي بشكل عام، ويمثلون طفرة هائلة فيما يتعلق بجماليات التّلقي، وبخاصة في رحاب تلقي القرآن الكريم والشعر العرابي، اللذين أوجدا نوعين من التلقي هما التلقي الشفاهي والقراءة، أحدهما مرتبط بالآخر، ويتعلق الأمر بالسماع والإنصات، والإنشاد والتلاوة،([22]) والمتتبّع لتاريخ هذه الطفرة يدرك - لا محالة- أنه من السّهل إدراك الفوارق البيّنة في طبيعة التعامل مع النّص في الحركة النّقدية على تعدد الضوابط واختلاف مستويات الإدراك والذّوق.([23])
ويتبيّن لنا في ضوء ما سبق أنّ النّقد العربي القديم تعامل مع النّص من خلال ثلاث عناصر هامة (النّص- المتلقي- المبدع) ولم يهمل المتلقي (مستمعا أو قارئا أو مخاطبا) في عملية التفاعل مع قدرات النّص الفنية الكامنة فيه، ولمحاته الجمالية لكشف غوامضه وفهم أسراره.
وأصبح اليوم من مهمة المعاجم العربية لحديثة والمشتغلين في هذا المجال أن ينقلوا التلقي من مفهومه اللغوي إلى فضاءات جديدة، اكتسبت بعدا نظريا وجماليا في الدّراسات النظرية والنقدية المعاصرة كما هو الشأن في المعاجم الألمانية، مراعين في ذلك التمايز الموجود بين طبيعة النّص العرابي وطبيعة النّص الغربي، ودلالاتها التعبيرية، وكذا خصائص اللغة العربية ،كما رآها عبد القاهر الجرجاني (ت 471 ه): "استعارة وقعت موقعها، وأصابت غرضها، أو حسن ترتيب تكامل معه البيان، حتى وصل المعنى إلى القلب، مع وصول اللفظ إلى السمع، واستقرّ في الفهم مع وقوع العبارة في الأذن."([24])
ولعالّ أهام ما يبرر الاهتمام بنظرية جماليات التلقي بهدف الإفادة منها، هو أنها اكتسبت مفهوما نظريا جديدا في نسق الفكر الألماني المعاصر قبل أن يأخذ ذلك في أنساق المعرفة الإنسانية الأخرى، رغم محاولة بعض الدّراسات الفرنسية والأنجلو الأمريكية إيجاد بعض ملامحها.([25])
وترجع أهمية هذه نظرية التلقي إلى عدم الاكتفاء ببنية الجملة في التحليل اللغوي، بل تتجاوزها إلى بنية النص، واللغة أصلا هي تواصل بين المتحدث (المبدع) والمستمع (المتلقي) ممّا يؤكد دور المتلقي بوصفه المنتج الثاني للنص.
واذا كان الكلام في اللغة اليومية يهدف إلى التأثير في المتلقي وتحقيق غاية ما، فإنّ الأمر أشد وضوحا وقوة في العمل الأدبي، حيث يسعى المنشئ جاهدا ألاّ يترك شيئا للصدفة؛ لأن إرادته الواعية تنتقي المفردات وتركبها تركيبا محكما يميزه عن غيره، ويأتي بعادها المتلقي الذّي بدوره يكشف عن البنى الهيكلية العميقة، وكذا البحث عن الوشائج القائمة بينها.
وينضاف إلى ذلك أن الكلام الشفهي قد لا يكتنفه الغموض أو سوء الفهم؛ لأنّ المتكلمين يشتركان بالضرورة في شبكة واحدة من المعرفة والثقافة بحكم اشتراكهما في الوسط المحيطي والمكاني، غير أن النّص المكتوب يقع بين يدي المتلقي مقطوعا عن وسطه المكاني وبعيدا عن محيطه الزماني، وهذا يعني أن المنشىء والمتلقي لا يشتركان في شبكة واحدة من المرجعية، فما يحيل إليه المبدع يجهله القارئ، وهذه المسألة لم تغب عن الجاحظ حين قال: "وقالوا اللسان مقصور على القريب الحاضر والقلم مطلق في الشاهد والغائب، وهو للغابر الحاّئن، مثله للقائم الراهن، والكتاب يقرا بكل مكان، ويدرس في كل زمان واللسان لا يعدو سامعه، ولا يتجاوزه إلى غيره".([26]) يتبين لنا من خلال هذا القول أن الجاحظ نوه بالنص المكتوب، وأبرز فضله على المشافهة وأصبح بديلا حضاريا عن الشفاهية التي لم تعد القناة الوحيدة للاتصال.
ووفق هذا التصور فإن المتلقي يعتمد على بنية النص، محللا العلاقات الداخلية التي أسهمت في نسجه، وهي التي يتم فيها اختراق أفقية المنطق الخطي نحو منطق عمودي نطلب من خلاله إدراك الدلالات المنطوية والمتوارية في ثنايا المكتوب، وهذا لخلق السياق العام الضروري لفهم النّص.([27])
غير أنّ النص لا يمكن سبر أغواره وتسليط الأضواء على دروبه الملتوية إلاّ بحضور متلق خبير ومتطور، يدرك جيدا كيف يمكان أن يخلق نوعا من التضايف بين ما تسكت عنه اللغة وما تثبته، ويصنع الألفة بينها.
وأصفى قول يؤكد هذا الفهم: "وإنما المعنى أنّ هناك مشابهات خفية بدق المسلك إليها؛ فإذا تغلغل فكرك. فأدركها فقد استحققت الفضل، ولذلك يشبه المدقق في المعاني كالغائص على الدر".([28])
ولن يتأتى له ذلك إلاّ عن طريق الانسجام والتماسك باين أجزاء النص الواحد، وقاد أشارا عبد القاهر الجرجاني (ت 471 ه) إلى هذه المسألة بقوله: "وما شرفت صنعة ولا ذكر بالفضيلة عمل إلاّ لأنهما يحتاجان من دقة الفكر ولطف النظر ونفاذ الخاطر إلى ما لا يحتاج إلى غيرهما، ويحتكمان على من زاولهما والطالب ليما في هذا المعنى ما لا يحتكم ما عاداهما. ولا يقتضيان ذلك إلاّ من جهة إيجاد الائتلاف في المختلفات، وذلك بين لك فيما تراه من الصناعات وسائر الأعمال التي تنساب إلى الدقة، فإنك تجد الصورة المعمولة فيها كلما كانت أجزاؤها أشد اختلافا في الشكل والهيئة، ثم كان التلاؤم بينها مع ذلك أتم، والائتلاف أبين، كان شأنها أعجب والحذق لمصورها أوجب".([29])


رد مع اقتباس