عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
علاء التميمي
عضو نشيط

علاء التميمي غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 2146
تاريخ التسجيل : Oct 2014
مكان الإقامة : الرياض
عدد المشاركات : 725
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي مفهوم التلقي في التراث العربي

كُتب : [ 03-06-2016 - 05:27 PM ]


مفهوم التلقي في التراث العربي
الباحث: محمد مليـانــي
جامعة وهران – الجزائر
المصدر: مجلة دراسات وأبحاث - جامعة الجلفة - الجزائر، ع 13.
تاريخ النشر: 2013م

ملخص:
لقد جاء اهتمام أسلافنا بجماليات التلقي مبثوثا في جملة أحكامهم بقضايا النّص عبر حقب زمنية مختلفة، من أمثال الجاحظ (ت 255 هـ) وابن قتيبـة (ت 276 هـ) وعبد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ) الذّين يشكّلون تطورا لحركـة الفكـر النّقدي العربي بشكل عام، ويمثلون طفرة هائمة فيما يتعمق بجماليات التلقـي، وبخاصة في رحاب تلقي القرآن الكريم والشعر العـربي، اللذين أوجدا نوعين من التلقـي هما التلقي الشفاهي والقراءة.
لم يغفل الدّراسون العرب –قديما وحديثا- موقف المتلقي وذلك التفاعل الذي بينه وبين المبدع، وعلاقتهما الوثيقة التي تسهم في إضفاء شرعية فهم النص وتحديد فضائه. وأصفى ما نقدمه شاهدا على ذلك هو أنّ علم النحو العربي قد أقيم صرحه على دراسة دور المتلقي "فقد استنبطوا قواعدهم باستقراء الأداء الذّي يتلقاه المتلقي؛"([1]) لأنّ هذا الأخير يعد عنصرا رئيسا في فهم ما يُنشَأُ؛ ولأنّ النص موجّه إليه كي يفهمه ويتبيّن دلالاته المختلفة، ولذا فليحقق المنتج هذه الغاية عليه أن يراعي الإحساس المغوي عند المتلقي المتفاعل مع أجواء النّص الفسيحة للإسهام في إنتاج المعنى.
كما يعد المنشئ طرفا هاما وأساسا في علمية إنتاج الكلام، وعنصرا فعالا في تحديد خصائص النص، إذ على عاتقه تقع مهمة إخراجه على سمت كلام العرب من جهة، واستجابته لمقتضيات الوظيفة النصية التي تختص ببناء الحدث المغوي من جية أخرى، وذلك باختيار الجمل المناسبة لأساليب اللغة العربية، ولقوانين عموميا بكيفية تتسق وتنسجم مع علمية الاتصال والإبانة والإفهام،([2]) والمبدع كما يراه ر.بارث (R.Barthes) يكتب من لغته التي ورثيا عن سالفيه ومن أسلوبه، وهو شبكة من الاستحواذ اللفظي ذات سمة خاصة شبه شعورية.([3])
ويعد المتلقي قطبا مخر من أقطاب العلمية التواصلية، فمراعاته ومراعاة مقامه وجلب انتباهه مما يؤثر في تركيب الجمل وحشر مكوناتها وفق ترتيب معين تطلبه أكثر من ضرورة؛ لأنّ عدم مراعاة المتلقي قد يؤدي إلى خلق حالة فيه معاكسة تماما لما كان المتكلم يروم فيه.
فالمادة اللغوية التي تصنع الحدث اللساني، تتغير بفعل التركيب القائم على الحذف والذكر والتقديم والتأخير والوصل والفصال، وهذه الكيفيات التعبيرية هي التي تصنع الأدب، وتبرز الفرق بين خطاب وآخر. فالخطاب العادي يطلب متلقيا عاديا والخطاب المنماز يطلب متلقيا متطورا الذّي عليه أن يتعقب فراغات النص وفجواته وملتوياته قصد تحقيق المتعة الجمالية التي مصدرها لذة الاكتشاف القائمة أساسا على تفاعل المتلقي مع النص.
ولم يغاب هذا الأمر عن ذهن عبد القاهر الجرجاني (ت 471 ه) حين قال "إنّ المعنى إذا أتاك ممثلا فهو في الأكثر ينجلي لك بعد أن يحوجك إلى طلبه بالفكرّةّ وتحريك الخاطر لو والهمة في طلبه. وما كان منه ألطف كان امتناعه عليك أكثر واباؤه أظهر واحتجابه أشد".([4]) ومغزى كلامه أن المعنى كلما كان بعيدا كانت به النفس أشغف .
وبالرجوع إلى آي القرآن الكريم نجد لفظ التلقي ورد فيها للدلالة على التعليم والتلقين والتوفيق، ومنه قوله تعالى ﴿ومَا يُلَقَّاهَا إلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾([5]) وقوله تعالى ﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾([6]) أي يأخذ بعض عن بعضّ؛ وأمّا قوله تعالى ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾([7])؛ فمعناه أنّه أخاذها عنه([8]).
ويتضح لنا في ضوء ما تقدم، أنّ الاستعمال القرآني لمادة التلقي إشارة إلى عملية التفاعل النفسي والذهني مع النّص، وتأكيد على مكانة المتلقي ووظيفته العاليتين في تلقي النّص القرآني وفهمه للوقوف على أسراره العجيبة، وهذا ما فعله أسلافنا حقيقة، ومن ذلك قوله تعالىّ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم﴾([9]) والتقدير ولا يحسَبَنَّ الذين يبخلون البخلَ [هو] خيرا ليم، ولم يذكر البخل اجتزاء بعلم المخاطَب بأنه البخل، لذكره يبخلون"([10]) بوصفه قرينة لفظية، "ومثل ذلك قول العرب (مَنْ كَذَبَ كَانَ شَرا لَهُ)، يريد كان الكذب شرا له، إلاّ أنّه استغنى بأنّ المخاطَب قد علم أنّه الكذبُ، لقوله كَذَبَ في أوّل حديثه"،([11]) ويتضح بأن سيبويه (ت 180 ه) وهو راس النحاة كان يولي أهمية كبيرة للمتلقي في فهمه لكلام العرب ووصفه.
ويؤكد الفراء (ت 207 ه) ما ذهب إليه سيبويه أثناء حديثو عن حذف جواب الشّرط، وعلله بأنّ "العرب تفعل هذا في كل موضع يُعرف فيه معنى الجواب،"([12]) وهذا يعني أن المعرفة والدراية من الأمور التي ينبغي أن تكون حاضرة لدى المتلقي، ماع العلم أنّ جواب الشراط ركن أساسي في أسلوب الشرط إلاّ أنه يجيئ محذوفا في كلام العرب؛ لأنّ حذفه أبلغ من ذكره، وهو ما ضبطه النحاة بقواعد توجيه دقيقة لضبط المعنى المقصود بالحذف، ومن هذه القواعد:
أن يشتمل الكلام على ما يدلّ على جملة الجواب المحذوفة([13]) لفظا أو تقديرا، وأن لاّ يصلح جوابا.([14])
وأن يكون فعل الشرط التالي للأداة ماضيا لفظا ومعنى، أو معنى فقط، ينضاف إلى ذلك إذا كان مسبوقا ب: "لم" .
والنظم في مفهوم عبد القاهر الجرجاني (ت 471 ه) معنى مشكّل تشكيلا فنيا يقوم في جوهره على قدر كبير من الصنعة والغرابة والتقديم والتأخير والحذف" سبيل المعاني أن ترى الواحد منها غفلا ساذجا عاميا موجودا في كلام الناس كلهم ثم تراه نفسه وقد عمد إليه البصر بشأن البلاغة واحداث الصور في المعاني فيصنع فيه ما يصنع الصنّع الحاذق حتّى يغرب في الصنعة... ويبدع في الصياغة".([15])
وكان يمثل جيد صاحب دلائل الإعجاز اتجاها ناضجا لفهم معاني النحو؛ إذ كان ينظر للنحو على أنه تحصيل الخبرات المتنوعة بتراكيب وأساليب العربية وليس على أنه قواعد صرامة فحسب، وكان هذا الفهم الواعي للنحو ووظيفته قد ظهر في إشارات سيبويه "وقاد فطن كبار النحاة أيضا إلى أن الخبرة بتراكيب العربية هي في الوقت ذاته خبرة بالأغراض التي تعبر عنها اللغة، وبعبارة ثانية أدرك النحاة أن هناك التحاما بين ما يسمى تراكيب وما نسميه باسم المعاني...وظل إحساس النحاة بالاختلاف في إدراك المعاني حافزا يحفزهم إلى التمييز بين التراكيب أو التنويع القائم في بنية اللغة، ظل إحساس النحاة قائما بالعلاقة المتينة بين ما يسمى باسم اللغة وما يسمى الأغراض أو المعاني"،([16]) ويكمن فضل عباد القاهر الجرجاني (ت 471 ه) في جمع إشارات كبار النحاة في نظرية محكمة.
وفي ضوء هذا الفهم فإنّ النحو ليس إقامة الحدود بين الصواب والخطأ فحسب، بل هو إبداع، يقوم به المنشىء المتطور العارف بشجاعة العربية القائمة على طرق ترتيب الكلمات في جمل وتواشجها.


رد مع اقتباس