كما أنّه يطلب من مدرّس المستوى الأوّل أنّ تكون لديه الكفاية الجيّدة في اللغة الوسيطة، حتّى يُسهل عليه التّواصل اللغوي مع الطّلبة، وفوق هذين المؤهلين اللازمين لكل مدرّس يدرس طلبة المستوى الأوّل فإنّه يُطلب منه أن تكون لديه الحصيلة التربوية الثقافيّة في أساليب تقديم العربية للمستوى الأوّل وتقويمها؛ ولذلك فإنّ عدداً قليلاً من الزّملاء تكون لديهم الرّغبة في تدريس المستوى الأوّل.
ثانياً: للمنهج دورٌ مهم في تقديم الأصوات العربية، وهو لازمة ضروريّة لتمثّل الأصوات العربيّة، كما هي ضرورة وجود المدرس المناسب؛ ولذلك قام الزّملاء بتأليف منهج صادرٍ عن واقع التجربة المعاشة، آخذاً مجموع الملاحظات الميدانيّة من الزّملاءالذين تخصصوا في تدريس هذا المستوى، ويطبق هذا المنهج فصليّاً حيث تسجّل الملاحظات المستجّدة لغايات تعديله مستقبلاً.
ثالثاً: الاهتمام الشديد والتركيز المكثف في المستوى الأول على مهارة الاستماع والترديد، حيث استطعنا توظيف مختبرات مركز اللغات في هذه المسألة أيّما توظيف، يعكس صورتَه أداءُ الطلبة مع نهاية المستوى الأول. لذلك كانت خطتنا في التدريس تقوم على التأكيد على تعويد آذان الطلبة على الاستماع للأصوات العربية بتشكلات صوتية مختلفة، مباشرة من المدرس أو آلة التسجيل، بصوت رجل أو امرأة، صغير أو كبير في السن.
رابعاً: معالجة القضايا الصوتية على مبدأ التدرّج المدروس، حيث لا يتمّ الانتقال من ظاهرة صوتية إلى أخرى إلا حين التأكد من السيطرة عليها وامتلاكها من قبل الطلبة، فضلاً عن عدم الخوض في قضييتين صوتيين في آن واحد، كانَ سبباً من أسباب نجاحنا.
خامِساً: فَمن العناصر المهمة التي ساعدتنا على اختفاء هذه المظاهر الصوتية في المستوى الأول طريقة تقديم الأصوات العربيّة للطلبة، إذ نتّبع الطريقة الآتية:
- تقديم الأصوات على شكل مجموعات متشابه في أشكال الكتابة، ومواقعها المختلفة في الكلمة.
- ربط الصّوت بعدد النّقاط التي تكون فوقه أو تحته.
- تطوير الصّوت مع حركته الصّوتية مقطعيّاً، وذلك بربط الصّوت مع حروف المّد واللين.
- اختيار مجموعة مِن المفردات ذات دلالة ماديّة تتمثل فيها الأصوات المدروسة متضمنة الحركات القصيرة والطويلة.
- إنّ هذه المنهجيّة تساعدنا في تقديم المظاهر الصوتية للصوت العربي (تنوين، أل القمرية والشمسية، والتّضعيف، إلخ).
سادساً: أمّا وسائل الإيضاح أو ما يطلق عليها بالتقنيات التربوية، فهنا مجالها، والمدرس المبدع هو الذي يستطيع التعامل معها، وتطويعها لما يخدم أهدافه اللغوية، من تسجيلات وبطاقات، وصور، ومواقف صوتية حقيقية.
سابعاً: تعويد الدارسين على القراءة الصحيحة منذ المستوى الأوّل، بصرف النظر عن الطريقة التي يسلكها المدرس من كلية أو جزئية، فالمهم هو إكساب الطلبة القدرة على القراءة الصوتية الصحيحة.
إشكالات تدريس المحادثة
لا تبدأ مشكلات مهارة المحادثة أو التعبير الشفوي من حدوث بعض الاهتزازات أو الرّكاكة في طرائق تعبير الطلبة، أو القدرة على التحدث رغم وجود المفردات اللغوية المطلوبة لإجراء المحادثة، بل تبدأ بالمصطلح وطرائق تعامل المؤلفين معها ومن ثمّ المدرسين، لذلك رأينا أن نقدّم رؤية كاملة حول هذا الموضوع بدءاً من المصطلحات ، حيث لو تتبعنا المصطلحات التي تطلق على هذه المهارة بالذات، لوجدنا أنها تترواح بين: المحادثة، التحدث، الكلام، التكلم، التعبير الشفوي. ولو توقفنا على دلالتها في المعاجم العربية من لسان العرب وغيرها سوف نخرجُ بأنّ المعاجم اللغوية لم تضع حدوداً فاصلة بين هذه المصطلحات الشائعة في كتب تعليم العربية للناطقين بغيرها، سوى ما قد نستطيع استخلاصه وفقاً للرؤى اللسانية الحديثة. مما فتح المجال واسعاً لاجتهادات الاستخدام. وفيما نراه من خلال فهمنا اللغوي وواقع استخدامنا التعليمي، يمكن أن نعتبر إنّ تدريس الأصوات يقع خارج نطاق المحادثة وفق مفهومها الدلالي، حيث هي اللبنة الأولى في صرحها.
أما مصطلحا الكلام والحديث فهما يأتيان لأغراض تواصلية تمكن الدارس من الاندماج في المجتمع وتساعده على تلبية حاجاته وأهدافه وغاياته، ولكنها لا تخرج عن المفهوم الوظيفي للغة.
أما المحادثة والتحدّث فهما ما يمكن أن نعدّها القدرة على التعبير الحر دون حاجة إلى أن يكون لدى الدارس فكرة عن طبيعة الحوار أو الحديث أو المناقشة، فضلاً عن قدرته فيها على المبادأة في التحدّث والمناقشة.
في حين يجمع مصلح التعبير بينَ الحديث والكلام من جهة والتحدّث والمحادثة من جهة أخرى، فإذا أردنا التعميم في القدرة على الأداء اللغوي استخدمنا هذا المصطلح وكثيراً ما يميل الدارسون والمشتغلون بعلم تعليم العربيّة إليه على هذا الأساس. فهو يمثل المرحلة الوظيفية التواصلية والوظيفية والمرحلة الإبداعية. وليس من السهولة بمكان أن تجد كتاباً يعالج مثل هذه القضايا النظرية، ولمّا كانت حاجتنا للوقوف على دقائق هذه الأمور قمنا بتقصي بعض الكتب المتخصصة في تعليم العربية للناطقين بغيرها لنجد أنّها تقدّم المحادثة (التعبير الشفوي) على ثلاثة مستويات، أو تفسمه إلى ثلاثة أقسام، هي:
- تعبير مقيّد / محادثة مقيّدة ويختص هذا بالمستويات الأولى.
- تعبير موجّه / محادثة موجّهة ويختص هذا بالمستويات المتوسطة.
- تعبير حرّ / محادثة حرّة ويختص هذا بالمستويات المتقدمة.
إنَّ المشتغلين في تدريس العربية يقدّمونها في مستويين :
المستوى الأوّل: يكون الغرض منه خلق الحالة التّواصليّة بينَ الطّلبة، إذ يلبّي حاجات الدارس، في الحياة اليوميّة من طرح أسئلة والإجابة عنها، أو إعطاء التعليمات والإرشادات، وإلقاء التقارير والملخصات والدّعوات، ويوصلها بعضهم إلى المناقشة والحوار.
المستوى الثّاني: يكون الغرض منه تعبيريّاً، من حيث إيضاح الأفكار والتعبير عن المشاعر والخواطر ونقلها إلى الآخرين بطريقة أدبية مشوّقة، وهو ما يطلق عليه بالتعبير الإبداعي.
والذي نريد التأكيد عليه هنا هو أنّ المدرّس هو مجرد موجّه للحديث(2)،
- مراقب لمجراه،
- ضابط لحدوده،
- مصحح لأخطائه،
- موجّه لتيار الفكر فيه.
ومن خلال خبرة عملية بينَ كاتبي هذا البحث وزميل ثالث (3) في زمن كنّا فيه مضطلعين بتدريس مهارة المحادثة، كانَ الاتفاق على مجموعة من الأسس التي يمكن القول إنّ مركز اللغات في الأردنية يسير عليها ويتبنّاها، لذلك كنّا نشاهد الرّضا التام والبالغ على وجوه طلبتنا الملتحقين بشعبة العربية للناطقين بغيرها، وهذه الأسس هي:
1- ينبغي أن يتحدث الطالب أكثر من المعلم، لأن مادة المحادثة موجهة إليه.
2- دور المعلم دور توجيه وإثارة للقضايا وتوسيعها وتعقيدها.
3- يأخذ الطالب وقتاً مناسباً في الحديث دون مقاطعة حتى إن وقع في خطأ، حيث يقوم المدرس بتسجيل الملاحظات وبعد انتهائه يناقشها معه.
4- يقوم المدرس على تسجيل وكتابة المفردات الجديدة التي أفرزتها المحادثة على السبورة، وكذلك التراكيب اللغوية الجديدة .
5- يراقب مدى إفادة الطلاب من هذه الملاحظات المدونة على السبورة أثناء متابعة المحادثة ، فإذا استخدمها الطلاب وأحسنوا استعمالها فتكون الفائدة قد تحققت.
6- لا يشترط في الطالب أن يكون في وضع معين أثناء الحديث كالوقوف أو الخروج إلى السبورة ، بل يتحدث كما هو جالسٌ دون تغيير، مما يعطيه الحرية والحركة في التعبير.
7- من علامات إصغاء المدرس اثناء حديث الطالب وقوف المدرس لا جلوسه على الكرسي،إذ يوفر بهذا الوقوف حيوية للحوار ، ويغرس انطباعاً لدى الطلبة بمدى اهتمام المدرس لما يقال ، واعتبار أنّ الجلوس يميت الحوار.
ومن الحلول التي وصفت بالمفيدة نظرياً وتطبيقياً الخطوة الرائدة التي قامت شعبة اللغة العربية للناطقين بغيرها على تطبيقها، وهي دمج الطلبة الأجانب بمجتمع الجامعة المحلي من خلال ما يعرف ببرنامج خدمة المجتمع، حيث تتم المزواجة بين طالبين عربي وأجنبي للقيام بممارسة اللغة في مواقف حقيقية، لفترات شبه يومية، مما كان لها أكبر الأثر على أداء الطلبة الشفوي.
كما أنّ نظام شعبة العربية للناطقين بغيرها يدعم فكرة الأعداد القليلة من الطلبة في الشعبة الواحدة، وذلك تساوقاً مع الأفكار التي تدعو إلى تشجيع الطلبة على المناقشة والمحادثة والمحاورة من خلال إعطائه فرصاً كافية للتعبير عن نفسه وما يجول في خاطره، واستخدام العربيّة داخل الشّعبة بطريقة أكثر تواصليّة مع المدرس وزملائه.
كما أنّ تبادل الخبرات بين المدرسين من خلال تجاربهم المحتلفة، كانَ لها دورها في إثراء هذا النجاح وزيادة تألقه، حيث دأب مدير المركز ومشرف الشعبة على عقد هذه الندوات لتبادل الأفكار والخبرات.
وهناكَ مسألة في غاية الأهمية لا بد أن نلفت النظر إليها، ألا وهي التفريق بينَ معاني الكلمات ودلالاتها، فلا بد من الأخذ بالاعتبار مجموعة من العوامل في ذلك قد تحول دون الحصول على مرادف مناسب لها في لغة الدّارس، وقد أحسنَ وصفاً الدّكتور أحمد مختار عمر (4) حينَ قسّمها على النّحو الآتي:
1- اختلاف المَجال الدّلالي لِلَفظين يبدوان مترادفين، من حيث اتّساعه في لغة وضيقه في لغة أخرى.
2- اختلاف التّوزيع السياقي لكلمتين تبدوان مترادفتين في اللغة، لكنّ تطبيقاتهما في الاستعمال أو في سياقاتهما تبدو مختلفة.
3- الاستخدامات المجازية للمفردات، لذلك لا تصحّ في أيّة حالٍ من الأحوال التّرجمة الحرفية، فالقاموس لا يقدّم خدمة لغويّة توصف بالدّقة..
4- التلّطف في التعبير، من ناحية اتصاف بعض المفردات بحساسية خاصّة، لمعاني لا يفضل التصريح بها.
5- الإيحاء والجرس الصوتي، ولا تتأتى معرفة دلالات الكلمات إلاّ من سياقاتها.
اختلاف المألوفات الثقافيّة والاجتماعية لكلا اللغتين، لغة الدارس واللغة المستهدفة، حيث هناك كلمات ومفردات ارتبطت بعادات وتقاليد اجتماعية، برزت في بيئة خاصة، لا تعالجها المعجمات العربية.
طَرائق التدريس:
يُلْحَظُ المتتبّع لسير حَرَكة تطوّر طرائق تدريس اللغات الأجنبيّة، سيْطَرَة طريقة القواعد والترجمة، أو ما تُسمّى بالطّريقة التّقليديّة أو الكلاسيكيّة، فتراتٍ طويلة مِن الزّمن - لِدرجة جعلت بعض المُشتغلين يعتقدون بصعوبة الانعتاق منها - تِلك الطّريقة التي تقوم على تَرجمة النّصوص ودراستها لغايات حفظ الكلمات، والقوالب اللغويّة والنّحوية، ومِن المنصف القول إنّ ظهورها في ذلك الوقت كانَ له مسوّغاته، خاصة إذا عَلمنا ارتباط نشأتها بِدراسة اللغة اللاتينية، وفهم الكتب الموضوعة بها، تلك اللغة الحية بثقافتها وحضارتها ورموزها، الميتة في التواصل بها. ولكنّ استخدام تلك الطّريقة الذي ما زال شائعاً في تدريس اللغة العربية للناطقين بغيرها يواجه مشاكل جمة صعبة على الحصر، فمن المفيد معرفة نتائج هذه الطّريقة الاستماع لرأي أحد الدّارسين وفقها وهو المستشرق صمويل زويمر، إذ يقول: إنّ طريقة تعليم العربيّة للأجانب قاصرة على تربية الذّاكرة في حفظ كلمات وجملٍ وصيغٍ وأنماط لغوية، دون الالتفات إلى درجة استعمالها في الغرض من التعليم... وتهمل قوى العقل، تتركها في خمولها التّام، ولا يجد العقل مجالاً لفهم المعاني التي تمسّ الحياة، ويتطلبها المتعلّم، ولا تستغلّ المعاني، التي تختزنها ذاكرة الطّالب من ثقافته ولغته، فيعطى له مقابلها ... وتضيع السّنون، ويخرج المتعلّم بثروة قيّمة غير أنّها لا تصلح إلا للعرض في واجِهة بائعي الجَواهر الكلاسيكيين (5).
واختلفت أهداف تعلم اللغات الأجنبيّة وغاياتها مع بدايات القرن الماضي، مما استتبعه ميلادَ طرائق لغوية جديدة تلبّي الحاجات الإنسانية الحديثة، ولعلّ أهم مسوغات هذا التطوّر ما شهده العالم مِن تقدّم تقني وعلمي إذ شملت أرجاؤه شتّى مناحي الحَياة.
كما أنّ نضوج معالم علم النّفس وتطوراته أدّت إلى ميلاد علومٍ جَديدة، كانَ في مقدّمتها "علم اللغة النفسي" ذلك العلم الذي أخذ على عاتقه تمهيد المسالك الصّعبة التي قد تواجه متعلمي اللغات الأجنبيّة، وينطبق هذا الحديث على "علم اللغة الاجتماعي" الذي أمدّنا بنتائج علميّة ساهمت في عملية تعليم اللغات الأجنبية.
وأسهم بدءُ ظهور التّوجهات الخاصة والأهداف المحددّة في تعلّم اللغات الأجنبية بدوره في ظهور مداخل وطرائق جديدة في تعليم اللغات الأجنبية، وتأسيساً على ما سبق ذكره يمكن رصد العديد مِن الطّرائق المتنوعة تبعاً لِتنوّع الأهداف المرجوة مِن تعلّم اللغة، ونحن المشتغلين في حقل تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، لا نميل لأيّة طريقة مِن تلك الطّرق إنّما نحاول أن نسلك أيسر الطرق نحو تحقيق الهدف التعليمي. ولم يخل مِن بعض الإشكالات خاصة في ضوء اختلاف الكتب والمناهج والمدرّسين، وتنوع خبراتهم ومستوياتهم وقدراتهم، ويمكن إيجاز تلك الطّرق التي نستخدمها كثيراُ وتلك التي قلّ استخدامها.
يَرى بعض التّربويين المهتمين بتعليم اللغات الحيّة أنّه لو تقاربت بعض العوامل من خصائص المتعلمين، ونوعيّة المادة، وطرائق تقديمها، والأهدالف المرجوة منها، فإنّ طرق التّدريس هي التي ستؤدّي إلى إظهار الفروق في نواتج التعليم. ويقودنا هذا إلى الاعتقاد بأنّ طرق التّدريس لها دور فعّال في عمليّة تعلّم العربيّة وتعليمها، وتحقيقاً للفائدة نعرض طرق تعليم اللغات الحيّة، التي قام على حصرها "مكاي" في كتابه تحليل تعليم اللغة (6)، حيث حصرها في خمس عشرة طريقة، هي:
1- الطريقة المباشرة.
2- الطريقة الطبيعيّة.
3- الطريقة السيكلوجيّة.
4- الطريقة الصّوتية.
5- طريقة القراءة.
6- طريقة القواعِد.
7- طريقة التّرجمة.
8- طريقة القواعِد والتّرجمة.
9- الطريقة التوليفيّة.
10- طريقة الوحدة.
11- طريقة ضبط اللغة.
12- طريقة التقليد والحفظ.
13- طريقة المران.
14- طريقة المفردات المتشابهة.
15- طريقة اللغة المزدوجة.
ويمكن إجمالها أو إعادة تقسيمها اعتماداً على أسسها المعرفية والنفسية إلى ثلاث فئات، هي: